Menu

الموت الفكري للكيان الصهيوني

عمر فارس

بوابة الهدف

 

في أعماق التاريخ المتدفق بالدماء، وفي خضم الصراع الطويل، تبرز حقيقة لا مفر منها: أن الأفكار تولد وتموت، وأن الأمم تقوم على أسس فكرية، فإذا ماتت تلك الأسس، فإن الجسد وإن ظل نابضاً بالحياة فإنه سرعان ما يلفظ أنفاسه الأخيرة. هكذا هو الكيان الصهيوني اليوم، يعيش حالة من التناقض الوجودي، فهو يبدو قوياً من الخارج، ولكن روحه قد خرجت، وفكرته التي قام عليها قد اندثرت.

إن القارئ المتأمل في تاريخ الحركة الصهيونية يدرك أنها قامت على أسطورة التفوق والوعود الإلهية، واستندت إلى رؤية استعمارية استيطانية تجاوزها الزمن. لقد غرست بذور الصراع في أرض كانت تعيش بسلام تحت مظلة الخلافة الإسلامية، ثم تحت إدارات متعاقبة احترمت وجود شعوبها الأصلية. ولكن تلك الفكرة التي بدت قوية في بداياتها، أخذت تتبدد مع كل انتفاضة فلسطينية، ومع كل صرخة حرية تطلق من غزة، ومع كل انتفاضة للضمير العالمي ضد الظلم.

لا يخفى على أحد أن الكيان الصهيوني يعيش أزمة هوية حادة. فما الذي يبقيه متماسكاً؟ الخوف؟ القوة العسكرية؟ الدعم الخارجي؟ كل هذه عوامل مؤقتة، لكنها لا تخلق أمة، ولا تبني حضارة. إن المشروع الصهيوني قد استنفد أغراضه التاريخية، وأصبح عبئاً على من يناصره، وكابوساً على من يعيش تحت وطأته.

في ميادين العلم والفكر، لم يعد بإمكان الصهيونية أن تقدم نموذجاً يُحتذى. فبدلاً من أن تكون منارة للفكر الإنساني، تحولت إلى نموذج للعنصرية والتفرقة. الأكاديميون الإسرائيليون أنفسهم بدأوا يشككون في مستقبل الكيان، والمثقفون اليهود في العالم أصبحوا ينأون بأنفسهم عن سياسات التطرف. هذه تحولات عميقة تشير إلى موت الفكرة من داخلها.

أما على الصعيد السياسي، فما كانت تعتبره إسرائيل إنجازات استراتيجية، كتطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية، لم يعد يخفي حقيقة أنها تتجه نحو عزلة متزايدة. فالشعوب العربية والإسلامية تزداد يقيناً بأن هذا الكيان شاذ عن قيم المنطقة، وأن بقاءه مرهون بتغاضي مؤقت لا أكثر. إن الدول التي سارعت إلى التطبيع تدرك الآن أنها راهنت على حصان خاسر، وأن الجماهير لن تسامحها على هذا التخلي عن قضية هي جوهر الأمة.

تاريخ الأمم يعلمنا أن الكيانات التي تقوم على الظلم والإقصاء تكون قصيرة العمر. فكما انهارت إمبراطوريات عظيمة استندت إلى القوة المجردة، سينهار هذا الكيان، ليس بالضرورة عسكرياً، بل فكرياً وسياسياً، ثم يتبعه الانهيار المادي. إن الشعب الفلسطيني، بمرونته الأسطورية وتشبثه بأرضه، هو الذي يكتب نهاية هذه الأسطورة الصهيونية، فهو لم يستسلم يوماً، ولم يتخلَّ عن حلمه، رغم كل المآسي التي حلت به.

في الختام، نقول إن الموت الفكري للصهيونية ليس أمراً يحتاج إلى إعلان رسمي، بل هو حقيقة يعيشها الجميع، مؤيداً كان أو معارضاً. فالأفكار لا تموت بين عشية وضحاها، لكنها تذبل وتسقط تدريجياً، مثلما تسقط الأوراق في الخريف، تاركة الشجرة عارية، يقتلعها أول عاصفة. وكما قال الشاعر: "إن الظلم وإن طال مداه، فإن زواله آتٍ لا محالة." والعالم اليوم يشهد سقوط آخر أوهام الاستعمار، ليحل محلها فجر جديد من الحرية والعدالة، يشرق من القدس وفلسطين، لكل شعوب المنطقة والعالم.