مقدمة تأصيلية:
مرت علينا قبل أيام الذكرى الثامنة والسبعون لنكبة الشعب العربي الفلسطيني، تلك المأساة الإنسانية التي شكّلت واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ العربي الحديث، فقد مثّلت نكبة عام 1948 واحدة من أعمق المآسي الإنسانية والسياسية في التاريخ العربي الحديث، بعدما تعرض الفلسطينيون للتهجير والاقتلاع من أرضهم. وقد أصبحت فلسطين رمزاً للصمود والهوية والحق التاريخي في الوعي العربي. واحتلت القضية الفلسطينية مكانة مركزية في الخطاب القومي باعتبارها قضية تحرر وطني ضد الاستعمار الاستيطاني. لكن التحولات السياسية وصعود الدولة القُطرية والإعلام الرقمي منذ التسعينيات أدت إلى تراجع حضورها المركزي لصالح قضايا داخلية وأطر إعلامية موسمية. ورغم استمرار التعاطف الشعبي، تغيّر وعي الأجيال الجديدة بالقضية ليصبح أكثر ارتباطاً بالخطابات الإنسانية والوسائط الرقمية بعيداً عن الطرح القومي التقليدي. ومن هنا، نسعى في هذا المقال، لاستعراض وتحليل النكبة في الوعي العربي المعاصر، وتحولاتها من قضية تحرر إلى حدث خطابي موسمي، وذلك من خلال المحاور الأربعة التالية:
أولاً- النكبة بوصفها قضية تحرر عربي:
شكّلت النكبة الفلسطينية عام 1948م، مأساة إنسانية وسياسية كبرى بعد تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وأصبحت فلسطين رمزاً للصمود والهوية العربية. ورغم استمرار التعاطف الشعبي، تراجعت مركزية القضية في الخطاب العربي مع التحولات السياسية والإعلام الرقمي، وأصبح وعي الأجيال الجديدة بها أكثر ارتباطاً بالخطابات الإنسانية والوسائط الحديثة.
ولم يقتصر حضور النكبة على المجال السياسي فحسب، بل امتد بعمق إلى المجال الثقافي والأدبي، ولعب المثقفون، والشعراء، والروائيون العرب دوراً واضحاً، مهماً في تحويل فلسطين إلى رمز إنساني وقومي دائم. فقد امتلأت القصائد والروايات والأعمال الفنية بصور اللجوء والاقتلاع والمقاومة، وأصبحت فلسطين حاضرة بوصفها استعارة للحرية والعدالة والكرامة. أمثال: محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زيّاد، وفدوى طوقان، و غسان كنفاني ، وإميل حبيبي، وإدوارد سعيد، وناجي العلي، ونزار قباني، وأمل دنقل، وأحمد مطر. وأسهم هذا الإنتاج الثقافي في ترسيخ النكبة داخل الذاكرة الجمعية العربية، بحيث لم تعد مجرد حدث تاريخي مرتبط بعام 1948م، بل تحولت إلى سردية مستمرة تُعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال. كما أن الأدب الفلسطيني والعربي المشترك لعب دوراً في بناء وعي عربي يرى في القضية الفلسطينية مرآة لمعاناة الإنسان العربي عموماً في ظل الاستبداد، والتبعية والاستعمار.
وفي الإطار نفسه، أدت وسائل الإعلام الكلاسيكية دوراً تعبوياً واضحاً في ترسيخ مركزية النكبة داخل الوعي الشعبي العربي. فقد تبنت الإذاعات والصحف والقنوات الرسمية العربية (آنذاك) خطاباً سياسياً قائماً على مفاهيم المقاومة، والتحرير، والوحدة، وكانت فلسطين حاضرةً بشكلٍ يومي في التغطيات الإعلامية، والخطابات السياسية. كما ساهمت الأغاني الوطنية، والبرامج الثقافية، والأفلام الوثائقية في تعزيز هذا الحضور، بحيث أصبحت القضية الفلسطينية جزءاً من الحياة اليومية للمواطن العربي. وقد ساعدت الحروب العربية- الإسرائيلية المتعاقبة، خصوصاً حروب 1956م، و1967م و1973م، في إبقاء النكبة ضمن حالة حضور دائم، حيث أعادت تلك الحروب إنتاج الشعور بالخسارة الجماعية، وربطته باستمرار الصراع على فلسطين.
إلى جانب الإعلام، لعبت المؤسسات التعليمية، والثقافية دوراً أساسياً في ترسيخ الرواية الفلسطينية داخل الوجدان العربي. واحتلت فلسطين مساحةً واسعةً في المناهج الدراسية العربية، سواء من خلال تدريس التاريخ الفلسطيني، أو من خلال النصوص الأدبية، والشعرية التي تناولت القضية. كما عملت الجامعات، والمراكز الثقافية والنقابات، والاتحادات الطلابية على إبقاء فلسطين في مركز النقاشات الفكرية، والسياسية، الأمر الذي جعل الأجيال العربية تنشأ وهي تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من تكوينها السياسي والأخلاقي والقيمي. وبذلك لم تكن النكبة مجرد ذكرى تُستعاد سنوياً، بل قضية حاضرة في بناء الوعي والهوية والانتماء.
ومن خلال هذا التراكم السياسي، والثقافي، والإعلامي، تحولت النكبة إلى قضية تحرر عربي بامتياز، وارتبط مستقبل فلسطين بمستقبل المشروع العربي ذاته. فالقضية الفلسطينية لم تُقدَّم في تلك المرحلة باعتبارها مأساة إنسانية فقط، بل باعتبارها معركة وجودية مرتبطة بإرادة الأمة وقدرتها على استعادة دورها التاريخي. ولهذا بقيت النكبة لعقود طويلة عنصراً فاعلاً ومؤثراً في تشكيل الوعي الجمعي العربي، ومصدراً لإنتاج الخطابات السياسية، والثقافية التي عبّرت عن تطلعات التحرر، والوحدة، والكرامة.
ثانياً- التحولات السياسية وتراجع مركزية القضية الفلسطينية:
شهد العالم العربي منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين تحولات سياسية واستراتيجية عميقة أعادت تشكيل طبيعة النظام الإقليمي العربي وأولوياته، وكان للقضية الفلسطينية النصيب الأكبر من آثار هذه التحولات. فبعد عقود احتلت فيها فلسطين موقع القضية المركزية في الخطاب العربي، بدأت مكانتها تتراجع تدريجياً نتيجة تغيرات داخلية وخارجية نقلت الاهتمام من قضايا التحرر القومي إلى قضايا الدولة القُطرية والأزمات المحلية، مما أعاد تعريف العلاقة العربية بالقضية الفلسطينية وطبيعة حضور النكبة في الوعي العربي.
وقد ساهمت عوامل عدة في هذا التراجع، من أبرزها انتهاء الحقبة الناصرية، وتراجع المد القومي العربي، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979م، ثم اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، حيث انتقل الخطاب الرسمي العربي من منطق الصراع الوجودي والتحرير إلى منطق التسوية السياسية والواقعية الدبلوماسية. ونتيجة لذلك تراجع حضور مفاهيم المقاومة والوحدة القومية في الإعلام والخطاب السياسي، لصالح التركيز على المصالح الإقليمية والدولية.
كما أدت الأزمات الداخلية العربية، والحروب الأهلية، والانقسامات السياسية والاقتصادية إلى انشغال الدول بقضايا الاستقرار الداخلي، مما جعل القضية الفلسطينية تتراجع ضمن أولويات الأجندة العربية الرسمية والشعبية. وأصبحت فلسطين في كثير من الأحيان ملفاً سياسياً بين ملفات عديدة داخل بيئة عربية مثقلة بالأزمات.
وساهمت التحولات الدولية، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991م، في تعزيز هذا التحول، حيث دفعت الهيمنة الأمريكية الدول العربية إلى تبني سياسات أكثر براغماتية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، مع تراجع الخطابات الأيديولوجية والقومية لصالح الحسابات الاقتصادية والأمنية. كما ساهم الانقسام الفلسطيني الداخلي، خصوصاً بعد عام 2007م، في إضعاف صورة المشروع الوطني الفلسطيني داخل الوعي العربي، وتراجع الزخم الشعبي المرتبط بالقضية.
وفي ظل هذه المتغيرات، تحولت النكبة تدريجياً من قضية تحرر عربي شاملة إلى مناسبة رمزية أو ملف سياسي يُستحضر موسمياً، بينما أصبح الإعلام العربي أكثر انشغالاً بالأزمات الداخلية والصراعات الإقليمية. كذلك نشأت أجيال عربية جديدة في سياقات مختلفة، تشكل وعيها السياسي حول القضايا المحلية والمعيشية أكثر من المشروعات القومية الكبرى، فأصبحت علاقتها بالقضية الفلسطينية تمر غالباً عبر البعد الإنساني والإعلامي، رغم استمرار التعاطف الشعبي مع فلسطين بوصفها قضية عادلة وحاضرة في الوجدان العربي.
ثالثاً- الإعلام العربي وتحويل النكبة إلى حدث موسمي:
يُعدّ الإعلام العربي من أبرز العوامل التي ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي بالقضية الفلسطينية، حيث لعب دوراً مركزياً في ترسيخ صورة النكبة بوصفها قضية تحرر وطني ومأساة إنسانية مستمرة. إلا أن التحولات الإعلامية، خاصة مع صعود الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، أعادت صياغة حضور النكبة داخل المجال العام العربي، وجعلت التفاعل معها أكثر ارتباطاً بالمواسم والأحداث الآنية. ومع تسارع دورة الأخبار، أصبحت النكبة تُستحضر بشكل مكثف خلال ذكرى الخامس عشر من أيار عبر البرامج والتقارير والمنشورات الرقمية، ثم تتراجع سريعاً أمام القضايا والأزمات الأخرى، مما أسهم في اختزالها ضمن إطار موسمي بدلاً من التعامل معها كقضية سياسية مستمرة.
كما ركّزت التغطيات الإعلامية الحديثة على البعد العاطفي والرمزي للنكبة، من خلال إعادة إنتاج صور القرى المهجرة والمفاتيح وشهادات اللاجئين، وهي صور تحمل قوة إنسانية كبيرة، لكنها قد تتحول إلى أدوات لإثارة التعاطف اللحظي إذا لم تُربط بالسياق السياسي القائم. وفي ظل هيمنة الصورة السريعة والمحتوى المختصر، أصبحت القضية الفلسطينية تُقدَّم عبر رموز وشعارات قابلة للتداول السريع، بينما تراجع النقاش المتعلق بجذور الصراع وأبعاده التاريخية والقانونية.
وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مزدوجاً؛ فمن جهة أتاحت فضاءات بديلة للرواية الفلسطينية وأسهمت في نشر الوعي والتضامن الرقمي، ومن جهة أخرى كرّست منطق “الترند” والاستهلاك السريع للقضايا، حيث تتحول النكبة إلى وسم إلكتروني مؤقت يختفي مع ظهور أحداث جديدة. كما تأثرت التغطيات الإعلامية بالاستقطابات السياسية والتحالفات الإقليمية، مما جعل تناول القضية الفلسطينية يخضع أحياناً لحسابات سياسية ظرفية أكثر من ارتباطه بثوابتها التاريخية والتحررية.
إجمالاً، لم تغب النكبة عن الوعي العربي، لكن الإعلام الحديث غيّر شكل حضورها وآليات تمثيلها، فانتقلت من قضية يومية مرتبطة بمشروع تحرري شامل إلى حدث موسمي تحكمه سرعة التفاعل الرقمي والاستهلاك الإعلامي المتسارع، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الإعلام العربي على الحفاظ على البعد التاريخي والسياسي للقضية الفلسطينية.
رابعاً- النكبة بين الذاكرة والوعي السياسي:
رغم تراجع حضور القضية الفلسطينية في الخطاب السياسي والإعلامي العربي خلال العقود الأخيرة، ما تزال النكبة تحتفظ بمكانة عميقة في الوجدان الشعبي العربي، خاصة مع استمرار العدوان على فلسطين وغزة، مما يعكس بقاء فلسطين رمزاً أخلاقياً وإنسانياً قادراً على تحريك الوعي الجماعي. إلا أن حضورها العاطفي لا يعني استمرارها بالقوة نفسها في المجال السياسي، إذ تُستعاد النكبة غالباً كذكرى إنسانية مرتبطة بالحزن والحنين أكثر من كونها قضية تحرر سياسي مستمرة تتطلب مشروعاً جماعياً ورؤية طويلة الأمد.
فالنكبة ليست حدثاً انتهى عام 1948م، بل عملية مستمرة من التهجير والاقتلاع والاستيطان ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية، وهو ما يجعل اختزالها في مناسبة سنوية أو رمزية فقط أمراً يفصل الماضي عن الحاضر ويضعف فهم استمرارية القضية الفلسطينية. لذلك تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي وثقافي عربي جديد يتجاوز الموسمية والانفعال اللحظي، ويربط بين الذاكرة التاريخية والواقع الفلسطيني الراهن، بما يعزز الوعي السياسي والتاريخي لدى الأجيال الجديدة.
كما أن الحفاظ على مركزية النكبة لا يتحقق فقط عبر إحياء ذكراها سنوياً، بل من خلال إبقائها حاضرة كسؤال سياسي وأخلاقي يتعلق بالحرية والعدالة والحق التاريخي، بعيداً عن منطق الاستهلاك الإعلامي السريع والتفاعل المؤقت.
الخلاصة والاستنتاجات:
تكشف التحولات التي طرأت على حضور النكبة في الوعي العربي المعاصر عن تغيّرات واسعة في النظام الإقليمي العربي والإعلام وطبيعة التفاعل الجماهيري مع القضايا الكبرى. فبعد أن كانت النكبة تمثل قضية تحرر مركزية، أصبحت تُستحضر غالباً ضمن إطار موسمي ورمزي محدود، نتيجة التحولات السياسية وصعود الإعلام الرقمي وتراجع المشروع القومي العربي. ومع ذلك، ما تزال فلسطين تحتفظ بحضور عميق في الوجدان الشعبي العربي، مما يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تغب عن الوعي، بل تغيّرت أشكال التعبير عنها وآليات التفاعل معها.
وتشير النتائج إلى أن تراجع مركزية النكبة لا يعني اختفاء القضية الفلسطينية، بل يعكس تحولاً في طبيعة الوعي العربي المعاصر. كما ساهم الإعلام الحديث، رغم إبقائه القضية حاضرة رمزياً، في تكريس الطابع الموسمي للنقاش حولها بسبب هيمنة التفاعل السريع والمحتوى الرقمي المؤقت. كذلك أدت الانقسامات العربية والفلسطينية إلى إضعاف البعد التحرري والقومي للقضية، بينما تتعامل الأجيال الجديدة معها ضمن بيئة إعلامية وثقافية مختلفة تفرض تحديات جديدة تتعلق بالحفاظ على الذاكرة الفلسطينية وربطها بالوعي السياسي.
وفي ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى تطوير خطاب إعلامي وثقافي عربي أكثر عمقاً واستمرارية، يربط بين النكبة التاريخية والواقع الفلسطيني الراهن، ويعزز حضور الرواية الفلسطينية داخل المؤسسات التعليمية والثقافية. كما تبرز أهمية توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لإنتاج محتوى معرفي وتوثيقي مستدام، ودعم الإنتاج الثقافي والأكاديمي المرتبط بالقضية الفلسطينية.
ختاماً، فإن استعادة مركزية النكبة في الوعي العربي لا تتطلب فقط الحفاظ على الذاكرة التاريخية، بل تستدعي بناء مشروع ثقافي وسياسي قادر على تحويل التعاطف الشعبي إلى وعي نقدي وفعل مستدام، يربط بين قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وبين الحق الفلسطيني في التحرر والعودة وتقرير المصير.

