انتهت لقاءاتُ القاهرة، التي جمعت ثمانية فصائل فلسطينية مع الوسطاء الثلاثة: المصري والتركي وال قطر ي، بعد أربعة أيام شاقةٍ في نقاشٍ مفتوحٍ وحادٍ لخارطة الطريق المُقدَّمة من "مجلس السلام" الذي ترعاه الولايات المتحدة، والمؤلفة من 15 بنداً؛ من المُفترض أن تُثبِّت وقف إطلاق النار وتنتهي بإعادة إعمار قطاع غزة. ويقع في صلب هذه الخطة البندُ الثامنُ، الذي يقضي بتسليم سلاح المقاومة وتفكيكه تماماً.
وإذا شئنا الدقة، تُعدُّ هذه الخطةُ من ألفها إلى يائها وثيقةَ استسلامٍ، مطلوبٌ من الفلسطيني أن يقبلها ويتعاطى معها. وما يهمُّ الإسرائيليَّ منها هو تفكيك المقاومة والقضاء عليها، رغم بعضِ مفرداتها التي تتحدث عن المساعدات الإنسانية وإعادة تأهيل القطاع وإعماره. أما ما يهمه على المدى البعيد، ووفقاً لأهدافه المعلنة، فهو تهجيرُ أهالي القطاع والاستيلاءُ على الأرض.
وإذا كان التعاطي الفلسطيني مع هذه الخطة، في محاولةٍ لتعديل بنودها لتغدو صالحةً للهضم المرير، يُعبِّر عن مأزقٍ فلسطينيٍّ غيرِ مسبوقٍ وممرٍّ إجباريٍّ ينبغي سلوكُه؛ فإن ثمة خمسة مؤثراتٍ تُمثِّل عواملَ شدٍّ وجذبٍ تتركُ تأثيراتِها على الخطة، وبالتالي على واقع قطاع غزة ومستقبله، بل وعلى القضية الفلسطينية برمتها:
الأول: العامل الذاتي الفلسطيني: الواقعُ الفلسطينيُّ منقسمٌ على ذاته إلى حدِّ الخجل والفضيحة، في ضوء استنكافِ السلطة ومنظمة التحرير عن تأدية أي دورٍ سياسيٍّ أو مبادرةٍ من شأنها أن تُعيد تصليبَ الموقف الفلسطيني. ومن ناحية المقاومة وفصائلها، فلا يمكنها إطلاقاً تسليمُ سلاحها أو التخلي عنه؛ فهذا لم يحدث في تاريخ الثورة الفلسطينية ولا حتى في تجربة أيّة حركةٍ تحرريةٍ عالميةٍ. لا يمكننا التخلي عن السلاح في معركتنا التحررية والوجودية؛ فهذا السلاح يُعبِّر عن شرف الفلسطيني وتضحياته الجسام، أما المناورة فهي مشروعةٌ لعبور ثقب الإبرة في هذه المحطة التاريخية. ولكن ما المطلوب فلسطينياً في هذه المرحلة؟ ببساطة، مطلوبٌ أولاً من قيادة منظمة التحرير ومن "فتح" تحديداً إطلاقُ حوارٍ وطنيٍّ شاملٍ يُفضي إلى ترتيب البيت الفلسطيني، بل وإعادةِ بنائه من جديدٍ بما يشمل الكلَّ الفلسطينيَّ؛ فهو أبسط ردٍّ على الاحتلال ومشاريعه التهجيرية والتهويدية في الضفة وغزة و القدس . وثانياً، يتعيَّن على فصائل المقاومة أن تتمسك بالمقاومة بكافة أشكالها، وهو أبسط ردٍّ على مشروع دولة الكيان الهادف إلى القضاء كلياً على المقاومة، فكرةً وممارسةً.
الثاني: العامل والمؤثر "الإسرائيلي": تعيش دولةُ الكيان أزمةً عميقةً تتفاقم مع الوقت، فيما يحاول نتنياهو وحكومته الفاشية تحقيقَ مكاسبَ وهميةٍ بعد سقوط مشروع نتنياهو في الهيمنة على المنطقة إثر هزيمته أمام إيران، وغرقه في وحل الجنوب اللبناني. ويجد في الحلقة الفلسطينية الضعيفة الميدانَ الذي من الممكن أن يُحسِّن صورتَه أمام الناخب "الإسرائيلي"، وبالنسبة له هو الميدان الأهمُّ في الوقت الراهن لتسجيل بعض المكاسب. أما عن مشروع التهجير فهو قائمٌ بالفعل، ويُمارس بشكلٍ يوميٍّ في الضفة والقطاع، ويدفع نتنياهو بخطته قدماً في ضوء الحالة الفلسطينية والعربية المزرية. ويُعدُّ البندُ الثامنُ في الخطة الأمريكية القاضي بتسليم سلاح المقاومة هو المدخلَ في خطة التهجير؛ وسيلجأ نتنياهو إلى نسف الخطة بذريعة أن هذا الهدف لم يتحقق، وستقوم "إسرائيل" في الأيام والأسابيع القادمة بتكثيف هجماتها العسكرية وارتكاب المزيد من المذابح، ما لم تُلجمه الأطرافُ الراعية لهذه الخطة.
الثالث: الوسطاء: تقوم دولُ الوسطاء الثلاث، مصر وتركيا وقطر، بجهودٍ إيجابيةٍ لإنهاء مأساة القطاع، ورغم تبنيها للخطة وضغوطها الخاصة ببند السلاح، غير أنها بإمكانها أن تلعب دوراً أكبر؛ فدولة مصر دولةٌ وازنةٌ في المنطقة، وبإمكانها أن تقول "لإسرائيل": كفى، لأن المخطط التهجيري يمسُّ الأمنَ القوميَّ المصريَّ. وبإمكان مصر أن تضغط على ترامب حتى يُلجم بدوره نتنياهو، وكذلك تركيا؛ فهي دولةٌ لديها من القدرات ما يمكنها من وقف الحرب لو أنها مارست ضغطها السياسيَّ على الولايات المتحدة و"إسرائيل" بشكلٍ أنجع. على الدول الثلاث أن تُشكِّل جسماً ضاغطاً، ليس على الفلسطيني، وإنما على الطرف الآخر. وإذا استغلت هذه الدولُ مكانتَها ومصالحَها وإمكانياتِها، لاستطاعت بسهولةٍ أن تُفشل المشروع "الإسرائيلي"، وتوقف الهجمات "الإسرائيلية" على القطاع.
الرابع: الولايات المتحدة والعالم: من الواضح أن ترامب لم يعد متحمساً لاستئناف الحرب على إيران، ورأينا كيف استطاع أن يُلجم نتنياهو في المواجهة الأخيرة، ويُرغمَه على وقف استهداف ضاحية بيروت. وأدرك ترامب أنه لا يمكن فصلُ الموضوع الفلسطيني عن الملفين الإيراني واللبناني، لكنه يسمح لدولة الاحتلال أن تستبيح الأراضي الفلسطينية. والآن باتت خطة ترامب الخاصة بغزة مُعلَّقةً بإرغام نتنياهو على وقف الحرب على غزة، وتطبيقِ المرحلة الأولى من الاتفاق، والانسحابِ من غزة، ووقفِ مخططاته التهجيرية؛ وإلا فإن خطته برمتها معرضةٌ للانهيار التام، فيما سيتحوَّل مجلس سلامه إلى كيانٍ فاشلٍ لن يلبث أن يندثر. ومن هنا، على الولايات المتحدة أن تقبل بتعديلات الفصائل الفلسطينية على الخطة، بما فيها البند الثامن، إن أرادت الوصولَ إلى إنجازاتٍ ملموسةٍ في مشروع إعادة إعمار قطاع غزة. أما دول العالم، وخاصة الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، فإن مواقفها ملتبسةٌ وهشةٌ ولا تكاد تلعب أيَّ دورٍ في هذه الأزمة. نحن ننتظر من روسيا ومن الصين أن تلعب دوراً حيوياً في الضغط لإعادة فتح الملف الفلسطيني وإعادته إلى الطاولة الدولية بعد سنواتٍ من إقصائه وتغييبه.
الخامس: إيران ومحور المقاومة: لقد تمكنت إيران، بصمودها وأدائها المميَّز في الميدان العسكري والسياسي في الحرب الأخيرة عليها، من إفشال استراتيجية نتنياهو ومشروعه الكبير في تغيير الشرق الأوسط والهيمنة على المنطقة، وتحوَّلت إيران إلى قوةٍ إقليميةٍ كبرى، بل الدولةِ الأهمِّ في المنطقة. وقبل أيام، سجلت إيران إنجازاً سياسياً مهماً بعد الضربة التي وجهتها للكيان، وثبَّتت معادلةَ حماية لبنان، مما أفقد "إسرائيل" أوراقَها الاستراتيجية في لبنان والمنطقة. لكن المطلوب من إيران أن تربط الملفَّ الفلسطينيَّ في مفاوضاتها الدائرة مع الولايات المتحدة على غرار الملف اللبناني؛ فهذه فرصةٌ سانحةٌ لتسجِّل إيران مكسباً استراتيجياً جديداً في إعادة تشكيل وتصليب محور المقاومة؛ فلا يجوز تركُ الفلسطينيِّ وحيداً في معركته الوجودية مع الصهاينة. إيران ومعها محور المقاومة بوسعها أن تُقدِّم ما هو أكثر من التصريحات والشجب والاستنكار. فنحن كفلسطينيين ننتظر أن يدخل ملفُّنا في صلب المفاوضات الدائرة، وهو ما من شأنه أن يضع "إسرائيل" في الزاوية، ويُساهم في إدخال الدول الوازنة في العالم في الضغط على دولة الكيان لإنهاء حربها على غزة، وتوفير الأرضية اللازمة لفتح أفقٍ سياسيٍّ للقضية الفلسطينية.
هذه العواملُ الخمسةُ هي العناصرُ المؤثرةُ في الخطة الأمريكية الأخيرة. الفصائل الفلسطينية قالت كلمتها، ولا يمكنها أن تقبل أكثرَ من التعديلات التي سجلتها على الخطة. الآن الكرة في ملعب الجميع: "إسرائيل"، الوسطاء، الولايات المتحدة، ومحور المقاومة.

