Menu

تقريرأزمة زيوت المولدات في غزة: تهديد بـشلل القطاع الصحي والخدماتي

مهند فوزي أبو شمالة

خاص_بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

أفرز العدوان الإسرائيلي المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023 على قطاع غزة، أزمات متلاحقة مسّت مختلف جوانب الحياة، في ظل استمرار القيود المفروضة على حركة البضائع عبر المعابر وتحكّم الاحتلال بالأصناف المسموح بإدخالها إلى القطاع، حيث تجاوزت تداعيات هذه القيود المواد الغذائية والاحتياجات المعيشية، لتمتد إلى مستلزمات حيوية لا غنى عنها لاستمرار الخدمات الأساسية، من بينها زيوت المولدات الكهربائية، التي توقفت “إسرائيل” عن السماح بإدخالها منذ إعادة فتح المعابر عقب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

إنّ استمرار انقطاع هذا الصنف الحيوي يوسّع دائرة الانعكاسات لتشمل قطاعات حيوية مثل المستشفيات وسيارات النقل العام وشبكات مولدات الكهرباء البديلة، حيث تعتمد آلاف الأسر على حلول مؤقتة باتت مهددة بالتوقف في أي لحظة، في وقت يعاني فيه القطاع من أزمة طاقة خانقة وانهيار واسع في البنية التحتية، في حالة قد تؤدي إلى شلل تدريجي في الخدمات الأساسية داخل القطاع، ومن أهمها المستشفيات.

تحذيرات من كارثة صحية وشيكة

يمر القطاع الصحي اليوم بـأزمة وجودية طاحنة جراء النقص الحاد في الزيوت والوقود اللازم للمولدات ومركبات الإسعاف، وهذا الوضع يُنذر بكارثة صحية تهدد حياة عشرات الآلاف من المرضى والجرحى، في هذا السياق، يقول مدير مجمع الشفاء الطبي د. محمد أبو سلمية في حديث لـ"بوابة الهدف": “إنّ المستشفيات تعمل منذ بداية العدوان على المولدات الكهربائية التي تحتاج إلى قطع غيار وإصلاحات كثيرة، وتعتمد بشكل كبير على السولار وزيوت المولدات الكهربائية، أصبحت تعاني من نقص كبير في الزيوت مما سيؤثر على عمل المستشفيات؛ التي تعتمد أقسام العناية المركزة والعمليات وحضانات الأطفال وغسيل الكلى، والمختبرات والأشعة على المولدات”.

ويشير أبو سلمية إلى أنّ “المستشفيات تواجه هذا النقص عبر ترشيد كبير لاستخدام المولدات الكهربائية، بالإضافة إلى الاستعانة بـ"الزيت المحروق"، على الرغم من أنّ هذا الأمر يؤثّر على المولدات الكهربائية ويجعلها عرضة للأعطال”، لافتاً إلى أنّ “المستشفيات تحتاج إلى آلاف اللترات أسبوعيا، فكل 500 ساعة تشغيل مولد كهربائي تلزم تغيير الزيوت فيما المولدات تعمل على مدار الساعة.”

وأوضح مدير مستشفى الشفاء أنّ “المستشفيات تحصل على هذه الزيوت من المنظمات الدولية العاملة في قطاع غزة، مثل منظمة الصليب الأحمر الدولي، وأطباء بلا حدود، والصحة العالمية، وفي كثير من الأحيان لا تستطيع المنظمات الدولية توفيرها فتضطّر المستشفيات إلى شرائها بمبالغ خيالية جداً من السوق المحلي في داخل القطاع، وهي شحيحة جداً ولا يمكن يعني الحصول عليها بشكل واسع”.

الحلول البديلة عبء إضافي على الغزّيين

لا تتوقف انعكاسات أزمة ندرة زيوت المولدات أو انقطاعها شبه الكامل على القطاع الصحي فحسب، وإنّما تمتد لتصيب شرايين رئيسية في الحياة العامة في قطاع غزة، أهمها شركات الكهرباء البديلة، التي يتمّ إنتاجها للمواطنين، بعد أن دمّر العدوان محطة التوليد الوحيدة وشركة الكهرباء في غزة، حيث أصبحت الخدمات المقدّمة للمواطنين غير مستقرة، عدا عن ارتفاع كبير في أسعار الكهرباء، فيتمّ احتساب سعر كيلو الكهرباء بما يقارب 30 شيكل، وهذا الارتفاع بحسب ما تقول شركات المولدات سببه انقطاع الزيوت وقطع الغيار والصيانة والغلاء الكبير في أسعارها.

هذه الأزمة أكدها أصحاب شركات المولدات على لسان المتحدث باسم جمعية أصحاب المولدات الكهربائية في قطاع غزة، محسن صيام، الذي صرّح لـ”بوابة الهدف”: “إنّ الجمعية تتابع بقلق بالغ الأزمة المتفاقمة التي تواجه قطاع المولدات الكهربائية نتيجة النقص الحاد في زيوت المولدات وقطع الغيار الأساسية اللازمة لأعمال التشغيل والصيانة، في وقت يزداد فيه اعتماد المواطنين على المولدات كمصدر رئيسي للكهرباء في ظل الظروف الإنسانية والمعيشية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة.”

وأوضح صيام في كلمته خلال مؤتمر عقدته جمعية أصحاب المولدات أنّ “الأشهر الماضية شهدت استنزافاً شبه كامل للمخزون المتوفر لدى أصحاب المولدات، مشيراً إلى أنّ كميات الزيوت والفلاتر وقطع الغيار الضرورية أصبحت غير متوفرة أو متوفرة بكميات محدودة للغاية، الأمر الذي يهدد قدرة المولدات على الاستمرار في العمل بشكل آمن ومستقر”.

وأضاف: “إنّ استمرار تشغيل المولدات دون إجراء الصيانة الدورية اللازمة وتوفير الزيوت وقطع الغيار سيؤدي إلى أعطال جسيمة وخسائر كبيرة، وقد يتسبب في خروج أعداد متزايدة من المولدات عن الخدمة خلال الأيام المقبلة، محذراً من أن قطاع غزة قد يشهد توقفاً كاملاً أو شبه كامل لعمل المولدات.”

يُذكر أنّ أزمة الزيوت المعدنية تمثّل تحدياً أكبر لكل الجوانب التي تتداخل بها، حيث ارتفع سعر لتر الزيت تدريجياً من نحو 10 شواكل قبل الحرب إلى 2700 شيكل في الوقت الحالي، ما جعل استمرار تشغيل المولدات وصيانتها أمراً بالغ الصعوبة.

من الكهرباء البديلة إلى سيارات النقل العام "الأجرة"، وهي سيارات أكلتها شوارع غزة المدمرة بفعل العدوان، واستخدامها الكبير أدى لانتهاء صلاحية مكوناتها، التي أصبحت بحاجة لصيانة كاملة، إلا أنّ عدم توفر قطع الغيار الخاصة بها وأزمة الزيوت تحول دون إصلاحها.

أزمة مزدوجة على السائق والمواطن

يمثّل هذا القطاع أكبر المتضررين من أزمة انقطاع الزيوت التي تُعتبر أساساً في استمرار عمل مكونات السيارات، فاضطّر مئات السائقين لوقف سياراتهم عن العمل، والقليل ممن استمروا في تشغيلها باتوا معتمدين على "الزيت المحروق"، الذي شهد بدوره ارتفاعاً هائلاً في سعره، عدا عن صلاحية استخدامه القليلة على المدى القريب، وضرره الأكبر على المدى البعيد، وهذا الارتفاع يدفع أصحاب السيارات لرفع تكلفة المواصلات على المواطنين.

في هذا الإطار، يقول السائق محمد البواب في حديث لـ"بوابة الهدف"، إنّه اضطّر للتوقف عن عمله في مهنته الرئيسية كـ"سائق أجرة"، لوقت كبير؛ وذلك بسبب عدم توفر الزيوت اللازمة لمواتير السيارات بالإضافة لسعرها الجنوني، كما أنّه يلجأ لإعادة تشغيلها والاعتماد على الزيت المحروق بغض النظر عن الضرر الذي سيلحق بسيارته.

يضيف البواب أنّ ما دفعه لذلك هو أنّ “سياراته تُعتبر مصدر رزقه الوحيد، في وضع اقتصادي متردٍّ أصلا”، فضلاً عن أنّ ما يعود عليه من هذه المهنة ليس بالكم الذي يكفي لعائلته، إلا أنّ غياب الحلول وانعدام الأفق أجبراه على الاستمرار بها.

كما يشير إلى أنّه في حال تعطلت السيارة تماماً نتيجة هذا الزيت، فإنّ قطع الغيار أو الورش القادرة على الإصلاح في ظل هذه الظروف غير قادرة على إصلاحها، مضيفا: "حتى لو امتلكت المال لإصلاح المحرك لاحقا، قطع الغيار مفقودة تماماً من الأسواق، وإن وُجدت فأسعارها فلكية وتفوق سعر الزيت نفسه، ونحن نستهلك ما تبقّى لدينا من أصول وممتلكات فقط من أجل البقاء على قيد الحياة".

ويختم السائق البواب حديثه مع "الهدف" بالقول: “قطاع النقل والمواصلات يلفظ أنفاسه الأخيرة، إذا استمر هذا الوضع، ستتوقف الحركة تماما، وهذا يعني شلل ما تبقى من مظاهر الحياة”.