بعد وقف إطلاق النار وتوقيع مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران والسعي لوقف الحرب في كل المنطقة وخاصة على جبهة إيران ومضيق هرمز وجنوب لبنان وصولاً إلى توقيع الاتفاق النهائي، يستمر الكيان الصهيوني في تماديه وغطرسته في عدوانه ومخططاته العنصرية التوسعية في قطاع غزة والضفة و القدس ، وكذلك في محاولاته المستمرة للسيطرة على مساحات ومناطق استراتيجية في الجنوب اللبناني والجنوب السوري.
لقد انكشف أمر فائض القوة الأمريكي والإسرائيلي في العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووقف عاجزاً عن تحقيق أهدافه ومراميه هناك، وبات الكيان الصهيوني غارقاً في مشكلاته وأزماته، وعاجزاً عن التعامل مع استراتيجيتين متناقضتين؛ استراتيجية صهيونية استعمارية مركبة مرتبطة بالتوسع والهيمنة على كل المنطقة وإعادة رسم خرائطها وفقاً للرؤية المشتركة مع أمريكا، واستراتيجية المناعة والأمن القومي الإسرائيلي درءاً للخطر الوجودي الذي يهدد كيانه.
يشير المشهد السياسي إلى أن الكيان الصهيوني فشل إلى حد كبير في تحقيق ما كان يصبو إليه، فإيران بقدراتها وموقعها الجيو سياسي ظهرت قويّة رغم ما تعرضت له من ضربات، وكذلك المقاومة في جنوب لبنان، والصراع في فلسطين يتفاقم وقد يؤدي إلى هبّات وانتفاضات شعبية عارمة، والغضب السوري وردّة الفعل الشعبية تتصاعد في وجه التوغلات الصهيونية اليومية.
أدركت الدول العربية بأن الأخطار التي تهدد المنطقة لا يمكن لها أن تستمر، ولا يمكن للمنطقة أن تبقى وتستمر وتأمن وتزدهر وهي على صفيح ساخن، لذلك تراها تعمل من خلال علاقاتها وتدخلاتها ومشاركاتها في الوساطات على احتواء الأزمات والصراعات في المنطقة، فهي تشارك بالوساطات على جبهة الخليج ولبنان، وكذلك على الجبهة الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة، وباتت هذه الدول على قناعة بأن التفاهمات الإقليمية وتعزيز التعاون والاحترام المتبادل هو الضمانة الرئيسية للأمن والاستقرار في المنطقة، وليست الاتفاقات أو التحالفات العسكرية والأمنية، ولا نشر القواعد والأساطيل والمدمرات. هنا تسقط الرهانات على الحماية الأمريكية والإسرائيلية، وينكشف بؤس الاتفاقات الإبراهيمية، ومخازي التبعية والخضوع.
في الوقت الذي ينكشف فيه عجز التوحش الأمريكي الصهيوني وانحسار دور ومكانة فائض القوة في تحقيق أهدافه، يبقى الاستفراد بالجبهة الفلسطينية، حيث يقوم الكيان الصهيوني بما يحلو له من ضم الأراضي واستيطان وقتل وتدمير في الضفة الفلسطينية، وتدنيس للمقدسات ومحاولة تهويدها في القدس والخليل على مرأى العالم والمجتمع الدولي، ويستمر في عدوانه وتمدده بكل أساليب القتل والتدمير في قطاع غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار وخطة ترامب والقرار الدولي 2803، يسعى ممثل مجلس السلام ميلادينوف لفرض القراءة الإسرائيلية للاتفاق والتي تفصل قطاع غزة عن الكيانية الفلسطينية الرسمية وعن الضفة الغربية، ويرفض أي دور للمؤسسات الرسمية الفلسطينية (منظمة أو سلطة)، وأي دور للفصائل الفلسطينية في إدارة غزة حتى لو استجابت هذه الفصائل لتسليم السلاح وكل ما يتعلق بالبنى التحتية العسكرية، وهذا ما رفضته الفصائل جملةً وتفصيلاً في لقاءات القاهرة الأخيرة، رغم التعامل مع ورقة ميلادينوف بمسؤولية وطنية عالية بهدف تخفيف المعاناة عن أبناء شعبنا في القطاع وذلك من خلال التأكيد على ضرورة أن يلتزم الكيان الصهيوني بكل ما عليه من استحقاقات في المرحلة الأولى من الاتفاق وعندها يتم الذهاب إلى تنفيذ المرحلة الثانية، وهذا ما أثنى عليه الوسطاء مصر – قطر- تركيا، ولكن الإسرائيلي من خلال ميلادينوف يريد من فصائل المقاومة تنفيذ كل ما يترتب عليهم في المرحلتين الأولى والثانية دون أي ضمانات من الطرف الأمريكي والإسرائيلي.
تقتضي الضرورة الوطنية التمسك بالموقف الفلسطيني الموحد وهو عدم السماح بفصل غزة عن الضفة، وضرورة الإسراع بدخول اللجنة الوطنية المؤقتة تمهيداً لتسلُّم الحكومة الفلسطينية زمام الأمور، ورفع الحصار، وإدخال المساعدات بالكميات والنوعيات المحددة، والانسحاب الإسرائيلي إلى ما قبل السابع من أكتوبر، وحل المليشيات العميلة، أما موضوع السلاح فهو موضوع وطني فلسطيني يناقش عندما تتسلم الحكومة الفلسطينية مسؤولياتها في القطاع، وهو مرتبط أيضاً بالقضية الوطنية الفلسطينية ببعدها التحرري وأهداف الشعب الفلسطيني وحقوقه في العودة والدولة وتقرير المصير.
أما عن المستوى الرسمي الفلسطيني، فالقيادة منغمسة في سلّم الإصلاحات المفروض عليها والترتيبات الداخلية، لذلك لا تقوم بدور جاد على صعيد مسؤولياتها المباشرة في مواجهة العدوان والأخطار التي تتهدد شعبنا، سواء في الضفة والقدس أو في قطاع غزة، وتستمر برهانها على الخيار التفاوضي الذي بات بلا أي أفق سياسي واضح، وترى أن أولى الاستحقاقات والتحديات هي المتعلقة بالشأن الداخلي؛ إنجاز انتخابات البلديات إلى مؤتمر فتح، والآن يتم التحضير لعقد مجلس وطني، رغم الضغوط الخارجية من أجل إنجاز انتخابات المجلس التشريعي أولاً، كما تحاول القيادة الرسمية إنجاز ذلك بعيداً عن الإجماع الوطني ضاربة عرض الحائط ما خلصت إليه الحوارات الوطنية للفصائل وآخرها كان في بكين، أو اللقاءات الثنائية مع حركة فتح والتنفيذية ورئاسة المجلس الوطني الفلسطيني، بالوقت الذي يتطلع شعبنا إلى ضرورة الوحدة الوطنية، واستعادة دور ومكانة المنظمة على أرضية مواجهة أخطار الإبادة والتهجير والتصفية.

