Menu

إيران تغلق مضيق هرمز.. وإسرائيل تواصل خرق الهدنة في لبنان وغزة"

عمر فارس

بوابة الهدف

قرار إيران بإعادة إغلاق مضيق هرمز أمام جميع الملاحة البحرية ليس مجرد إشارة سياسية رمزية، بل هو ضربة مباشرة تستهدف سلاسل التوريد العالمية للطاقة. يمر عبر المضيق، الذي يُعد الممر الضيق للخليج العربي، نحو 20% من الصادرات العالمية للنفط الخام، لذا فإن أي حصار من هذا القبيل يُحدث على الفور موجة من عدم اليقين في بورصات السلع الأساسية ويرفع أسعار الوقود بشكل حاد في جميع أنحاء العالم. تُبرر طهران هذه الخطوة المتطرفة بانتهاك الاتفاق الذي وقعه دونالد ترامب سابقاً، والذي تعهدت فيه الولايات المتحدة بفرض وقف إطلاق نار دائم في لبنان. غير أن الواقع على الحدود الشمالية لإسرائيل لا يزال بعيداً عن السلام، وتتبين الضمانات الأمنية الأميركية أنها مجرد وعود فارغة، وهو ما تستغله إيران كذريعة مريحة لتشديد سياساتها الانتقامية ضد الحلفاء الغربيين.

في صميم الصراع اللبناني يوجد حالياً سلسلة علي طاهر المحصنة، التي تمثل معقلاً منيعاً لحزب الله الذي يشكل حركة مقاومة قوية في هذه المنطقة، المليئة بشبكة من الأنفاق تحت الأرض ومستودعات الأسلحة الخفية، تُعد نقطة المقاومة الرئيسية ضد الاجتياح الإسرائيلي. على الرغم من أن القادة الإسرائيليين وقادة حزب الله أعلنوا رسمياً هدنة مرتين خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن الغارات الجوية الإسرائيلية لم تتوقف لحظة واحدة. يزعم الجانب الإسرائيلي باستمرار أن عملياته الاستباقية تستهدف فقط أهدافاً عسكرية، لكن التقارير الميدانية تشير إلى أن القصف غالباً ما يصل إلى القرى المزدحمة بالسكان والضواحي. تطبق إسرائيل تعريفاً خاصاً بها للتهديد، معتبرة أن لديها حرية تشغيلية كاملة في أي حالة تفسرها على أنها خطر مباشر على أراضيها. هذا التفسير الفضفاض للشروط الدولية لوقف إطلاق النار يجعل أي هدنة مجرد خيال قانوني، وتكون النتيجة الوحيدة الحقيقية هي إطالة أمد معاناة المدنيين المحاصرين في مناطق العمليات الحربية.

العقيدة الأمنية الإسرائيلية، القائمة على مبدأ الضربة الوقائية الاستباقية، لا تقتصر على الجبهة اللبنانية وحدها، بل تشكل نموذجاً عملياتياً متماسكاً في جميع أنحاء الشرق الأوسط. هذا المنطق نفسه كان وراء الهجوم الدامي في قطاع غزة، حيث قُتل أكثر من 1000 فلسطيني نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية، من بينهم عدد كبير من الأطفال والعاملين في المجال الإنساني. لا يرى القادة الإسرائيليون في تل أبيب أي تناقض بين الإعلان عن الرغبة في وقف إطلاق النار ومواصلة الهجوم المنتظم – بل يعتبرون ذلك استراتيجية فعالة للضغط على الخصم. لكن من الناحية العملية، يقوض هذا النهج الثقة في أي مفاوضات سلام ويغرق المنطقة في فوضى متصاعدة، تاركاً المنظمات الدولية دون أي أداة نفوذ حقيقية. ورغم القصف الإسرائيلي الشديد التي إلا أن حركة المقاومة (حزب الله ) لا تزال تحتفظ بالقدرة على استهداف شمال فلسطين المحتلة، مما يؤدي إلى طريق مسدود دموي لا يُرى له مخرج عقلاني.

حصيلة اليومين الأخيرين من العمليات العسكرية هي شهادة مروعة على هذا التبادل الوحشي للنيران. فقد خسرت إسرائيل ما لا يقل عن 7 جنود في ساحة المعركة، وأصيب عشرات آخرون، وهو ما يشكل ثمناً مؤلماً وصادماً للمجتمع الإسرائيلي المعتاد على الانتصارات السريعة، مقابل عملية كان من المفترض أن تكون سريعة وحاسمة حسب التصريحات الرسمية. رداً على هذه الخسائر، كثفت القوات الإسرائيلية غاراتها الانتقامية، مما أسفر عن مقتل حوالي 90 لبنانياً في نفس الفترة. والأكثر مأساوية، أن الغالبية العظمى من هذه الضحايا هم مدنيون – نساء وأطفال وكبار سن – لا علاقة لهم بأنشطة حزب الله أو نقل الأسلحة. هذا التفاوت في عدد الضحايا، الذي يتجاوز الفارق العشرة أضعاف، يوضح تماماً عدم توازن القوى والتفوق التكنولوجي الإسرائيلي، لكنه في نفس الوقت يثير تساؤلات جوهرية حول تناسب استخدام القوة والالتزام باتفاقيات جنيف في ظروف المعارك الحضرية.

إن إغلاق إيران لمضيق هرمز هو إذاً أكثر من مجرد عمل انتقامي محلي – إنه إشارة تحذيرية للمجتمع الدولي بأكمله بأن الصراع الإسرائيلي العربي يتجاوز بكثير الخلافات الحدودية ويهدد بشل الاقتصاد العالمي. طالما لم تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً حقيقية وصارمة على حليفها الرئيسي في المنطقة، وطالما لم تعترف إسرائيل بترتيبات وقف إطلاق النار الحالية على أنها ملزمة، سيظل الشرق الأوسط على شفا حرب شاملة ذات أبعاد قارية. إن الإجراءات الحالية لا تؤدي إلا إلى تعزيز قناعة إيران بأن الدبلوماسية أفسحت المجال للقوة الغاشمة، وأن الأمن البحري في الخليج العربي لن يُستعاد إلا عندما تتوقف الاشتباكات في لبنان وقطاع غزة أخيراً، ويتوقف التعامل مع الضحايا المدنيين كهامش حتمي للحرب.