من الصعوبة بمكان القول إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران قد انتهت بعد التوقيع على مذكرة التفاهم. فالنصوص وحدها لا توفر لنا معطيات الحكم بأن الحرب قد انتهت ومن هو المنتصر أو المهزوم، والقاعدة أنه لا يوجد ثابت في السياسة...
ما قبل التوقيع على مذكرة التفاهم الأمريكية وما بعد التوقيع سينشغل السياسيون ومحللو السياسة في تحديد من هو المهزوم ومن هو المنتصر وما هي المزايا التي تحققت للولايات المتحدة الأمريكية المعتدية أو للجمهورية الإسلامية الإيرانية المعتدى عليها عبر مقاربات سياسية وعسكرية واقتصادية بين الفريقين. وبالطبع ان الفريقين يؤكدان أن هذا الاتفاق قد حقق ما يدعم أهدافه وغاياته، غير أن هذه المذكرة بما تخفيه من غموض أو قد لا تفصح عنه في قادم الأيام حين تبدأ المفاوضات اللاحقة المسقوفة بستين يوماً، هذه المذكرة لا يمكن أن تكون أساساً صالحاً مطلقاً للمقاربات بين الفريقين بقدر ما تحمل بعضاً من الدلالات التي تؤشر على احتمالية وقف حرب القوة الصلبة، وبداية حرب القوة الناعمة وهي حرب جديده عنوانها حرب التفاوض وحرب الإرادات، وهي حرب لا تقل ضراوة من حرب القوة الصلبة التدميرية، فحرب التفاوض تسعى لكسر وتدمير الإرادة وكسب الحرب الدبلوماسية وتعظيم مهارة المفاوضات في ميدان السياسة، والكسب في هذا الميدان يعد من عناصر الاعتراف بقوة الدولة وشرعيتها في ميدان الحرب بأشكاله المختلفة، إذ إن كثيراً من الدول قد انتصرت عسكرياً لكنها هزمت في التفاوض وتحققت أهداف الطرف المعتدي في ميدان السياسة ما لم يستطع تحقيقه في ميدان الحرب العسكرية.
وفي سياق المقاربات تقتضي المنهجية العلمية والسياسية أن نحدد ما هي أهداف كل فريق، الفريق المعتدي والفريق المعتدى عليه. فالشيء الطبيعي أن هدف المعتدي هو هزيمة المعتدى عليه، بينما هدف المعتدى عليه هو الصمود وإفشال العدوان وليس الانتصار على المعتدي، لا سيما وأن المعتدي هو القوة العظمى عالمياً، وهنا تصبح المقاربة بين الأهداف مقاربة موضوعية ونسبية ولا متساوية.
فالطرف المعتدي هو الولايات المتحدة وهو الذي بادر بالحرب وكانت له أهدافه المعلنة والمضمرة.
سيناريو الأهداف الأمريكية..........
فما هي هذه الأهداف كي تكون هي أساس التقييم في معادلة الربح والخسارة أو النصر والهزيمة؟
أولاً:
كل المعطيات والدلالات والتصريحات الأمريكية والفعل في الداخل الإيراني كانت تشير إلى أن هدف الحرب تقويض النظام الإيراني وإسقاطه نهائياً عبر تخريب الداخل وتمويل المعارضة الإيرانية التي تحركت قبل الحرب بأيام لتكون الخطوة الأولى التي تعبد الطريق أمام إسقاط النظام عبر توظيف المعارضة السياسية الإيرانية، أي المراهنة على معركة الداخل الإيراني، ومن ثم التدخل الأمريكي المباشر، بيد أن الرهان الأمريكي قد فشل على المعارضة الداخلية بعد خمسة عشر يوماً من التظاهرات السلمية والعنفية والتمويل الخارجي.
ثانياً:
استبدل سيناريو الرهان على الداخل برهان القوة العسكرية لتغيير النظام الإيراني وذلك باستهداف رؤوس النظام والمرشد العام والقيادة السياسية والعسكرية وإحداث الفراغ الشامل بالداخل وفتح الطريق من جديد إلى إحداث تحرك داخلي لاستلام السلطة. حيث قتل العدد الكبير من الصف الأول والثاني والثالث في النظام، وهي مقدمة دراماتيكية كانت كافية لإسقاط أي نظام، إلا أن المفاجأة أمام القيادة الأمريكية والإسرائيلية التي راهنتا للمرة الثانية على إسقاط النظام قد بقي النظام صامداً ومسيطراً على الموقف عبر الصف الثالث من القيادة العسكرية والسياسية وقليل من الصف الثاني من القيادة السياسية وأدار المعركة العسكرية مع الكيان والقواعد الأمريكية في المنطقة باقتدار، وعلى مدار أربعين يوماً لم يكن العدوان قادراً على حسم الموقف، مما خلق تراجعاً في الاندفاعة في العدوان والبحث عن تحقيق انتصارات رمزية تؤسس للتراجع والإعلان عن النصر المؤزر.
ثالثاً:
كان الهدف الثاني هو تدمير المشروع النووي السلمي للتخلص من إمكانية واحتمالية وصول إيران إلى السلاح النووي الذي أقلق الكيان الإسرائيلي منذ سنوات واعتبره تهديداً وجودياً، واستعمل كل آلته الإعلامية لتبين مخاطر امتلاك إيران لهذا السلاح، وقد استخدمت أعلى عمليات التكنولوجيا والقاذفات الصاروخية والطائرات الشبحية في ضرب مواقع المشروع النووي من قبل الكيان وأمريكا، بيد أن سياسة الغموض الإيراني جعلت أمريكا وإسرائيل غير متأكدتين من تدمير المشروع النووي، ولا يملكان إلا صور الأقمار الصناعية التي لا تشي بالمطلق أنها قد دمرت المشروع برمته لا سيما وأن كل المعطيات تقول إن المشروع بني في أعماق الأرض والجبال بما يجعل غياب اليقين لدى طرفي المعتدي بأن المشروع قد دمر نهائياً.
رابعاً:
اللجوء إلى سيناريو ومحاولات التدخل البري للسيطرة على بعض المناطق أو المواقع الميدانية في الداخل الإيراني، وربما التي يشك أن بها ما يسمى بالغبار النووي، فكانت النتيجة فشلاً ساحقاً وسقوط وتدمير طائرات أمريكية أباتشي واف ١٥ وفقدان طيارين، تم إنقاذهما بعد يومين من الاشتباك العنيف مع القوات الإيرانية، وفي هذه المعركة صور الرئيس ترامب ووزير دفاعه ورئيس أركانه العسكري في مؤتمر صحفي استمر ساعتين بأنها من المعارك التاريخية ومعجزة عسكرية أمريكية..!! وفي هذه المعركة لم يخرج المعتدي بنصر بقدر ما خرج بفشل كبير، واعتبار صور إنقاذ طياريه هو النصر الكبير فرفع المعتدي من سقف رهاناته بأن هدد باحتلال جزيرة خارج الاستراتيجية الحاكمة جغرافياً في حركة تجارة الطاقة عالمياً، ثم تراجع أمام حسابات الفشل مرة أخرى على الرغم من كل التهديدات.
خامساً:
عمل المعتدي على فك الحصار الذي ضربته إيران على مضيق هرمز والتحكم في حركته إلا بإذن من القوة الايرانية الحاكمة في المضيق، حيث أحكم الحصار البحري على المضيق لإجبار إيران التخلي عن ورقة المضيق وفتحه أمام مئات السفن العالقة، ولم تنجح في ذلك بالرغم من التهديد بمحو الحضارة الإيرانية وفتح أبواب الجحيم وإعادة إيران إلى العصر الحجري.
سادساً: خيار التفاوض
المحصلة على مدار أربعين يوماً أن النظام الإيراني لم يسقط والراية البيضاء لم ترفع، والقيادة السياسية تجددت بقيادات شابة أكثر عناداً وعنفواناً من سابقتها، ولم يكن أمام ترامب والقيادة الأمريكية إلا البحث عن مخرج آمن ويحفظ ماء الوجه أمام الفشل المتكرر، وذلك عبر خيار معركة التفاوض المسنودة بأكبر هجوم إعلامي وسياسي وتهديد وجودي للحضارة الإيرانية وإنهاء الخارطة الإيرانية من الوجود، أي استخدام سياسة التهديد والوعيد مع الرغبة في التفاوض من موقع القوة والاقتدار والحصار البحري والاقتصادي وحشد الأساطيل وحاملات الطائرات في مضيق هرمز وبحر العرب.
والمحصلة مجدداً لم يستسلم النظام الإيراني لكل هذا التهديد الوجودي وهذا الحشد للقوة العسكرية المعتدية..
فمن جهة فشل العدوان في إسقاط النظام، ومن جهة أخرى فشل المعتدي في تدمير القوة الصاروخية للنظام الإيراني والحد من فاعليتها، وفشل المعتدي في تدمير المخصب من اليورانيوم "الغبار النووي" أو العثور عليه، ولكنه استطاع أن يقتل أكبر عدد من القيادات السياسية والعسكرية وأن يدمر أكبر عدد من المواقع العسكرية، ويحدث دماراً هائلاً في البنى التحتية المدنية والعسكرية ويخلق وضعاً اقتصادياً مأزوماً على النظام والمجتمع الإيراني وتحتاج ربما إلى عشرات المليارات للترميم وإعادة الإعمار، وهذه آثار حرب طبيعية في كل الحروب وتطال المنتصر والمهزوم معاً.
معركة إيران معركة صمود.............
أما أهداف المعتدى عليه "إيران"، فلم يكن يريد تحقيق النصر على القوة الأمريكية ولا على الكيان الإسرائيلي، وإنما كان يبحث عن حضور إقليمي ومركزي له في المنطقة والإقليم والعالم عبر سياساته ونفوذه وعبر قوته العسكرية المتنامية الصاروخية ومسيراته المستحدثة وعبر تطوير مشروعه النووي السلمي الذي يخشاه الكيان الصهيوني ويعتبره تهديداً وجودياً له وخرقاً لحصرية الامتلاك للنووي بيد إسرائيل فقط، كل هذه الأهداف لمواجهة العداء المتأصل ضده من قبل الكيان والأمريكي.
وعلى هذا الأساس كانت معركته مع الكيان ومع الولايات المتحدة معركة دفاع وصمود أمام أعتى أشكال القوة العسكرية والتقنية المتقدمة من تكنولوجيا فضائية وذكاء اصطناعي غير معهود من حروب الجيل الخامس. حيث استطاع أن يطيل زمن الصمود مع طرفي المعتدي ليحول الحرب إلى حرب استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي للكيان وللأمريكي معاً وللإقليم ودول العالم مجتمعة، عبر استخدام أوراق قوة عسكرية وأوراق قوة سياسية واقتصادية، فمن جهة لم تتوقف صواريخه على الكيان على مدار أربعين يوماً ولا على القواعد الأمريكية في المنطقة بما يؤشر على قدرته على إدارة المسار الزمني للصمود الميداني في مواجهة قوة المعتدي. ومن جهة أخرى فوجئ المعتدي بطرفيه بامتلاك واستخدام ورقة إقفال مضيق هرمز والسيطرة عليه ووقف النشاط التجاري للطاقة الدولية بما يجعل العالم كله يتألم وتدفعه للوقوف أمام مسؤوليته لإنهاء الحرب العالمية عليه، وإلا فإن العالم معني بدفع ثمن هذه الحرب كما إيران التي تكتوي بنارها.
بهذا المعنى لطبيعة الأهداف للمعتدي والمعتدى عليه، فهي مختلفة ومتباينة بما يجعل مفهوم النصر أو الهزيمة مفهوماً نسبياً مختلفاً عند كل طرف، فالنصر أو الهزيمة مرتبط بطبيعة الأهداف المخطط لها ومدى تحققها في ميدان الحرب والتفاوض وليس مرتبطاً بما تقوله الآلة الإعلامية لدى كل طرف أو ما يقوم به محللو السياسة ارتباطاً بمواقفهم المسبقة. وهنا يصح القول خلافاً لاصطلاح النصر أو الهزيمة، بالقول ما هي نسبية الخسارة والربح عند كل طرف في هذه الحرب. فالطرفان تكبدا خسائر جمة سياسية وعسكرية واقتصادية، ولكن لكل خسارة دلالة ومعنى استراتيجي، إما أن تقويه استراتيجياً أو تضعفه استراتيجياً.
وعليه فإن خسائر إيران بالمعنى الاستراتيجي في ظل صمودها هي تركيم للقوة الإيرانية ودورها الإقليمي والدولي، وإعلاء واعترافاً بشرعيتها ونظامها وقدراتها كقوة مركزية لا يمكن تجاهلها.
بيد أن خسائر أمريكا المعنوية والاقتصادية وعدم قدرتها على تحقيق أهدافها "كأن الحرب لم تكن" قد أضعفت أمريكا عالمياً بالرغم من جبروتها واحتفاظها بتفوقها وبقوتها العسكرية، وخسرت أخلاقياً وسياسياً وخسارة جزء كبير من الرأي العام العالمي وحكوماته، وضعف منسوب الثقة في قوتها ونفوذها وحكمتها في إدارة الصراع عالمياً، حتى إن شركاءها الاستراتيجيين قد ضعفت مراهناتهم وثقتهم بهذه القوة غير المطلقة، وخسرت بالداخل الأمريكي شعبياً بما لم يسبق له مثيل.
الكيان هو الخاسر الأكبر...
كثر هم المأخوذون بقدرة الكيان على شن حرب على إيران وعلى جبهات أخرى أجملها غرور نتنياهو بأنها ثماني جبهات في آن واحد، في الوقت الذي لم يستطع أن يحسم معركة واحدة من هذه الجبهات، وإن كان قد ألحق الدمار والقتل وافدح الخسائر في هذه البلدان، وهؤلاء المأخوذون لا يرون إلا هذا الدمار والقتل كعنوان لنصر نتنياهو وهزيمة لمحور المقاومة وشعوب المنطقة، ولا يدركون أن الصمود الإيراني وصمود حزب الله على مدار مسار الحرب التي لم تتوقف ضده هي استراتيجياً النصر التاريخي المؤجل، وأن الكيان قد أصابته صدمة هذا الصمود الذي يحدث تحولاً في الوعي الإسرائيلي لجهة الشك وعدم اليقينية في السردية الإسرائيلية حول جبروتها وقوتها وسيطرتها في المنطقة.
إن وصول الصواريخ الإيرانية إلى عمق الكيان وعلى كامل جغرافيا فلسطين تحمل بعداً وجودياً داخل الكيان، فأن تصل الصواريخ من أبعد نقطة ومن بعد الألف ميل إلى عمق الكيان، فتلك دلالة على تبدل وتحول في طبيعة المواجهة مع الكيان استراتيجياً، وأن المواجهة معه لن تنحصر بدول الطوق "المقيدة" بقدر ما سوف يتسع الصراع ليأخذ مداه وأشكاله وتنوعه في ظل تحولات القوة في المنطقة والإقليم، وأن العجز الراهن ليس إلا مرحلة لن تدوم ولن تصمد أمام التحولات النوعية هنا وهناك.
أمام هذا المشهد الذي لامسه المواطن الإسرائيلي والذي لم يتوقعه يوماً بأن الصواريخ قد دكت تل أبيب بعد اعتقاد إيماني بأن منعة الكيان مطلقة واستحالة خدشها، أمام هذا المشهد سوف تتوسع صدمة الوعي وتنال من المجتمع الصهيوني بسياسييه ومفكريه ومواطنيه حتى ولو بقيت المكابرة السياسية هي المظهر السائد. لقد أدرك الإسرائيليون أن حليفهم الأمريكي ومصدر قوتهم عسكرياً وسياسياً، ليس حليفاً مطلق اليقين، فالكيان هو أداة وثكنة عسكرية في صورة كيان إذا ما تناقضت مصالح الأمريكي مع الثكنة، فسوف تترك أمام مصيرها المحتوم استراتيجياً وسط خليط من الأعداء، ولن تستطيع مواجهة التحولات مهما أوتيت من قوة إسبرطا المحاصرة.

