Menu

أفول الردع الأمريكي وهندسة التوازنات البديلة: التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية في تفاهمات ما بعد "حرب الخليج الثالثة"

د. سعيد سلّام

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

لم يعد تفكيك المشهد الجيوسياسي الراهن في الشرق الأوسط ممكناً عبر أدوات المتابعة الخبرية التقليدية، أو من خلال القراءة السطحية التي تكتفي برصد تبدلات الخطاب والتحركات البروتوكولية. فالمشهد، في جوهره، يستدعي غوصاً أعمق في الرمزية السياسية وفي البنى التي تحيط بمفاوضات "بورغينستوك" السويسرية، لا باعتبارها محطة تفاوضية فحسب، بل بوصفها مؤشراً على تحول أوسع في جغرافيا الدبلوماسية الدولية. إن اختيار هذا المنتجع الهادئ المطل على بحيرة لوزيرن لا يعبّر عن تفصيل تنظيمي عابر، بل يكشف عن نمط جديد في إدارة الأزمات الكبرى، حيث لم تعد التسويات تُصنع حصراً في العواصم المركزية أو في أروقة المنظمات الأممية، بل في فضاءات محايدة ومغلقة ومهيأة لتأمين العزلة التفاوضية بعيداً عن ضغط الإعلام والرأي العام ومؤثرات الاستقطاب الداخلي.

وفي هذا السياق، تبدو الاستثمارات ال قطر ية في قطاع الفنادق الفاخرة داخل البيئة السويسرية أكثر من مجرد نشاط اقتصادي. فهي تمنح الدوحة موقعاً وظيفياً بوصفها وسيطاً صامتاً ومحايداً، قادراً على توفير أرضية ملائمة لتيسير القنوات الخلفية وتخفيف الاستعصاءات التفاوضية. وهكذا تتشكل ملامح نمط جديد من خصخصة الدبلوماسية، حيث تتحول المساحات الجغرافية المصممة بعناية إلى أدوات سياسية بحد ذاتها، وإلى بيئات لإنتاج "دبلوماسية باردة" قادرة على العمل خارج إيقاع الضغوط البرلمانية والإعلامية المعتادة.

هذا النزوح التفاوضي إلى العمق السويسري، على بعد آلاف الكيلومترات من مسارح العمليات العسكرية، ومن المنشآت النووية الإيرانية المحصنة في جوف الجبال، ومن القواعد الأمريكية المنتشرة في الصحراء العربية، يشي بأن الطرفين وصلا إلى قناعة متبادلة بضرورة الفصل بين الميدان الملتهب والسياسة الباردة. وقد تبلورت هذه القناعة بعد أربعة أشهر من المواجهات الضارية التي تركت آثاراً ارتدادية عميقة على شبكات الطاقة الدولية، وخطوط الملاحة، وسلاسل التوريد الحيوية بين الشرق والغرب. ومن ثم، لم يعد المطلوب مجرد تهدئة ظرفية، بل صياغة ترتيبات بنيوية تتجاوز الأزمة الراهنة نحو هندسة أمن إقليمي جديد.

وقد جاء الاتفاق المثير للجدل، الموقع بين واشنطن وطهران لإنهاء ما وُصف بـ"حرب الخليج الثالثة"، بوصفه التعبير الأوضح عن هذا التحول. فهو لا يمثل مجرد تسوية عملياتية، بل يعكس انتقالاً من منطق الصدام الهدام وغير المستدام إلى منطق إدارة الخسائر والبحث عن مخرج سياسي يحفظ الحد الأدنى من التوازن.

وقد تجسد هذا التحول رسمياً مع نشر الولايات المتحدة النص الكامل للوثيقة المؤقتة المعنونة "مذكرة تفاهم إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية". وتضم هذه الوثيقة أربعة عشر بنداً ترسم معالم تفاهم واسع، لكنها تؤجل في جوهرها البت في عدد من القضايا الأكثر تعقيداً إلى مرحلة لاحقة، وفي مقدمتها كيفية إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل جذري. ومع نشر النص الكامل لهذه الاتفاقية المؤقتة الموقعة إلكترونياً في منتصف يونيو 2026، انتقل المشهد من مرحلة التسريبات والتخمينات الإعلامية الموجهة إلى مرحلة المواجهة السياسية والقانونية المباشرة استناداً إلى الوثيقة الرسمية.

وعند هذه النقطة تحديداً، انكشف التناقض بين خطابين متوازيين. فمن جهة، سعى الخطاب الرئاسي الأمريكي إلى انتزاع نصر سردي سريع عبر توظيف لغة الحسم والمهابة، مقدماً التفاهمات بوصفها ترجمة عملية لعقيدة التراجع الاستراتيجي المنظم وحماية المصالح الحيوية المباشرة دون التورط في مستنقعات الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، انبرت الدوائر الفكرية والسياسية المعارضة داخل الكونغرس، مدفوعة في جانب منها بضغوط وتنسيق بنيوي مع أجهزة الأمن القومي في تل أبيب، لتفكيك هذه السردية، معتبرة أن ما جرى يمثل سابقة خطيرة لإعادة تدوير التهديدات وتشريع النفوذ الإقليمي دون ضمانات حقيقية. ويكشف هذا التضاد السردي عن فجوة عميقة بين قيادة رئاسية براغماتية تبحث عن استقرار اقتصادي ومؤشرات تضخم منخفضة قبل الاستحقاقات الداخلية، وبين مؤسسة تشريعية وأمنية عميقة تنظر إلى المذكرة بوصفها صك تراجع استراتيجي يهدد التحالفات العضوية للولايات المتحدة في النظام الدولي بأسره.

وتؤكد القراءات التحليلية المعمقة الصادرة عن مراكز الأبحاث الاستراتيجية والمواقع الغربية أن هذه المذكرة لا تمثل اتفاقاً نهائياً مستداماً، بل إطاراً سياسياً هشاً ومؤقتاً لهندسة هدنة استراتيجية بعد جولات المواجهة العسكرية المباشرة التي اندلعت في 28 فبراير. غير أن المأزق الحقيقي لا يقف عند حدود السجال العلني، بل يمتد إلى التقديرات السرية الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، التي وضعت وثيقة بالغة الخطورة على طاولة ترامب، مؤكدة أن طهران لا تنوي الالتزام بأي من التعهدات الجوهرية والنووية التي تضمنها الاتفاق المبرم. وقد أحدث هذا التقييم، الصادر عن مدير الوكالة جون راتكليف، انقساماً عميقاً في الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس؛ إذ عبّر وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو عن معارضة شديدة للمذكرة، محذرين من تآكل الردع، بينما انبرى نائب الرئيس جي دي فانس، ومعه الدائرة اللصيقة القائمة على تيار الصفقات والمصاهرة العائلية والمالية، والمتمثلة في صهر الرئيس جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيفن ويتكوف، للدفاع المستميت عنها بوصفها مدخلاً لإنهاء الطموح النووي الإيراني بأدوات تجارية وبراغماتية.

ويعكس هذا الانقسام صراعاً أيديولوجياً داخل اليمين الأمريكي الجديد بين المحافظين الجدد التقليديين، الذين يرون في القوة العسكرية المباشرة والردع الحاسم المرتكز الوحيد للحفاظ على الهيمنة الأمريكية، وبين القوميين البراغماتيين الجدد، أو ما يمكن تسميته بـ"تيار الصفقات"، الذين ينظرون إلى السياسة الدولية بوصفها دفتر حسابات مالي، ويعتبرون الحروب الخارجية الكبرى استنزافاً غير مبرر يمكن استبداله بصفقات تسوية كبرى تعيد صياغة النفوذ بتكلفة أقل على الخزينة الاتحادية. ومن هنا، جاءت التطورات المتسارعة، المتمثلة في عدم توجه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس لحضور المفاوضات التي كانت مقررة في فيينا وبورغينستوك وتأجيلها، لتضاعف من الشكوك حول تماسك المسار الدبلوماسي.

فبحسب القنوات الرسمية المعلنة، لا يبدو أن غياب فانس يعود إلى قرار سياسي أمريكي بالانسحاب من خطة السلام، بل تُعزيه دوائر البيت الأبيض إلى تعثر ترتيبات انعقاد الجولة نفسها لأسباب لوجستية وتنظيمية. وقد أكدت واشنطن أن وفدها كان مستعداً للمغادرة، غير أن فانس نفسه لمح مسبقاً إلى صعوبات كبيرة تتعلق بترتيبات سفر ومشاركة المسؤولين الإيرانيين. إلا أن التسريبات التحليلية تكشف أبعاداً وخلفيات أكثر تعقيداً وراء هذا التأجيل المفاجئ. فمن الجانب الإيراني، أبدى صانع القرار في طهران تحفظات حادة على بدء هذه الجولة الجديدة، مدفوعاً بضغوط من بعض قوى المعارضة الداخلية الراديكالية للاتفاق، إذ اشترطت طهران رؤية خطوات أمريكية ملموسة وواقعية على الأرض لتنفيذ بنود مذكرة التفاهم الأخيرة قبل الانخراط في أي مفاوضات فنية جديدة.

ويكشف هذا التحفظ الإيراني عن تكتيك تفاوضي متمرس يعتمد على استراتيجية القضم التدريجي، حيث تسعى طهران إلى تحويل كل بند سياسي عام إلى مكسب قانوني واقتصادي ملموس ومحصن على الأرض قبل الانتقال إلى المربع التفاوضي التالي. وفي المقابل، تعيش إدارة ترامب حاجة ملحة إلى إنتاج "مشهد سلام" سريع يمكن توظيفه في السجال السياسي الداخلي، وهو ما يفسر جزءاً من حدة التوتر بين منطق التفاوض البطيء ومنطق الإنجاز الفوري.

ويزداد هذا الانسداد وضوحاً مع الانعكاس المباشر للخروقات الميدانية المتكررة لوقف إطلاق النار في لبنان. فقد تسبب التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله، وسقوط قتلى من الجانبين، في إثارة موجة احتجاج إيرانية عنيفة. واعتبرت طهران أن واشنطن وتل أبيب لم تلتزما بالبند الأول القاضي بالإنهاء الفوري والدائم للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وبضمان وحدة أراضيه وسيادته، وهو ما هدد بنسف سير العملية التفاوضية ودفع إيران إلى إرسال رسالة احتجاج سياسية مشفرة عبر طلب تأجيل لقاءات المفاوضات رفيعة المستوى.

وفي هذا السياق، تمثل آلية "التوقيع المادي المنفصل عن بُعد" ذروة الابتكار الدبلوماسي السويسري لتجاوز عقدة الشرعية الرمزية، لأنها تتيح للطرفين إبرام اتفاق ملزم قانونياً ودولياً دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات بروتوكولية قد تستغلها التيارات الراديكالية في طهران أو المحافظون في واشنطن لاتهام القيادة السياسية بالتفريط في السيادة أو الهيبة الوطنية.

وتتجسد المفارقة القانونية والاستراتيجية الأبرز في معركة تفسير الآجال الزمنية. فالجانب الإيراني يرى أن إرجاء محادثات سويسرا يعني بالضرورة تجميد أو وقف عداد الستين يوماً المخصصة للتفاوض على التفاهمات النهائية بموجب البند الثالث، في حين تقف الإدارة الأمريكية بموقف حاسم، معتبرة أن عداد الستين يوماً الاستراتيجية قد انطلق فعلياً ولا يمكن إيقافه، لأن الاتفاق دخل حيز النفاذ القانوني والعملي منذ لحظة توقيع الرئيسين، عن بُعد، على النسخ الورقية المطبوعة. وهذا ما يضع الطرفين تحت ضغط زمني شديد للتوصل إلى الاتفاق النهائي، الذي يشترط البند الرابع عشر أن يعتمد بقرار ملزم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وهنا يبرز صراع المفاهيم حول "الزمن السياسي" و"الزمن القانوني" بوصفه أحد أدوات الضغط غير المباشر. فواشنطن تحاول فرض مقصلة الوقت لتسريع التنازلات الفنية الإيرانية، بينما تسعى طهران إلى تمطيط الآجال الزمنية لتثبيت المكتسبات المالية ومصادرة ميزة الضغط الزمني التي تراهن عليها الإدارة الأمريكية. ويتزامن هذا التراجع الدبلوماسي المؤقت مع قناعة أمنية معمقة تفيد بأن طهران نجحت في تحويل فترات التهدئة والاشتباك المحدود إلى نافذة زمنية لتغيير الحقائق الجيولوجية والتقنية لبرنامجها النووي، مستفيدة من هندسة حفر متطورة تحت المرتفعات الجبلية الوعرة، بما يجعل خيار التدمير العسكري التقليدي معقداً للغاية.

وتشير التحليلات الفنية المتخصصة إلى أن العقدة الأبرز التي تحاول المفاوضات تفكيكها خلال مهلة الستين يوماً المقررة تكمن في صياغة نظام تفتيش ومراقبة مقبول وموثوق، لإعادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت الإيرانية الحيوية مثل فوردو ونطنز وأصفهان، وهو ما انقطع تماماً عقب الهجوم الإسرائيلي – الأمريكي في يونيو 2025. وقد جاء البند الثامن من الاتفاق ليعكس هذا التحدي الفني؛ إذ نص على تسوية قضية مصير المواد المخصبة المخزنة وفق آلية وجدول زمني يرتبط بإلغاء العقوبات، على أن تكون المنهجية الأقل كلفة تفكيكياً هي تخفيف تركيزها في مكانها تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع بقاء طهران ملتزمة بالوضع الراهن لبرنامجها النووي إلى حين الاتفاق النهائي، وفقاً للبند التاسع.

وترى التحليلات الغربية أن رغبة واشنطن في فرض قيود زمنية تمتد إلى عشرين عاماً على عمليات التخصيب وأبحاث أجهزة الطرد المركزي تصطدم بالحد الأقصى الإيراني الذي لا يتجاوز خمس سنوات، مما يجعل تدوير وإعادة خفض مخزون اليورانيوم المخصب ميدانياً المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل التفاهمات الحالية. وقد أحدث هذا التحدي الفني والعسكري تصدعاً بنيوياً في مراكز صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية، حيث يقف التيار المؤسساتي في البنتاغون ومقر الاستخبارات مدافعاً عن ضرورة الحفاظ على مصداقية أدوات الردع التقليدية، في مواجهة تيار براغماتي داخل البيت الأبيض يرى في إغلاق هذا الملف الساخن ضرورة ملحة لحماية الاقتصاد الداخلي من تقلبات أسواق النفط وتأمين بيئة سياسية مستقرة تدعم الحظوظ الانتخابية للحزب الحاكم داخلياً.

ويكشف هذا التباين البنيوي بين المدى الزمني الأمريكي الممتد إلى عشرين عاماً، والمدى الإيراني المحدود بخمس سنوات، عن صراع حول مفهوم الاستدامة الاستراتيجية. فواشنطن تبحث عن صيغة أمنية عابرة للإدارات المتعاقبة تضمن تجميد القدرات الإيرانية لجيل كامل، بينما تسعى طهران إلى اتفاق قصير المدى يتوافق مع دورات إنتاج الطاقة وتغير الموازين الدولية، بما يتيح لها فرصة التحلل من الالتزامات فور تغير المناخ السياسي الدولي أو تبدل الإدارة في البيت الأبيض.

ويستدعي تفكيك جذور المشهد الراهن إحالة جيوسياسية مقارنة تكشف طبيعة التحولات الهيكلية في قواعد الاشتباك الدولي والإقليمي. فالعودة إلى مرجعيات خطة العمل الشاملة المشتركة المبرمة في فيينا عام 2015، والمصنفة سياسياً بوصفها أبرز الإنجازات الدبلوماسية لإدارة أوباما، تبيّن بوضوح كيف انتقلت المقاربة الدولية من الاستراتيجية متعددة الأطراف القائمة على الاحتواء الفني إلى مربع الصدام الأحادي المباشر. لقد مثّل اتفاق فيينا ذروة الهندسة السياسية التي أعادت ضبط موازين القوى في المنطقة، من خلال صياغة تفاهمات استراتيجية ملزمة. إلا أن هذا البناء الدبلوماسي لم يصمد أمام التحول البنيوي في الإدارة الأمريكية، حيث أدى الانسحاب الأحادي لإدارة الرئيس ترامب عام 2018، ومذهب "الضغط الأقصى"، إلى تفكيك شبكة الأمان، لتدخل المنطقة في متتالية خطيرة من حافة الهاوية.

وتُظهر المقارنة بين نموذج 2015 ونموذج 2026 أن واشنطن خسرت في المسار الحالي ميزة "الإجماع الدولي السداسي" (P5+1)، وتخلت عن الإطار الأممي الجماعي لصالح مقايضة ثنائية عارية من الضمانات الدولية الكبرى. وهذا يضعف القوة القانونية والتنفيذية لأي اتفاق مستقبلي ويجعله عرضة للانهيار السريع عند أول بادرة توتر عملياتي في الميدان. وعقب العودة الثانية إلى البيت الأبيض، تجاوزت واشنطن صيغ الردع التقليدية نحو تبني مسار تقويض القدرات الصلبة عبر تفويض تكتيكي ومباشر للآلة العسكرية الإسرائيلية، مع مشاركة أمريكية في اليوم الأخير.

وقد شكّلت "حرب الاثني عشر يوماً" في يونيو 2025 محاولة لفرض واقع ميداني جديد عبر هندسة تدميرية استهدفت البنية التحتية الحرجة في عمق منشآت فوردو ومجمعات نطنز. ومع إخفاق القنوات التفاوضية اللاحقة في استثمار نتائج هذه الحرب، بسبب تمسك طهران بسقف شروطها المرتفع، انزلقت المقاربة الأمريكية، بمشاركة إسرائيلية كاملة، نحو سيناريو المواجهة الشاملة العابرة للحدود. وقد صُممت أهداف هذه الحرب لتتجاوز مجرد تعطيل أجهزة الطرد المركزي إلى السعي لاجتثاث العمق الردعي الإيراني، المتمثل في القوة الصاروخية الدقيقة وسلاح المسيّرات الهجومية، وشل قدرات القوة البحرية غير النمطية في المياه الدافئة، وصولاً إلى الهدف الأقصى المتمثل في تسريع تفكك الحاضنة السياسية للنظام في طهران تحت وطأة الحصار العملياتي والاقتصادي الشامل.

هذا التحول من الحرب بالوكالة إلى المواجهة العسكرية المباشرة وغير المقيدة يمثل انهياراً كاملاً لشبكة الخطوط الحمراء التقليدية التي ضبطت الصراع الإقليمي لعقود، بما يعني أن المنطقة دخلت مرحلة الديناميكية العملياتية المطلقة، حيث أصبحت المنشآت السيادية الكبرى ومراكز القيادة العليا أهدافاً مشروعة ومباشرة في أي جولة تصعيد عسكري مقبلة. ويكشف الفحص الدقيق للمرحلة الأولى من هذه المواجهة الشاملة عن فجوة بنيوية عميقة بين حسابات التخطيط الاستراتيجي النظري والواقع العملياتي المعقد على الأرض.

فالصدمة الكبرى التي تمت عبر اختراق المنظومة الأمنية واغتيال رأس الهرم السياسي والروحي للجمهورية الإسلامية، إلى جانب عدد من القيادات السياسية والعسكرية بضربات جوية خاطفة، صُممت لتكون رافعة لانهيار عمودي سريع، غير أنها أغفلت الطبيعة الشبكية المتجذرة لمؤسسات الحكم الإيرانية، ومبدأ القيادة الجماعية المرن، الذي مكّن مجلس الأمن القومي ومؤسسة الحرس الثوري من استيعاب الصدمة الانتقالية فوراً وإعلان حالة الطوارئ العليا. بل إن غياب القيادة الروحية التقليدية منح الجناح العسكري الأكثر راديكالية تفويضاً مطلقاً للهيمنة الكاملة على مفاصل الدولة الأمنية والاقتصادية، مكرساً صيغة "دولة الثكنة" التي لا مكان فيها للمساومات الداخلية.

ويعكس هذا التحول الأيديولوجي والمؤسسي العميق تراجع التيارات الإصلاحية أو البراغماتية التقليدية من مفاصل القرار لصالح نخبة تكنو-عسكرية شابة نشأت في محاضن الحرس الثوري، وتؤمن بأن البقاء والاستمرارية لا يتحققان عبر الانفتاح الدبلوماسي، بل عبر تعظيم عناصر القوة الخشنة والردع الصاروخي والنووي بوصفها السبيل الوحيد لفرض الاعتراف الدولي بالنظام البنيوي للجمهورية الإسلامية.

ومع استتباب الجبهة الداخلية، انتقلت طهران فوراً إلى مرحلة الردع الخارجي غير المتماثل عبر تفعيل ورقة "الجغرافيا الخانقة" وإغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في صدمة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية، وأربك سلاسل الإمداد الدولية، وأشعل موجة تضخمية حادة. ولم يقتصر الرد الإيراني على التعطيل الجغرافي، بل تجاوزه إلى نقل المعركة إلى عمق المراكز العسكرية الشريكة لواشنطن، عبر هجمات منسقة بأسراب من المسيّرات الانتحارية الموجهة، ضربت البنية التحتية العسكرية، وقواعد القوات الأمريكية، والمنشآت النفطية الحيوية في قلب الخليج العربي.

وأمام هذا الانكشاف الاقتصادي المباشر، وتصاعد حدة الغضب الشعبي الداخلي في الولايات المتحدة بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والسلع الأساسية، اكتسب قرار إيقاف الحرب ثقلاً كبيراً للدبلوماسية الأوروبية. فقد جاء اختيار بلدة "فرساي" الفرنسية لعقد مسارات التفاوض الموازية نتيجة ضغوط حثيثة مارستها العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس وبرلين، على إدارة الرئيس ترامب لتفادي شتاء قارس وأزمة طاقة خانقة ناجمة عن تهديد ممرات الملاحة العالمية. وقد دفع ذلك المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى دعم مقاربة التهدئة، ليجد صانع القرار في البيت الأبيض نفسه في سباق محموم مع الزمن لتلافي هزيمة انتخابية قاسية للحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية الوشيكة. هذه الضغوط المتقاطعة حوّلت الاندفاع العسكري الأمريكي إلى انكفاء دبلوماسي تكتيكي يبحث عن مخرج سريع يحفظ ماء الوجه تحت لافتة "الصفقة التاريخية".

وتكمن المعضلة الاستراتيجية الكبرى في أن مسودة التفاهم الحالية، التي يُشار إليها في الكواليس الدبلوماسية بمذكرة "فرساي 2026"، تحولت من وثيقة لتفكيك التهديد الإيراني إلى مجرد إعلان مبادئ فضفاض يرحّل القضايا الأساسية التي شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب من أجلها. فرغم أن البند الرابع يلزم واشنطن برفع الحصار البحري المفروض على إيران بالكامل خلال 30 يوماً، واستئناف حركة الملاحة بما يتناسب مع حجمها قبل الحرب، والتعهد بسحب القوات الأمريكية من المناطق المحيطة بإيران خلال 30 يوماً من تاريخ الاتفاق النهائي، فإن البند الخامس يقيد التزام إيران بتوفير العبور الآمن للسفن التجارية دون دفع رسوم لمدة 60 يوماً فقط من الخليج إلى خليج عُمان والعكس، على أن يستأنف المرور بانتظام في غضون 30 يوماً لإزالة العوائق التقنية والعسكرية والألغام، مع فتح حوار مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية للمضيق بالتنسيق مع دول الخليج بما يتماشى مع القانون الدولي.

إن إدراج سلطنة عُمان كطرف محوري في الصياغة المستقبلية لإدارة المضيق يمثل نجاحاً دبلوماسياً إيرانياً في أقلمة وتوطين الأمن المائي للخليج، وسحب البساط من تحت التواجد البحري الدولي والأمريكي المباشر، عبر إحلال ترتيبات قانونية وأمنية مشتركة بين الدول الواقعة على طرفي المضيق. وبذلك، تؤسس هذه الصيغة لمرحلة تاريخية جديدة تتقلص فيها القدرة الأمريكية على فرض الهيمنة البحرية الأحادية في المياه الدافئة.

وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي، وعملاً ببنود المذكرة التي تلزم الولايات المتحدة برفع الحصار البحري وتقديم تسهيلات تضمن التدفق الحر للطاقة عبر مضيق هرمز، خطت وزارة الخزانة الأمريكية خطوة تنفيذية متقدمة في 22 يونيو 2026، بإصدار المكتب الأمريكي لمراقبة الأصول الأجنبية "الرخصة العامة X". وتتيح هذه الرخصة الاستثنائية والمؤقتة، الممتدة حتى 21 أغسطس 2026، إجراء كافة المعاملات المالية واللوجستية المرتبطة بإنتاج وبيع وشحن النفط الخام والمشتقات البتروكيماوية الإيرانية، بما يشمل خدمات التأمين، والتموين، وإدارة السفن المحظورة سابقاً، والإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة في قطر لأغراض إنسانية. وما تصفه مراكز الدراسات الاقتصادية الغربية بتجميد مؤقت لعقوبات بالغة التعقيد، يمثل في جوهره منح طهران رئة تنفس مالية مقابل الالتزام بمهلة الستين يوماً.

وتكشف القراءة الفنية المعمقة لهيكلية "الرخصة العامة X" أنها تمثل نمطاً متطوراً من الهندسة الجيواقتصادية المرنة، حيث استخدمت واشنطن سلاح العقوبات لا بوصفه أداة صلبة ومستمرة للكسر، بل كصمام تحكم هيدروليكي يُفتح ويُغلق بدقة لضبط السلوك السياسي والميداني لطهران. كما أن السماح بالمعاملات المقومة بالدولار وحماية الشركات العالمية من العقوبات الثانوية يمثل اعترافاً أمريكياً بعدم قدرة الاقتصاد الدولي على تحمل كلفة العزل الكامل لمنتج طاقة بحجم إيران في ظل بيئة تضخمية عالمية هشّة.

والأخطر من ذلك عسكرياً وجيوسياسياً هو تحصين الترسانة الباليستية والمسيرات الإيرانية؛ إذ خلت وثيقة التفاهم تماماً من أي إشارة تقيّد قدرات التصنيع العسكري الإيراني، أو تضع سقفاً لمدايات صواريخها الباليستية المتطورة ومسيّراتها. وهذا يمثل اعترافاً أمريكياً ضمنياً بفاعلية هذه المنشآت كأداة ردع غير متناظر نجحت في فرض شروطها على الميدان. وبذلك، تكون الآلة العسكرية الأمريكية قد قبلت بإنهاء جولة القتال المباشر دون تفكيك مسبباتها، تاركة مصادر التهديد الاستراتيجي قائمة، بل ومنحتها شرعية البقاء والتطوير تحت غطاء التهدئة الدبلوماسية المؤقتة.

وتقر واشنطن صراحة، ضمن بنود المذكرة، بتثبيت قواعد اشتباك جديدة تجلت في اعتراف أمريكي بضرورة وقف المساس بسيادة الأراضي الإيرانية أو استهداف مقارها الحيوية، مقابل التزام طهران بوقف استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة والمنشآت الاقتصادية التابعة لحلفاء الولايات المتحدة. ويعكس هذا الخلو المطلق للوثيقة من قيود التسلح الإيراني نجاح طهران في فرض معادلة الفصل الصارم بين ملفها النووي وقدراتها العسكرية التقليدية وفوق التقليدية، معتبرة الترسانة الصاروخية نوعاً من السيادة الوطنية الصلبة المانعة للتفاوض، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في العقيدة الدبلوماسية الغربية التي طالما أصرت على دمج الملفين في أي تسوية شاملة لإحداث اختراق حقيقي في ميزان القوى الإقليمي.

وفي المقابل، تتضمن المسودة لإيران مكاسب جيوسياسية واقتصادية وازنة. فإلى جانب الوقف الفوري لإطلاق النار، يلتزم البند السابع بإلغاء جميع العقوبات ضد إيران وفق جدول زمني يجري الاتفاق عليه ضمن الاتفاق النهائي، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى العقوبات الأمريكية الأحادية الأولية والثانوية. ولتجسيد هذه المكاسب فوراً، يفرض البند العاشر على وزارة الخزانة الأمريكية إصدار إعفاءات فورية لصادرات النفط الخام الإيراني والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، وجميع الخدمات المصرفية والتأمين والنقل. كما يلزم البند الحادي عشر واشنطن بالإتاحة الكاملة لاستخدام أموال إيران وأصولها المجمدة أو الخاضعة لقيود، للدفع لأي مستفيد يحدده البنك المركزي الإيراني.

بيد أن الاستعصاء البنيوي والأعمق في هذه المقاربة الدبلوماسية يكمن في المفاعيل الجيوسياسية للبند السادس من الاتفاق، والذي يفرض على واشنطن التزاماً قانونياً وسياسياً، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، لصياغة خطة نهائية ملزمة بقيمة لا تقل عن ثلاثمائة مليار دولار تحت لافتة إعادة الإعمار وتحفيز النمو الاقتصادي في إيران. غير أن هذا الرقم الفلكي، في جوهره الاستراتيجي، لا يمكن تصنيفه كحزمة تحفيز تنموية، بل هو إقرار دولي عارٍ بالهزيمة، وانتصار لاستراتيجية الصمود والمناورة الإيرانية، مع اعتراف قسري بوزن طهران كقوة إقليمية مهيمنة قادرة على عزل خطوط الملاحة الدولية في الممرات البحرية الحاكمة لحركة التجارة العالمية.

وللتخفيف من وطأة الانكشاف السياسي والحرج الاستراتيجي الحاد أمام المنظومات الإقليمية، لجأ المهندسون الدبلوماسيون إلى تفعيل آلية جيواقتصادية مبتكرة عُرفت بـ"صيغة مقاصة الطاقة". وبموجب هذه الصيغة، يتم تفكيك عوائد هذا الصندوق الضخم وتسويتها، والالتفاف على القيود المصرفية عبر مقايضة القيمة الإجمالية بضخ حصص نفطية وإمدادات طاقة سيادية مقومة بأسعار تفضيلية مجحفة للمستهلك ومتفق عليها مسبقاً. وبهذا المعنى، تتحول تعويضات الحرب غير المباشرة إلى قنوات تبادل تجاري وهندسة مالية معقدة التفكيك، يصعب فصلها عن إعادة تركيب النفوذ في الإقليم.

وما يضاعف من الخطورة الهيكلية لهذا المسار هو لجوء الإدارة الأمريكية المتأزمة إلى ممارسة ضغوط بنيوية حادة على حلفائها التقليديين في الخليج العربي لإجبارهم على تحمل العبء المالي الأكبر في تمويل هذا الصندوق، بمشاركة أطراف دولية وإقليمية، وضمن قالب يعيد إنتاج مفهوم تعويضات الحرب بطرق ملتوية. غير أن هذا المقتضى يواجه استعصاءً تشريعياً ومعارضة شرسة داخل الكونغرس الأمريكي من قِبل الحزبين، مما يعزز الاستنتاج الأولي بأن المشهد برمته يبقى محكوماً بمخاطر الارتداد العسكري والانفجار الميداني الفجائي إذا ما أخفقت اللجان الفنية في تحويل هذه العناوين السياسية الفضفاضة إلى نصوص قانونية محكمة، بما يهدد بإحداث شرخ غير قابل للرأب في منظومة الأمن الإقليمي الجماعي.

إن "صيغة مقاصة الطاقة" المعتمدة باتت تمثل نموذجاً متقدماً للتمويل الجيوسياسي القسري، حيث يتم رهن وأتمتة أصول الطاقة والنفط المستقبلية وتحويلها إلى أدوات لتسوية التبعات المالية الناشئة عن الصدام الشامل. وهي بذلك تربط الاقتصادات الإقليمية بعلاقات اعتماد متبادل قصيرة المدى وهياكل تمويلية وتشابكية طويلة الأجل مع طهران، بما يكبل هذه المنظومات ويحد من قدرتها المستقبلية على المناورة أو الانخراط في أي تحالفات عسكرية أو ترتيبات أمنية مدعومة غربياً تهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني المتمدد في المنطقة.

أما من المنظور الأمني والاستراتيجي الإقليمي، فتؤكد التحليلات أن التفاهمات لم تقتصر على خطوط الملاحة في الخليج العربي، بل امتدت لتشمل صياغة آلية "فض اشتباك وتنسيق" ثلاثية الأطراف تضم واشنطن وطهران وبيروت، تهدف إلى تثبيت وقف العمليات العسكرية في الجبهة اللبنانية. وتنظر طهران إلى هذا المسار بوصفه شرطاً لازماً للمضي قدماً في أي تسوية، بينما تراه الدوائر الغربية اختباراً ميدانياً أولياً لمدى جدية الأطراف في تحويل الهدنة المؤقتة إلى ترتيبات إقليمية أوسع نطاقاً.

ويكشف التقييم المعمق لخفايا هذا الاتفاق عن مقاربة سياسية بالغة الخطورة اتبعها دونالد ترامب للخروج من مأزق الحرب. فالدائرة الأكثر ولاءً له، والمتمثلة في نائبه جي دي فانس، وصهره جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص ستيفن ويتكوف، تولت هندسة البند المالي وإدارته بمنطق الصفقات والمقايضات المالية، وعلى حساب المصالح الجيوسياسية الأمريكية، لتجنيب الاقتصاد الأمريكي تبعات التضخم. وقد مارست هذه الدائرة ضغوطاً سياسية حادة على حلفائها التقليديين من ملكيات الخليج العربي لإجبارها على جمع وتمويل خطة إعادة إعمار إيران البالغة قيمتها ثلاثمائة مليار دولار. وتكمن المفارقة الجيوسياسية الصادمة هنا في أن هذه الدول الخليجية هي الطرف الذي تضرر مباشرة من تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وهي ذاتها القوى التي تقاعست واشنطن عن توفير الحماية الاستراتيجية المفترضة لها أثناء الحرب. وبدلاً من إنصافها، جرى توظيف قدراتها المالية لتمويل خطة تمثل، في جوهرها وصيغتها البنيوية، تعويضات حرب تلتزم بها الأطراف المهزومة لصالح الطرف المنتصر.

إن قبول الإدارة الأمريكية بهذه الصيغة التمويلية التي مررتها دائرة فانس وكوشنر يعكس إقراراً ضمنياً بنجاح طهران في فرض شروطها وإدارة الصراع بصورة جعلتها تخرج بمكاسب جيوسياسية ومالية هائلة، تُعامل فيها كقوة إقليمية منتصرة، بينما تحولت القوى الخليجية إلى الطرف الملتزم بدفع كلفة تسوية لا تخدم أمنها الاستراتيجي. ويمثل هذا سابقة تاريخية هدمت أسس الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة. كما يوضح هذا الطرح الاقتصادي والسياسي كيف قادت هندسة المقايضات غير المتكافئة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية إلى حافة قطيعة استراتيجية وتكلس دبلوماسي غير مسبوق، ليتزامن ذلك مع مواجهة كلامية حادة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، حيث رد الأخير بصرامة معلناً أن تل أبيب غير معنية بهذا الاتفاق التكتيكي، ومستعدة لقول "لا" لواشنطن لحماية أمنها المباشر.

فالصيغة الحالية لا تكتفي بوقف هذه الاستراتيجية، بل تمنح طهران الحصانة السياسية والقانونية والروافع المالية الكافية لتحصين مكتسباتها النووية والصاروخية تحت الأرض، وترسيخ نفوذها الإقليمي دون القدرة على لجمها. إن هذه المواجهة الكلامية والتوترات الاستراتيجية بين ترامب وتل أبيب تكشف عن انفصال مصيري في المصالح الأمنية القومية العليا؛ إذ أدركت واشنطن أن حماية مكانتها كقوة عظمى تتطلب تجنب التورط التام في حرب استنزاف إقليمية مفتوحة بالنيابة عن حلفائها، بينما تنظر إسرائيل إلى هذا الموقف كصدمة وجودية وتراجع تاريخي يجبرها على إعادة صياغة عقيدتها العسكرية نحو تبني العمل الأحادي المطلق خارج مظلة التنسيق المسبق مع البنتاغون، بما يفتح الباب أمام احتمالات تفجر الميدان بصورة مفاجئة وغير منضبطة سياسياً.

هذا الانكفاء الاستراتيجي الأمريكي دفع بالعلاقات العضوية مع إسرائيل إلى حافة قطيعة بنيوية وتكلس دبلوماسي غير مسبوق، حيث تنظر دوائر القرار في تل أبيب إلى هذا الاتفاق باعتباره تقويضاً كاملاً لعقيدتها الأمنية الوجودية القائمة على مبادئ الردع الحاسم والضربات الاستباقية المجهضة، أو ما كان يُصطلح عليه في الأدبيات العسكرية بـ"قص العشب". ويظهر هنا أن المشكلة لا تكمن فقط في بنود الاتفاق، بل في الرسالة التي يحملها: أن الميدان لم يعد كافياً وحده لصنع النتيجة النهائية، وأن الخصم الذي صمد في وجه الضربات واحتفظ بقدراته الردعية استطاع أن ينقل الصراع من منطق الإخضاع إلى منطق التفاوض.

وتفضي المقارنة التحليلية الشاملة بين المحطتين التاريخيتين إلى استنتاج استراتيجي بالغ الدقة، يوضح كيف أدى تفكيك المقاربة الدبلوماسية لإدارة أوباما إلى الدخول في حلقة مفرغة من التصعيد العقيم، انتهت بواشنطن إلى القبول بمعادلة تسوية تمنح طهران مكاسب هيكلية أوسع بكثير مما كانت تطمح إليه في اتفاق عام 2015. فالنزوع نحو خيار المواجهة الشاملة الذي تبناه الرئيس ترامب لم يكتفِ بإشعال حرب إقليمية واسعة استنزفت موارد هائلة وأسفرت عن كلفة بشرية باهظة شملت ضحايا مدنيين، بل انتهى بالمفاوض الأمريكي إلى الرضوخ لشروط حتمية تفتقر إلى أي التزامات فعلية أو ملموسة من جانب طهران قبل تفعيل بنود التهدئة. وفي هذا السياق من البروباغندا والتسويق السياسي، يحاول البيت الأبيض عبر فريقه البراغماتي تصوير إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة بوصفه إنجازاً تاريخياً غير مسبوق، متناسياً في خطابه الموجه للداخل أن المضيق كان مفتوحاً بالكامل، وأن حركة تدفق ناقلات النفط كانت آمنة ومستقرة قبل قرار واشنطن الأحادي بالانتقال من الضغط الاقتصادي إلى الصدام العسكري المباشر.

ولا ينفصل تقييم الجدوى العسكرية لهذه الحرب عن قراءة مخرجاتها السياسية. فبالرغم من أن إيجاز الخسائر العملياتية يعكس نجاحاً عسكرياً نسبياً تمثل في تدمير، حسب الإعلانات الأمريكية – الإسرائيلية، ما يراوح بين 30% إلى 85% من ترسانة الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي كانت تُقدر بنحو 2,500 صاروخ وقذيفة موجهة قبل اندلاع الحرب، وهو ما أعاد البنية الفنية والإنتاجية العسكرية لإيران سنوات إلى الوراء وفقاً لبيانات رصد دولية رصينة، إلا أن هذا التفوق الميداني المؤقت يفقد قيمته الردعية في ظل غياب أي قيود تسلّحية صارمة في مسودة الاتفاق الجديد. ومع تدفق مالي ضخم ومضمون دولياً بقيمة 300 مليار دولار عبر صندوق إعادة الإعمار، ستكون طهران قادرة على تعويض قدراتها النوعية المفقودة وشراء التكنولوجيا المتقدمة في مدى زمني قياسي، بل وتطوير تكتيكات أكثر كفاءة ومناعة لإغلاق مضيق هرمز مستقبلاً، مستفيدة من الدروس المستفادة وتجربتها الميدانية الناجحة في إدارة الصراع الاقتصادي وعزل الممرات المائية الحيوية. الأمر الذي يعني، في المحصلة النهائية، تلاشي استراتيجية "قص العشب" وتحجيم التهديدات التي طالما تفاخرت بها تل أبيب، وتُحوّل المقاربة الأمريكية – الإسرائيلية برمتها إلى رضوخ سياسي وتكتيكي صريح أمام ثبات ومناورة القيادة الإيرانية العميقة.

وتفضي هذه المحصلة الجيو-استراتيجية الشاملة إلى واقع تحليلي لا يمكن القفز فوق معطياته، يضع إسرائيل في موقع الخاسر الأكبر والضحية الدبلوماسية الأبرز لهذه الجولة من الصراع الشامل. فبالنظر إلى قائمة الأهداف الحيوية والوجودية التي صاغت على أساسها تل أبيب عقيدتها العسكرية طوال العقدين الماضيين، لم يتحقق أي اختراق جوهري ومستدام؛ إذ لم يفضِ العمل العسكري إلى إنهاء المشروع النووي الإيراني وتفكيك بنيته التحتية بالكامل، ولم ينجح في تقويض الترسانة الصاروخية التقليدية وغير النمطية في الإقليم، كما بقيت خطوط الإمداد اللوجستي والعملياتي الممتدة نحو حلفاء إيران محتفظة بمرونتها وقدرتها على التكيف والعمل. والأقسى من منظور التقييم الأمني الإسرائيلي هو العزلة الدبلوماسية والاستبعاد القسري من كواليس التفاوض التي قادها الحليف الاستراتيجي الأكبر في واشنطن، والذي آثر في نهاية المطاف تغليب الحسابات الانتخابية الداخلية الضيقة، والتخلي عن شريكه العضوي في ذروة الاشتباك الميداني، والقبول بطهران شريكاً مكافئاً يمتلك من أوراق الضغط الواقعية ما يؤهله لفرض شروطه وتحويل صموده العسكري إلى مكاسب سياسية واقتصادية هيكلية.

إن هذا الإخفاق الاستراتيجي الأمريكي المتكامل يتجاوز في تداعياته حدود الشرق الأوسط ليصيب بنية النظام الدولي وحسابات التوازنات العالمية في مقتل. فالقراءة الدقيقة لهذه التحولات لا تعني بالضرورة أن إيران أضحت متفوقة عسكرياً أو تكنولوجياً على الدولة العظمى بمقاييس القوة الصلبة الشاملة، لكنها تُقدّم دليلاً عملياً وملموساً على أن امتلاك أعتى أدوات القوة العسكرية والتكنولوجية الفائقة لم يعد كافياً بمفرده لفرض الإرادة السياسية الكاملة على القوى الإقليمية المحورية التي تمتلك عقيدة مواجهة صلبة ومستعدة للذهاب إلى خيار الصدام الشامل وتحمل كلف الاشتباك الطويل. وهذه الخلاصة الاستراتيجية ستكون بمثابة رافعة جيوسياسية تدفع قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا، لإعادة صياغة حساباتها ومقارباتها الاستراتيجية، والتعامل بجرأة أكبر وتحدٍّ منهجي مع النفوذ الأمريكي في ملفات حيوية حول العالم. وبذلك يبقى المشهد الدولي بأسره رهناً بما ستسفر عنه الستون يوماً المقبلة، والتي ستحدد ما إذا كانت هذه المسودة المترنحة ستفضي إلى معاهدة سلام مستدامة بأطر وقواعد اشتباك جديدة، أم أنها لا تعدو كونها هدنة تكتيكية مؤقتة وفرصة لإعادة التموضع في حرب استراتيجية كبرى طال أمدها ولم تضع أوزارها بعد.

إن هذا التحول في بنية النظام الدولي يؤسس لمرحلة من "تعددية الأقطاب الإقليمية المقوننة"، حيث أصبحت القوى المتوسطة والجهوية قادرة على فرض مساحات نفوذ سيادي معزولة عن إرادة القوى العظمى، ومحمية بشبكة من المصالح الاقتصادية الجيواستراتيجية المعقدة، وممرات الملاحة الحيوية، وعناصر الردع غير المتماثل. وبهذا يتقلص الهامش العملياتي للقطبية الأحادية الأمريكية، ويدشن المشهد فصلاً جديداً من فصول التنافس الدولي الشامل على هندسة التوازنات الاستراتيجية في المراكز الحيوية الحاكمة للعالم بأسره.