Menu

الكيان الصهيوني... أزمات متلاحقة واستحقاقات داهمة

موسى جرادات

بوابة الهدف

تدخل دولة الاحتلال الصهيوني مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، في لحظة تبدو فيها قدرة المشروع الصهيوني على فرض وقائعه بالقوة أقل مما كانت عليه قبل سنوات. فالحرب المفتوحة التي خاضها الاحتلال على أكثر من جبهة، والرهان على تحقيق ما أسماه "النصر الحاسم"، لم يفضيا إلى النتائج التي بشرت بها القيادة السياسية والعسكرية، بل فتحا الباب أمام سلسلة من الاستحقاقات التي يصعب على الكيان تجاوزها دون تدخل أمريكي مباشر ومستمر.

لقد قامت العقيدة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، طوال العقود الماضية على فرضية أساسية مفادها أن الدعم الأمريكي غير المحدود يوفر للكيان مظلة استراتيجية تتيح له إدارة الصراع من موقع المبادرة، وتمنحه هامشاً واسعاً للمغامرة العسكرية والسياسية. إلا أن السنوات الأخيرة كشفت أن هذه المظلة، على أهميتها، ليست كافية لتحقيق الأهداف التي وضعتها حكومة اليمين الصهيوني، وفي مقدمتها إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما ينسجم مع مشروع "إسرائيل الكبرى" وإخضاع قوى المقاومة وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

بعد ثلاث سنوات من الحروب المتواصلة، انتقل الخطاب السياسي الإسرائيلي من لغة الحسم والانتصار إلى لغة التأويل وتبرير النتائج. ولم يعد الحديث يدور حول تغيير الشرق الأوسط كما وعدت حكومة بنيامين نتنياهو، وإنما حول إدارة تداعيات الحرب والبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه. ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً لدى النخبة الحاكمة بأن سقف الأهداف المعلن تجاوز بكثير الإمكانات الفعلية للكيان، وأن الحسابات التي بُنيت عليها تلك المغامرة لم تكن دقيقة.

الخطأ المركزي الذي وقع فيه العقل السياسي الصهيوني تمثل في اعتقاده أن البيئة الدولية ستبقى على الدوام منسجمة بالكامل مع أولويات المشروع الصهيوني. غير أن تطور الأحداث كشف عن تباينات واضحة بين مصالح الولايات المتحدة والدول الغربية من جهة، وطموحات الحكومة الإسرائيلية من جهة أخرى. فكلما اتسعت دائرة الصراع، ازدادت المخاوف الغربية من انعكاساته على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، وهو ما دفع العديد من القوى الغربية إلى تبني مواقف أكثر حذراً، والابتعاد عن الانخراط المباشر في مشاريع التصعيد التي تدفع بها حكومة الاحتلال.

كما أن اتساع الدور الإقليمي لإيران، وما رافقه من تأثيرات على أمن الملاحة والطاقة، فرض على العواصم الغربية إعادة ترتيب أولوياتها وفق منطق المصالح المباشرة، لا وفق الرؤية الإسرائيلية وحدها. وفي هذا السياق، برزت محاولات لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، الأمر الذي حدّ من هامش الحركة أمام حكومة الاحتلال، وأظهر للمرة الأولى بصورة أوضح حدود القدرة الإسرائيلية على فرض أجندتها حتى في ظل استمرار الدعم الأمريكي.

وفي المقابل، دفعت هذه التطورات عدداً من القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم المخاطر التي يمثلها استمرار الحرب، بما أفرز اصطفافا ومواقف هدفت إلى منع انفجار شامل قد يهدد أمن المنطقة بأسرها. وهو ما أوجد بيئة سياسية تختلف عن تلك التي راهنت عليها حكومة الاحتلال عند إطلاق مشاريعها العسكرية.

أما داخلياً، فقد كشفت الحرب عن حجم التشظي الذي يضرب البنية السياسية الإسرائيلية. فالتباينات بين مكونات المؤسسة السياسية لم تعد مجرد خلافات حزبية، بل تحولت إلى صراع حول طبيعة إدارة الدولة ومستقبل المشروع الصهيوني نفسه. وتدرك قوى المعارضة، رغم انتماء معظمها إلى التيار الصهيوني ذاته، أن استمرار النهج الذي تقوده حكومة نتنياهو يهدد مكانة الكيان الدولية ويعمق عزلته ويستنزف قدراته الاقتصادية والعسكرية.

ولهذا تتسارع محاولات المعارضة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، انطلاقاً من قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة ترميم العلاقة مع الغرب واستعادة صورة إسرائيل بوصفها حليفاً يمكن التحكم في سياساته، بعد أن قادت حكومة اليمين المتطرف الكيان إلى مواجهات مفتوحة تجاوزت في كثير من الأحيان حسابات الحلفاء أنفسهم.

الحرب التي تغيّرت فيها القواعد

كشفت المواجهة الأخيرة أن القوة العسكرية الإسرائيلية، رغم تفوقها النوعي، ليست قادرة وحدها على فرض وقائع سياسية استراتيجية أو حسم الصراعات المعقدة في المنطقة. فالانتقال من الحديث عن إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط إلى الارتهان شبه الكامل للدعم الأمريكي في إدارة الحرب يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين الطرفين، ويؤكد أن قدرة الكيان على خوض الحروب الكبرى باتت مرتبطة بصورة مباشرة بالقرار الأمريكي، سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً.

ولعل أبرز ما أفرزته هذه الحرب أنها أعادت طرح الأسئلة المتعلقة بحدود القوة الإسرائيلية، ومدى قدرة المشروع الصهيوني على الاستمرار في فرض معادلاته القديمة في ظل بيئة إقليمية متغيرة، وصعود قوى تمتلك أدوات ردع مختلفة، وتراجع استعداد القوى الغربية لتحمل كلفة المغامرات العسكرية المفتوحة.

من هنا، تبدو دولة الاحتلال أمام مرحلة عنوانها الأساسي إدارة الأزمات لا صناعتها، واحتواء التداعيات لا توسيع نطاق المواجهة. وهي مرحلة ستفرض على المؤسسة السياسية الإسرائيلية استحقاقات ثقيلة، سواء على مستوى إعادة بناء التوافق الداخلي، أو على مستوى إعادة تعريف العلاقة مع الحليف الأمريكي، أو في كيفية التعامل مع واقع إقليمي لم يعد يسمح بإملاء الشروط كما كان الحال في مراحل سابقة.

إن ما يواجهه الكيان اليوم ليس أزمة حكومة أو خلافاً حزبياً عابراً، بل أزمة مشروع سياسي دخل مرحلة اختبار غير مسبوقة، بعدما اصطدمت طموحاته التوسعية بوقائع ميدانية وإقليمية ودولية أكثر تعقيداً، الأمر الذي يجعل السنوات المقبلة مرشحة لأن تكون ساحة صراع ليس فقط مع الخصوم، وإنما أيضاً داخل البنية السياسية الصهيونية نفسها، حول شكل الدولة وحدود القوة ومستقبل المشروع الصهيوني في المنطقة.