Menu

حوار "الهدف" السياسي

محمد أبو شريفة

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

مقدمة

اتسم المسار لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية بالتوجه العروبي الوحدوي المقاوم فكراً وعملاً في مواجهة المشروع الصهيوني، على الرغم من جملة التحديات المركبة التي واجهها، حيث حضرت القضية الفلسطينية في برنامجه ليؤسس (الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية ونصرة فلسطين) مؤمناً بأن تحقيق أهدافه الوطنية والقومية، يستلزم العمل على تجميع كل القوى المؤمنة بشعارات المرحلة. هذا العمق القومي رؤية وعملاً، سار بموازاة نضالاته التاريخية ومواجهته لقوى الاستبداد على الجبهة الداخلية إبان حكم النظام البائد، ودعوته لبناء حياة سياسية ديمقراطية حقيقية لسورية الجديدة، وهو يجهر برؤيته للقضية الفلسطينية بوصفها قضية أمة ومستقبل ووجود وأن من يلتزم هذه المكونات، فإنه يدافع عن نفسه ووجوده قبل أن يكون مدافعاً عن فلسطين وشعبها.

التقت "الهدف" الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي المهندس أحمد العسراوي وحاورته في العمق حول مسار وتجربة الحزب وتطلعاته المستقبلية وحضور قضية فلسطين في وعيه وممارسته.

 

السؤال الأول: كان لحزبكم الدور الأساسي بتشكيل الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية، والتي كان يرأسها القيادي في حزبكم والمختطف منذ أواخر العام 2013، رجاء الناصر، هل ما زالت مؤسسات الجمعية تقوم بدورها حتى الآن وما هو برنامجها راهناً؟

في أعقاب العدوان الصهيوني المباشر على جنين، واغتيال الطفل الفلسطيني محمد الدرة في 30 أيلول / سبتمبر 2000، ومشهد محاولة والده حمايته والذي تناقلته وكالات الأنباء ، وكان له أصداء في كل مكان، تداعت مجموعة من النشطاء السوريين وعلى مختلف توجهاتهم السياسية، والتي تغلب عليها صفة المعارضة للنظام البائد، وكان التوجه العروبي الوحدوي المقاوم فكراً وعملاً للمشروع العدواني الصهيوني مميزاً فيها، تداعت إلى لقاء تداولي عقد في منزلي بتاريخ 16/5/2002، نتج عنه تأسيس "الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية ونصرة فلسطين"، وتم اختيار مجلس إدارة لها برئاسة المحامي والمناضل رجاء الناصر. هنا تجدر الإشارة إلى أننا فوضناه بمتابعة العمل على ترخيص الجمعية لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبدوره وكًل مجموعة من المحامين لمتابعة هذا الملف.

كما تجدر الإشارة الى أن رد الفعل من النظام البائد كان عنيفاً، وكنت أول المستدعيين للتحقيق لدى فرعي الأمن السياسي بريف دمشق أولاً ثم انتقل التحقيق الى دمشق، تلا ذلك وبعد فترة استدعاء مجموعة كنت منها إلى الأمن الجنائي وضمت الأخوة الشيخ علي عويضة وعبد القادر عوض وأحمد معتوق ومجاب السمرة، وضغطوا مهددين بحل الجمعية، لكن موقف الأخوة كان قوياً لا يقبل المساومة.

وبالدخول المباشر إلى سؤالكم: هل ما زالت مؤسسات الجمعية تقوم بدورها حتى الآن وما هو برنامجها راهناً؟ فهناك أهمية للعودة التاريخية المبنية على الأهداف التي تبنتها الجمعية، ودورها التفاعلي لتنفيذ مهامها، فقد نظمت الجمعية العديد من الاعتصامات والمسيرات المؤيدة للشعب الفلسطيني وحقه في النضال لتحرير أرضه المغتصبة من قبل العدو الصهيوني ، كما شاركت بتأسيس تجمع نصرة العراق قبل العدوان عليه وغزوه عام 2003، ونشطت في تفعيل حركة مقاطعة كل البضائع المنتجة من الشركات العالمية الداعمة للكيان الصهيوني، وبقيت الأمور على هذه الحال حتى انطلاقة الثورة السورية عام 2011 التي واجهها النظام البائد بالعنف المفرط مما أدى إلى تعطيل الاعتصامات والنشاطات المعلنة. وفي العام 2013 وبعد مشاركة الجمعية بمؤتمر الإنقاذ الذي عقد بدعوة من هيئة التنسيق الوطنية، تم انضمام الجمعية لصفوف الهيئة بقرار من مجلس الإدارة ومثلتُها بالمكتب التنفيذي بصفتي رئيس مجلس الإدارة، على قاعدة أن رحيل نظام الاستبداد غير المقاوم يشكل طريقاً طبيعياً لمواجهة العدو الصهيوني.

اليوم وضمن الظروف المحيطة، هناك توجه يحتاج إلى جهد متميز لإعادة متابعة دور الجمعية في العمل على الأهداف التي كانت ولا زالت العمق الأساسي لمقاومة العدوان.

نناضل من أجل التغيير السلمي

السؤال الثاني: طالت حملة الاعتقالات في التسعينيات أغلب قوى المعارضة الوطنية والتقدمية المدنية السورية ومن ضمنها حزبكم، ما هي أسباب تلك الاعتقالات، وما هي أبرز الأسماء التي اعتقلت؟!

لا يمكن تجاوز الزمن والانتقال مباشرة إلى التسعينيات، فمنذ الأيام الأولى لحركة الثامن من آذار 1963، والتي قامت بالتعاون بين الضباط الوحدويين والبعثيين، وأعلنوا أن الهدف الأساسي هو استعادة الوحدة– رداً على جريمة الانفصال 28/9/1961، اتضح أن تنظيم البعث لم يكن جاداً فيما يقول، فأفشل محادثات الوحدة الثلاثية (مصر، العراق، سورية) التي كان مقرراً توقيع ميثاقها بذكرى الاستقلال 17/4/1963، ومن ثم بدأ البعث الذي قبض على مراكز القرار والتحكم بعد نجاح الحركةـ مستفيداً من ترابطه التنظيمي خلافاً لما كان عليه الضباط الوحدويون الآخرون ـ، بإبعاد الضباط الوحدويين أو تسريحهم أو تصفيتهم . وتمت عملية تصفية الجيش من الضباط الوحدويين، بشكل متصاعد ومبرمج، بعيد انقلاب 8 آذار مباشرة، وصولاً إلى التصفية الدموية عقب محاولة تصحيح مسار حركة 8 آذار، وهي المحاولة التي قادها العقيد جاسم علوان في 18 / 6 / 1963، ثم استمر هذا المسار وتعزز بعد انقلاب 23 شباط 1966 ودخول سوريا مرحلة الطفولة اليسارية التي كان يمثلها قادة ذلك الانقلاب، يتقدمهم صلاح جديد وحافظ الأسد، ثم جاء ما سمي بالحركة التصحيحية لمسار البعث 16/11/1970 وأدعى حافظ الأسد أنه سينفتح على القوى الوطنية، وقدم وعوداً تميزه عن النظام الذي سبقه، لكنه تراجع عنها بعد فترة قصيرة، وكان هناك إنتاج دستور 1973 الذي "شرعن نظام البعث الاستبدادي"، وقد وقف ممثلونا في مجلس الشعب المؤقت ضده، وكان حزبنا هو الوحيد الذي صوت ضده علانية حين عرضه على التصويت العام. وخرج حزبنا بعد ذلك مما سمي بالجبهة الوطنية التقدمية وتابع نضاله السري المقاوم لتفرد السلطة.

والاعتقالات التي بدأها النظام في هذا الوقت المبكر، واستمرت متصاعدة طوال فترة الأسد الأب، وطالت حزبنا وقوى سياسية معارضة أخرى، وكانت تستهدف إخماد كل صوت يتحدى الوضع الاستبدادي، ويرفض الاصطفاف في جوقة المؤيدين له. وشهدت هذه المرحلة أشد أنواع التنكيل بالقوى الوطنية التي وقفت الى جانب النضال الشعبي ضد الاستبداد، والعنف، وجرائم القتل والمذابح الجماعية ضد المدنيين، في مدنهم وبلداتهم، والتي كان النظام يمارسها في صراعه في تلك المرحلة مع الإخوان المسلمين. وفي هذه المرحلة ظهرت الطبيعة الطائفية والإرهابية في مسلك النظام الأسدي، وفيما ارتكبه من مجازر يتصدرها مجازر حماة وحلب وجسر الشغور وسجن تدمر.

لقد كانت هذه المرحلة قاسية جداً على جميع أطياف الشعب السوري، وعلينا كقوى سياسية تناضل من أجل التغيير السلمي الشعبي، وزج بالمئات من إخواننا في السجون لمدد طويلة. واضطر العديد من مناضلينا إلى الاختفاء توقياً لأوامر الاعتقال التي كانت تلاحقهم، لسنوات.

بناء جبهات عمل وطنية

السؤال الثالث: قبيل نهاية عهد الأسد الأب رحل الأمين العام الدكتور جمال الأتاسي، وجاء إلى الأمانة العامة الراحل الحقوقي الأستاذ حسن عبد العظيم، وأطلق مبادرة عودة المختفين الملاحقين إلى الحياة الطبيعية مع استلام بشار، كيف تقيم مرحلتي الأداء السياسي للراحلين جمال الأتاسي، وحسن عبد العظيم؟!

قاد الراحلان مسيرة الاتحاد على الطريق الوطني والقومي الذي يمثل الموقف الناصري في كل مرحلة، وعملا على الدفع بالاتحاد ليكون المحرك الرئيسي لبناء أوسع لقاء جبهوي داخلي يتصدى لمهمات كل مرحلة، ويستجيب لتحدياتها.

حزبنا ومنذ عدوان الخامس من حزيران، وما أصيبت به حركة النهوض العربية من انتكاسة، وصل إلى قناعة راسخة بأن تحقيق أهدافنا الوطنية والقومية يستلزم العمل على تجميع كل القوى المؤمنة بشعارات المرحلة التي تمر بها سوريا والأمة العربية، وأن قوة واحدة مهما بلغت أو تمكنت من أسباب القوة لا تقدر على تحمل أعباء ومتطلبات المرحلة، لذلك كانت الدعوة دائمة ومثابرة لبناء جبهات عمل وطنية، وكان حزبنا فيما يقوم به يطبق الرؤية الناصرية في التعامل مع كل مرحلة، فعلنا هذا وكنا في موقع الريادة في جبهة 1968، وفي جبهة 1979، زمن قيادة المرحوم جمال الأتاسي، وفي تجربة إعلان دمشق 2005 وفي تجربة هيئة التنسيق 2011. وما اتصل بهذه الجبهات من تحركات ومنتديات زمن الراحل حسن إسماعيل عبد العظيم.

في نطاق هذا السؤال أشير إلى أن العمل السياسي مع الاستبداد المفرط معقد جداً، ومع ذلك كانت مواقف الحزب واضحة ومتجهة نحو أهمية متابعة المشروع الوطني الوحدوي الذي بني عليه تأسيسه، وفي مواجهة ذلك قام النظام البائد بسلسلة من الاعتقالات لرموز الحركة الوطنية المعارضة عموماً وغالبيتهم من صفوف التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان دور حزبنا في إقامته عام 1979 دوراً رائداً، وبينها بعض الرموز القيادية من حزبنا، مما أجبر من لم يعتقل من الملاحقين للتخفي مدة طويلة نسبياً من الزمن، ومع استلام بشار للسلطة وتقديراً بأن الملاحقة الأمنية مربكة، أطلقت مبادرة ظهور المختفين داخل ساحة الوطن وعودة المغادرين ممن يرغب بذلك، وكانت تلك تجربة تحيطها المخاطر، لكنها أدت لنتائج إيجابية على المستوى الوطني العام وتفعيل الدور المعلن لقوى المعارضة الوطنية الديمقراطية.

محاولات إصلاح الخلل البنيوي

السؤال الرابع: مع الحراك الشعبي والسياسي الذي عبرت عنه قوى المعارضة من خلال المنتديات ومن ثم إعلان دمشق، تحقق أول حضور شبه رسمي للمعارضة السورية، كيف تقرأ التجربتين وما تقييمكم للأسباب التي أدت الى خروج حزبكم، وحزب العمل الشيوعي؟

ساعدت مسألة تخفيف القبضة الأمنية خلال المرحلة الأولى لاستلام بشار السلطة على تنشيط دور المعارضة بداية بعدد من المنتديات التي طرحت مواضيع متعددة حول ضرورة التغيير الوطني الديمقراطي، وكانت تجربة ناجحة على طريق التغيير لو استمرت لكن الأجهزة الأمنية والسلطة بمكوناتها المختلفة شعرت بخطورة هذا النوع من الحراك، لذلك سرعان ما عادت الأجهزة الأمنية إلى بنيتها ودورها الأساسي في خنق ومنع أي حراك شعبي بتوجيه من السلطة العليا على إيقاف عمل المنتديات.

وفيما يتعلق بتجربة "إعلان دمشق" الذي ساهمنا مع غيرنا من القوى والشخصيات الوطنية في الإعلان عنه في العام 2005 ، فقد ظهر سريعاً أنه جاء قبل أن ينضج، وأن قوى معينة شاركت في إقامته كانت تتطلع إلى طبيعة هذا العمل الجبهوي على غير ما كان ممكناً، وبالتالي أرادته مدخلاً لتجاوز دور ورؤية قوى رئيسية في المعارضة السورية، لذلك تعثر سريعاً وكان من مظاهر تعثره انسحاب حزبنا، وحزب العمل الشيوعي، وآخرين من هذه التجربة. الراحل سلامة كيلة نشر في 24 / 12 / 2007 مقالاً موضوعياً حول هذا التعثر كشف فيه الخلل في تصور دور ومكانة قوى الإعلان أي دور ومكانة الأحزاب والشخصيات المستقلة في آلية عمل هذا التجمع، وصار التطلع إلى ضم المزيد من المستقلين مدخلاً للتخلص من دور الأحزاب والقوى المنظمة والتي كانت دائماً عماد كل تحرك للمعارضة ضد نظام الاستبداد الأسدي، وجرى التعامل مع "مجلس إعلان دمشق" حين انعقد كأنه مؤتمر حزب له صلاحيات انتخاب مكتب الأمانة، دون التفات إلى أنّ الإعلان هو تحالف أحزاب ومستقلّين. ويشير الراحل سلامة كيلة إلى أن الصراعات التي تلت قيام تحالف "إعلان دمشق" كانت تشير إلى تناقض منطقين، وبالتالي سياستين. منطق/ سياسة يتمركز حول مقولة استبداد/ ديمقراطية، أو كما يصاغ «الهدف الجامع الموحّد، الذي يتمثّل بالانتقال بالبلاد من حالة الاستبداد إلى نظام وطني ديمقراطي». وهذا يؤسّس لتيار ليبرالي على العموم لا يلتفت إلى المصالح الشعبية ويحصر الاحتياجات الشعبية بشعار الديمقراطية فقط، وهو يتطلع إلى الاندماج بتيار العولمة واقتصاد السوق، ويطرح تصوّراً لبنية الدولة كدولة ديمقراطية دون التطرّق لطبيعة اختياراتها الاقتصادية الاجتماعية. ولهذا كان هذا التيار يرفض أي تلمّس لمشكلات السياسات الإمبريالية والأميركية خصوصاً، في المنطقة ومنها القضية الفلسطينية، ويصرّ على حصر المسألة في نقطة وحيدة هي الديمقراطية. ومثل " حزب الشعب الديمقراطي" النموذج الحزبي لهذا التيار الذي استقوى بموقف الكثير من المستقلين، وهناك التيار الآخر الذي يرى القضية الديمقراطية وأهميتها في سياقها الشعبي التحرري، ويدعو إلى النضال لتحقيقها لكنه يراها في إطار رؤية واضحة للأعداء وللقضايا المركزية وفي مقدمتها فلسطين، ولتلبية الاحتياجات الضرورية للقوى الشعبية داخلياً، وكان هذا موقف حزبنا وموقف حزب العمل الشيوعي، وقد حاولت قوى التيار الأول أن تأخذ قوى إعلان دمشق في مسارها ووفق رؤيتها وذلك من خلال الاستقواء بالمستقلين، وبالتعامل مع مؤتمر الإعلان وكأنه مؤتمر حزبي يبنى على التصويت وجمع المؤيدين، وليس على التوافق وعلى المساحات المشتركة بين مكوناته.

وقد عملنا جاهدين على إصلاح هذا الخلل من خلال القيام بعملية مراجعة توضح الموقف وقدمنا ذلك بوثيقة، وتم التوافق مع مختلف مكونات الإعلان على تعميم هذه الملاحظات بالترافق مع تعميم البيان الصادر عن المؤتمر التأسيسي للإعلان، لكن البعض لم يلتزم بذلك. وفيما عدا ذلك من تباينات لم تكن مسائل جوهرية.

هذا هو الخلل البنيوي في هذه التجربة، وقد ظهر سريعاً، وأدى إلى تراجع دورها ومن ثم تفككها.

السؤال الخامس: حققت الثورة السورية في آذار من العام ٢٠١١، حضوراً كبيراً للشعب السوري في مواجهة سلطة القمع والاستبداد، كيف كانت مشاركة حزبكم؟!

كنا المساهمين بقوة ونشاط في الحراك الشعبي السابق لانطلاق الثورة، وهو الحراك الذي مهد لها، ثم كانت مشاركة حزبنا فعالة وواضحة من اليوم الأول لانطلاقة الثورة حتى مما قبلها عندما كنا نتظاهر دعماً لمواقف العرب الآخرين الثائرين في بلدانهم وأمام سفاراتهم بدمشق، وتعرضت كوادرنا على كافة المستويات لعمليات الاعتقال والاغتيال، وقدمنا عشرات الشهداء من مناضلينا وكوادرنا القيادية في مختلف المحافظات.

السؤال السادس: أعلن عن ولادة هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في الشهر السادس من العام ٢٠١١، وجاء مؤتمر حلبون في خريف العام ذاته ليقوم بهيكلة الهيئة وترسيم مؤسساتها، حدثنا عن هيئة التنسيق ودورها في معارضة النظام السابق؟!

كما أشرت في الجواب على السؤال الثالث فإنه مستقر لدينا فكرياً ونضالياً ومنذ العام 1968 ضرورة بناء التحالفات الوطنية لمواجهة التحديات، وعلى هذه القاعدة بدأ العمل من اليوم الأول للثورة على تأسيس تجمع موحد للمعارضة السورية على مختلف توجهاتها السياسية، تقدم البعض وابتعد البعض الآخر كل وفق رؤيته الذاتية والمواقفية، بالمحصلة تم يوم 25/6/2011 التوافق على تشكيل هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي وأعلن ذلك في بيان رسمي مقتضب، ثم تم يوم 30/6/2011 إعلان بيانها التأسيسي في مؤتمر صحفي ، ومباشرة بدأ العمل على عقد المؤتمر الوطني الموسع لها الذي جددنا الدعوة فيه للقوى التي لم تشارك بالتأسيس للمشاركة كمشروع وطني جامع، وعقد هذا المؤتمر بشكل معلن ورفع ثلاثية الهيئة: لا للعنف، لا للطائفية ، لا للتدخل الخارجي. واستكملت بالمجلس المركزي الأول المنعقد بتاريخ 6/10/2011 بشعار لا للاستبداد والفساد، ونعم لإسقاط النظام بكافة رموزه ومرتكزاته.

الناصرية مشروع نهوض

السؤال السابع: حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي يحمل إرثاً ناصرياً وقومياً اشتراكياً عريقاً. كيف يرى الحزب راهنية هذه الأيديولوجيا اليوم في صفوف الجيل السوري الشاب؟

هناك جهد مكثف ومتعدد الجوانب والأساليب، تقوم به جهات عدة في محاولة لتشويه ما أطلقتم عليه اسم "الإرث الناصري"، ونحن نراه تمثيلاً لإرادة الأمة في بناء مشروعها الحضاري، وليس أمامها طريق غيره، لذلك هو ليس إرثاً، وإنما طريق لا غنى عنه، والتزام لا بديل عنه، وهو يغطي حاجات النهوض كلها، الوطنية والقومية والإنسانية، والروحية، والاجتماعية، والسياسية.

الناصرية مشروع نهوض هكذا فهمناها، وهكذا نتطلع إليها، لذلك كان طبيعياً المحاولات المستميتة التي تبذل منذ عقود لتقديم صورة مشوهة عن الناصرية، ولإخراج شباب الأمةـ وكانوا هم عمادهاـ من مسار هذا المشروع، ونحن نرى بأم أعيننا كيف أن الخروج من موجبات هذا المشروع يعني الوقوع في إسار الحضن الأمريكي الإسرائيلي.

إن أمتنا في حالة ردة شاملة، وأجيال الشباب في حالة من التشتت والقلق، ولعل ردود فعل الشارع العربي على الجرائم التي ارتكبها العدو الصهيوني وما زال في غزة، وهذا العبث الفكري والسياسي الذي يتصدر وسائط الإعلام الحديثة بشأن المقاومة الفلسطينية، والجهاد ضد العدو، وعملية طوفان الأقصى، وكل أشكال المقاومة كله يقدم دلائل قاطعة على ما نحن فيه، لكن في المقابل أيضاً نحن على قناعة من أن كل هذا الذي يجري، يجري عكس سنن الحياة، لذلك لا يمكن أن يستمر، ولذلك أيضاً فإن ما نرصده من خفوت في وهج المفاهيم والقيم القومية والوطنية والتحررية لا يعدو أن يكون مجرد مرحلة، وعلى قوى الوعي الاجتماعي، والأحزاب في مقدمة من يمثلها، أن تعي هذه الحقيقة وأن تبني لمرحلة استرداد الموقف الحقيقي لشباب هذه الأمة.

عمق هذا الإرث في العقل الجمعي للعرب عموماً ولأبناء الساحة السورية خصوصاً، الذي يجمع هوية الأمة مع تحديات الوضع الراهن، والذي يشكل مزيجاً عجيباً وصلباً يظهر من غير موعد، وفي أوقات غير محسوبة، دفع منظري التوجهات الاستعمارية لمحاولة تشويه هذه الصورة المشرقة لدى الشباب العربي، وللأسف فإن بعض إن لم يكن كل الحكام العرب الذين وصلوا للحكم في نهايات مرحلة عبد الناصر أو بعده، وباسم العروبة والوحدة والاشتراكية كانوا معولاً حاداً بيد هؤلاء لتشويه الصورة، نضرب الأمثال الرائعة حول برامج الاتحاد الاقتصادي الأوربي، ونحارب أي فكرة للاتحاد الاقتصادي أو السياسي العربي .

السؤال الثامن: بصفتكم أميناً عاماً لحزب الاتحاد الاشتراكي، ما هي هوامش الحركة السياسية المتاحة لكم اليوم؟ وما هو واقع الحزب اليوم في التعامل مع القوى السياسية المتنوعة في سوريا؟ وهل هناك قواسم مشتركة ضمن رؤية سياسية في ظل المرحلة المهمة الحالية؟

مع رؤيتنا بالتعامل الإيجابي مع الإدارة السياسية الانتقالية، نتخوف من الطريقة التي تتعامل بها الإدارة مع القوى السياسية وخاصة منها التي كانت قائمة بمواجهة النظام الأسدي بمرحلتيه قبل التغيير، نحن نسعى لمنع فشل التجربة الحالية، لكن ذلك يحتاج لمقومات، تبقى رؤيتنا المستندة لضرورة إعادة بناء سورية بعد الدمار الواقع وعلى كل المحاور مستندة لضرورة بناء الجبهة الداخلية المتينة التي تضم كل القوى السياسية التي شاركت بالثورة السورية الحديثة.

نحن ندعو ونعمل لأجل توفير الأساس القانوني والاجتماعي اللازم لمجتمع المواطنة.

نحن ندعو ونعمل لأجل بناء حياة سياسية ديموقراطية حقيقية، يصونها الدستور والقانون، ويوفر لها ما يجب من أسس وإطارات ودعم اجتماعي.

نحن ندعو ونعمل للانتهاء سريعاً مما سمي بالمرحلة الانتقالية، عبر مؤتمر وطني جامع، ونحذر من اتخاذ أي خطوات داخلياً أو خارجية لا تتسق مع معنى ووظيفة المرحلة الانتقالية، أو ترتب على سوريا الدولة والمجتمع التزامات مستقبلية لم يقررها الشعب السوري.

نحن ندعو ونعمل لأن يكون الهم الرئيسي لجميع أركان الدولة هو المواطن الذي دفع الثمن غالياً لانتصاره على النظام الأسدي، وبالتالي فمن حقه أن يعيش حياة كريمة بكل جوانبها المعروفة من تعليم وصحة وسكن وعمل، ودخل حقيقي وأمن واستقرار. وجيش وطني قادر على صون استقلال الوطن وتحرره.

السؤال التاسع: كيف تنظرون إلى مستقبل سورية الجديدة في ظل المرحلة الانتقالية؟ وما هي أبرز الاستحقاقات المطلوبة من العهد الجديد؟ وكيف تقرؤون أداء الحكومة السورية اليوم مع تطورات الوضع السياسي في المنطقة والإقليم؟

الوضع أعقد من النظرة البسيطة، الحساسيات قائمة، بعض المناطق خارج السيطرة الفعلية، الجغرافيا السورية غير موحدة، الاقتصاد الوطني غير مؤثر، الضغوطات كبيرة، والأداء في عمومه يفتقد إلى الشفافية، ما زال الشعب يشعر أنه خارج دائرة الفعل، ومثال ذلك ملفي العدالة الانتقالية، والإعمار.

ما تزال هناك أخطار حقيقية بشأن الوحدة السياسية والجغرافية للبلد، وبشأن هويته الحضارية العربيةـ الإسلامية.

وما شهدناه ونشهده من مظاهر اضطراب هو نتيجة من نتائج هذا الوضع، لا شك أن الحمل ثقيل، وما تركه النظام البائد تحتاج معالجته إلى جهد جبار، لكنه ممكن إذا تم بشكل صحيح وحقيقي تجنيد الطاقات الوطنية لمواجهة هذه التركة، وهذا ما زال مفتقداً، جزئياً أو كلياً حسب القضية أو القضايا التي ننظر إليها. يجب أن نلاحظ في الوضع السوري أنه ليس لدينا حكومة لها رئيس، واجتماع دوري، وقرارات جماعية، وإنما وزراء يرتبطون برئيس الجمهورية، وهذا شكل من أشكال الحكم لا يتسق أبداً من الوضع السوري واحتياجاته في هذه المرحلة،

ما نشير إليه هنا للدلالة فقط على تعقيد الوضع وتشابكه، لكن الأمل موجود وعلى هذا نبني موقفنا الإيجابي وتطلعنا إلى المستقبل.

السؤال العاشر: في ظل المواجهة البطولية التي يجسدها الشعب الفلسطيني ومقاومته المسلحة في مواجهة حرب الإبادة والاقتلاع التي يقوم بها كيان الاحتلال الصهيوني المدعوم أميركياً، كيف تنظرون إلى التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية في منعطفاتها المفصلية والتاريخية، وما هي إمكانية تطوير وتعزيز أشكال الصمود والمواجهة؟

نحن في الاتحاد الاشتراكي، وانطلاقاً من التزامنا بالمشروع الناصري نعتبر القضية الفلسطينية بأركانها المختلفة "الأرض، الشعب، المقدسات، المقاومة" معياراً من أهم المعايير في الحكم على الأشخاص، والهيئات، والمنظمات، والنظم.

نحن نضع هذه القضية خارج التصنيفات الطبقية والاجتماعية، وننظر إليها باعتبارها قضية أمة، وقضية مستقبل، وقضية وجود، والذي يلتزم هذه القضية، ويلتزم مكوناتها فإنه يدافع بذلك عن نفسه ووجوده وحلمه وتطلعه. قبل أن يكون مدافعاً عن فلسطين وشعب فلسطين.

وفلسطين بهذا الاعتبار هي قضية العرب جميعاً، وقضية المسلمين، وقضية قوى التحرر والإنسانية، لكنها بالنسبة لنا في سورية، هي كل ذلك وأكثر، لأنها في الرؤية المباشرة هي جزء من "بلاد الشام" التي ورثت سورية تمثيلها على مدار تاريخنا العربي الإسلامي وقبل ذلك، وبالتالي فإنها جزء من الأمن الوطني السوري، كما هي جزء من الأمن القومي العربي.

نحن في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي نؤكد على هذه الرؤية في هذه المرحلة بالذات، لما يبدو من توجه لمزيد من التفريط بمكونات هذه القضية وأركانها، نحن ننتصر للمقاومة، ولغزة، وللشعب الفلسطيني وللقدس، وللمعاني الحقيقية التي فجرتها عملية "طوفان الأقصى"، ونحن نعلم خطورة المرحلة ووضع وحالة الأمة في هذه المرحلة الراهنة، ولكننا ندرك أيضاً أن هناك تحولاً في الضمير العالمي إزاء المسألة الفلسطينية وهناك حصار شعبي حقيقي يرتفع في مواجهة العدوانية الإسرائيلية في أنحاء كثيرة من العالم، علينا أن نزكي ذلك، وأن ندعمه، وأن نكون حاضرين إزاء كل تطور يمكن أن يحدث.

إن مرحلة النظام الأسدي تركت ندوباً خطيرة في رؤية البعض للقضية الفلسطينية، ولم تكن هذه الندوب وليدة خطايا النظام الأسدي وحلفائه الإقليميين فقط، وإنما أيضاً وليدة التشويه المتعمد من القوى المحلية والدولية الحليفة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وإن من الضروري والمفيد أن ترمى المرحلة الأسدية جانباً، وأن تستعيد هذه القضية مكانتها الحقيقية في برامج الأحزاب والقوى وفي رؤى المفكرين وأصحاب الرأي على مختلف المستويات.