لا يزال عداد تكلفة العدوان على إيران يتضخم ويسجل أرقاماً فلكية على أمريكا وإيران والاقتصاد العالمي والمنطقة، نظراً للموقع الجيوستراتيجي لمنطقة الخليج العربي التي تشتعل فيها أوار الحرب ولا تزال في أتون إرهاصات تنفيذ مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، حيث تواجه المنطقة خروقات تبحث إدارة البيت الأبيض عن منفذ للتملص منها، خصوصاً بعد أن وجهت لها انتقادات صريحة من بعض دول المنطقة التي اعتبرت سياسة أمريكا والكيان الصهيوني بعيدة عن مصالحها رغم الحديث عن التحالف معها. وفوق عدم الاكتراث وشن حرب على إيران، تصرفت الولايات المتحدة وكأنها تملك ناصية القرار الخليجي وتقوده حيث تشاء، حتى وقع الفأس في الرأس وتعرضت دول الخليج للصواريخ الإيرانية في الوقت الذي كانت فيه العسكرية الأمريكية تُرحل المزيد من المضادات وأنظمة الاعتراض من منطقة الصراع الأساسية للكيان ولم تلتفت كثيراً لما تتعرض له العواصم الخليجية. عداد التكلفة على دول المنطقة لم يتوقف ولا يبدو أنه مرشح للتوقف في المستقبل القريب، حيث النظرة الأحادية الأمريكية تنظر للمنطقة كخزائن أموال يتوجب عليها تمويل حروب أمريكا حتى وإن كانت ضد المواقف الخليجية.
وفق العديد من المصادر الرسمية ومراكز البحث والمؤسسات الإعلامية الدولية والذكاء الاصطناعي، فقد بلغت تكلفة الحرب على الولايات المتحدة حتى نهاية يونيو/ حزيران أكثر من تريليون دولار، منها ما بين 29-40 مليار دولار للعمليات العسكرية، وفق تقدير وزارة الدفاع في أبريل / نيسان الماضي أمام الكونغرس، وتقدرها مصادر أمريكية داخلية بأنها تصل إلى 113 مليار دولار بحسبة مليار دولار للعمليات العسكرية يومياً، منها أكثر من 11 مليار دولار للأيام الستة الأولى من العدوان، بينما تقدر الخسائر الاقتصادية بنحو 132 مليار دولار، ويقدرها خبراء بتريليون دولار تتضمن الفرص الضائعة. وبالنسبة للخسائر الإيرانية من الحرب فقد سبق أن قدرتها الحكومة الإيرانية بـ 270 مليار دولار، لكن التقديرات الأخرى تصل إلى تريليون دولار وتشمل إعادة الإعمار والأضرار الاقتصادية بما فيها البنية التحتية ومنشآت الطاقة والمفاعلات النووية. وهذه لا تشمل المصاعب الاقتصادية المستقبلية التي تواجه إيران في مرحلة ما بعد الحرب. وبالنسبة لخسائر دول مجلس التعاون الخليجي فتقدر بما يتراوح ما بين 58-120 مليار دولار حتى الآن، حيث تعطلت عملية تصدير النفط والغاز عبر مضيق هرمز وتعثرت سلاسل إمداد البضائع والسلع ما أثر على الأوضاع الاقتصادية وقد خفف منها قليلاً منفذ البحر الأحمر عبر المملكة العربية السعودية. وتقدر خسائر الكيان الصهيوني بنحو 12 مليار دولار. أما على المستوى العالمي فقد بلغت الخسائر عدة تريليونات من الدولارات بسبب إغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمي.
هذه الأرقام وإن بدت فلكية، تبقى تقديرية وقابلة للزيادة خصوصاً مع التوتر القائم والذي دعا البنتاغون إلى طلب تمويل إضافي بمبلغ 87.6 مليار دولار يفترض أن يذهب أغلبه لتغطية تكاليف الحرب على إيران، منها 21 مليار للذخائر والقدرات العسكرية وأكثر من 17 مليار دولار للنفقات التشغيلية وأكثر من 12 مليار دولار لبرامج ومشاريع سرية قد تكون لزعزعة الوضع الداخلي الإيراني الذي يعاني من وضع معيشي متفاقم زاد بعد الحرب. وربما تسهم مذكرة التفاهم مع واشنطن في تخفيف الأعباء، حيث تمكنت إيران خلال فترة وجيزة من تصدير عشرات ملايين البراميل من النفط بعد إعلان وقف إطلاق النار.
بيد أن الذي أثار حفيظة دول الخليج هو البند الذي ورد في مذكرة التفاهم وذكر فيه تخصيص مبلغ 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، وقد لمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بعض من تصريحاته طالب فيها دفع مبالغ هذا التمويل من أموال دول الخليج. لكن هذه الدول ممتعضة أصلاً من تجاهل واشنطن لها إزاء قرار شن الحرب وفي توقيع مذكرة التفاهم مع طهران، وترفض الإملاءات الأمريكية عليها، وترى ضرورة إشراكها في إعادة صياغة الوضع الأمني في المنطقة.
حياكة الخريطة الجديدة
في ظل هذه المعمعة يحاول الكيان الصهيوني استثمار الفرص القائمة وفتح ثغرات في جدار الأزمة ومنها الاتفاق مع لبنان الذي سرعان ما انقلب عليه رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو برفضه الانسحاب من جنوب لبنان إلا بعد تجريد حزب الله من سلاحه، في الوقت الذي يثبت جيشه بأراضي الجنوب وبمساحة تزيد على 600 كيلو متر مربع، تحوي أكثر من 50 قرية وبلدة دمر الاحتلال كل شيء فيها أو أغلب ما فيها. يريد نتنياهو ومن ورائه جنرالات الكيان أن يفرض معادلات جديدة وضرب وتد تأسيس "إسرائيل الكبرى" التي بشر بها الكيان في المحافل الدولية والداخلية والتي تستهدف العديد من الدول العربية ومنها الدول التي وقع معها اتفاقيات "سلام" وتلك التي يسعى لإدخالها في "نادي التطبيع". جيش الاحتلال وبعد التوقيع على ما يسمى بـ "اتفاق السلام" برعاية ترامب، يمارس التدمير والإبادة الجماعية في غزة وفي الجنوب اللبناني فيما عينه على الانتخابات المقبلة التي إن خسرها فإنه سيذهب إلى السجن على الأرجح، ولذلك يناور ويستحضر النصوص التوراتية المزورة ليدغدغ عواطف الأحزاب الدينية المتطرفة وجمهورها من أجل تحقيق أهدافه التي هي أهداف كل قادة الكيان ونخبه السياسية المتمثلة في تشييد "إسرائيل الكبرى" بجسر الاتفاقات الإبراهيمية التي يسعى لتعميمها على كل الدول العربية وفق تصريحاته المتعددة.
يراهن الكيان على تكرار الإبادة الجماعية والتهجير في قطاع غزة وتطبيقها على الجنوب اللبناني، وضرب مذكرة التفاهم الأمريكية- الإيرانية في البند المتعلق بلبنان والذي يقضي بوقف إطلاق النار وانسحاب جيش الاحتلال الصهيوني من الأراضي اللبنانية كافة. لكن اتفاق الحكومة اللبنانية مع الكيان برعاية أمريكية أراد منه نتنياهو شرعنة الاحتلال وإبقاء جيشه في الجنوب، الأمر الذي يشكل تحدياً للداخل اللبناني وقد بانت بعض ملامحه في مقدمات تشبه مقدمات الحرب الأهلية التي اندلعت في أبريل/ نيسان 1975 واستمرت خمس عشرة سنة سقط فيها عشرات آلاف الضحايا ودمرت مناطق بأكملها وأخرجت لبنان من دائرة الفعل والمنافسة. لكن تجربة الاحتلال للبنان مريرة سواء كان في الاجتياح الأول في 1978 بغزوه مساحة 800 كيلومتر مربع من أراضي الجنوب وتشكيل الشريط الحدودي وتنصيب الضابط المنشق عن الجيش اللبناني سعد حداد حاكماً على دويلة "لبنان الجنوبي"، أو بعد أن تمدد ليغزو لبنان ويحتل بيروت في صيف 1982. لقد تمكنت المقاومة من تحقيق الانتصار في نهاية الأمر وأجبرت الاحتلال على الهروب من الجنوب في مايو/ أيار 2000 والانسحاب منه دون شروط.
إن إرهاصات تشكيل الشرق الأوسط الجديد الذي تحاول الدوائر الصهيونية وحلفاؤها حياكته بشن الحروب والإبادات الجماعية، يواجه مقاومات متعددة المنابع رغم الصوت العالي للإعلام المروج لهذا المشروع بما فيها تصريحات رئيس وزراء الكيان الذي لم يتوقف عن الترويج للاتفاق مع لبنان على أنه أبقى جيشه في الجنوب اللبناني إلى أجل غير مسمى. لكن التاريخ يؤكد في كثير من المنعطفات أن الاحتلال، مهما طال أمده، إلى زوال. وتجربة الثورة الجزائرية مع الاحتلال الفرنسي تشكل مثالاً ساطعاً على قدرة المقاومة وحرب التحرير الشعبية على تحقيق النصر رغم اختلال موازين القوى. وهو ما حدث أيضاً في فيتنام ومناطق كثيرة من العالم.
المسألة التي تثير قلقاً بالغاً للكيان والتي جعلته يفرغ كل حقده ونازيته ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية ومناطق الـ 48 فضلاً عن لبنان وجرجرة ترامب لشن العدوان على إيران وقضم أراض جديدة من سوريا، هي بدء العد العكسي لبقاء الولايات المتحدة الأمريكية على قمة هرم النظام العالمي. وتشعر الدولة العميقة في الولايات المتحدة أن أفول نظام القطب الواحد قد بدأ ودارت عجلات عداده بمؤشرات واضحة وجلية أهمها صعود الصين كمنافس اقتصادي شرس يتغلغل في أغلب اقتصاديات العالم بما فيها الاقتصاد الأمريكي. التنين الصيني، الذي كان يبدو في سباته في العقود الماضية، يشكل اليوم تحالفات إقليمية ودولية من طراز مجموعة "بريكس" وتحالف "شنغهاي" وغيرها من التحالفات الثنائية والجمعية التي شكلتها الصين لتقوض قدرة واشنطن على المواجهة السافرة وتضعها في أتون سلوكها غير الطبيعي الذي يعبر عن الطبيعة الإمبريالية للولايات المتحدة. وفي نفس الوقت توجه إدارة ترامب سهاماً طائشة ضد حلفائها التاريخيين في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، الأمر الذي لاحظه العالم في حرب الرسوم الجمركية التي أراد منها ترامب إعادة الوهج لـشعار "أمريكا العظيمة"، وقاده لأن يدخل في حروب تجارية واقتصادية وعسكرية.
من سيدفع كلفة الحرب على إيران؟
سؤال كبير يتداخل مع عناصر كثيرة، حيث تواجه إدارة ترامب مشكلة معقدة لا يمكن حلها بعقلية رجل الصفقات العقارية الذي تسبب في خلق تباينات في الصف الأول من قيادته، حيث يرى في مذكرة التفاهم مع طهران مكسباً ما دامت تسير وفق أهوائه وسيعتبرها نصراً شخصياً له، وإلا فسيعلق الفشل على نائبه فانس، كما سيهمش وزير خارجيته روبيو في حال عدم قدرته على تحقيق إنجازات محرزة في الملف اللبناني.
ليس من السهل تحميل دول الخليج دفع 300 مليار دولار لإعادة إعمار ما دمرته الطائرات الأمريكية والصهيونية في حرب الأربعين يوماً على إيران، فقط لأن ترامب قال ذلك، بل على البيت الأبيض البحث في أماكن أخرى داخل الولايات المتحدة وخارجها بدلاً من ممارسة الضغوط على العواصم الخليجية لتسهم عنوة في دفع تبعات حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، فضلاً عن أن محاولات التذاكي التي يسعى ترامب لفرضها على العالم قد تهاوت بسبب سلوكه غير المتوقع والمفاجئ تجاه الآخر.. أي آخر.
كل المؤشرات تفيد بأن الإدارة الأمريكية الحالية هي التي تدفع، ولو بالتقسيط، نسبة مهمة من كلفة الجموح والقرارات غير المسؤولة في شن الحروب والاشتراك في حرب الإبادة الجماعية في غزة. أولى هذه المؤشرات ما تصدره مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام التي تؤكد تراجع شعبية الرئيس ترامب إلى مستويات غير مسبوقة، ما يهدد وضع الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة. يضاف لها قرار الكونغرس "الرمزي" والقاضي بتقييد الرئيس تنفيذ العمليات العسكرية دون الرجوع للكونغرس. كما أن إرهاصات التحول نحو اليسار الاشتراكي داخل الحزب الديمقراطي هي أيضاً واحدة من تبعات مشاركة الولايات المتحدة في حرب الإبادة على غزة والشعب الفلسطيني وبالتالي بدء تحول الرأي العام الأمريكي عن السردية الصهيونية.
هذه المؤشرات تؤكد أن كلفة الحرب على إيران لن يتمكن ترامب من رميها على الآخرين، بل عليه أن يتحمل هو ونتنياهو المسؤولية الكبرى عن شن الحرب، وكذلك المسؤولية عن مشاركتهما في حرب الإبادة الجماعية في غزة.

