Menu

من واشنطن إلى دمشق: كيف تُعاد صياغة معادلة التعامل مع حزب الله في لبنان؟

عزيز موسى

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية تعامل سوريا مع "ملف حزب الله" في لبنان إلا جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع في التعامل مع واقع التطورات الحاصلة في المنطقة، إذ تسعى إدارة الرئيس ترامب إلى تحقيق هدفين أساسيين: الأول إيجاد دور سوري في الملف اللبناني، خصوصاً في ضبط هوامش حركة الحزب وتقييدها من مبدأ الموازنة، والثاني التلويح بالضغط على الحزب وإيران، في ظل ربط الأخيرة إيقاف الحرب والتقدم بمسار المفاوضات بضرورة الانسحاب الإسرائيلي من لبنان.

حديث الرئيس ترامب حول فكرة التدخل السوري لتقويض نفوذ "حزب الله" والتعامل معه أثار قلقاً لبنانياً، بالمقابل جاء الرد السوري عبر الرئيس أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية في 21 حزيران/يونيو متزناً، حذراً، ومفككاً للاستدراج الأمريكي؛ حيث أكد أن تصريحات ترامب "فُهمت خطأ"، وأن سوريا لن تتدخل عسكرياً في لبنان، بل تدعم سيادته ومؤسساته وتفكيك السلاح خارج إطار الدولة عبر مسارات سياسية واقتصادية، مؤكداً أن "سوريا جزء من الحل وليست جزءاً من المعاناة اللبنانية"، وأن "الوضع في لبنان يحتاج إلى حلول مشتركة"، ويمكن الاعتماد على سوريا في البحث عن مسار آمن للحل من خلال دعم الدولة اللبنانية وإعادة تقوية مؤسساتها.

من الحسم العسكري إلى "الخصخصة الأمنية"

تعكس تصريحات ترامب تحولاً بنيوياً في العقلية الاستراتيجية الأمريكية تجاه إدارة الصراعات، ويمكن تفكيك أبعادها إلى ثلاث زوايا رئيسية:

1- عدم تحقيق التدخل العسكري الإسرائيلي لأهدافه والبديل السوري: ينتقد ترامب علانية طول أمد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وكثافة الضحايا المدنيين جراء "تدمير الأبنية السكنية"، ومن منظوره البراغماتي، إذا كانت تل أبيب عاجزة عن إنهاء ظاهرة "حزب الله" دون كلفة سياسية وإنسانية باهظة، فإن الإدارة السورية الجديدة تمتلك شرعية الأرض، ولديها حسابات معقدة مع الحزب لإرثه التاريخي المرتبط بالنظام السابق.

2- عقيدة "أمريكا أولاً" والوكالة الإقليمية: يسعى ترامب إلى تطبيق مفهوم "الخصخصة الأمنية"؛ فبدلاً من توريط القوات الأمريكية أو استنزاف الدعم المالي المطلق لإسرائيل، يحاول استثمار العلاقة مع سوريا، التي يراها حليفة ضمنية للتحالف الدولي، لتلعب دوراً فاعلاً في الساحة اللبنانية بما يحقق المصالح الأمريكية.

3- الفصل بين المسارات: تحاول واشنطن فصل ملف لبنان عن المفاوضات النووية والأمنية الشاملة الجارية حالياً مع طهران، في حين تسعى إيران لربطهما، وهو ما يسعى ترامب لتجاوزه بغية تقويض هوامش حركة الحزب في لبنان.

البحث عن دور لا وصاية فيه

ركزت المقاربة السورية على مجموعة من النقاط في محاولة تأطير الرغبة الأمريكية ضمن حدود دور لا يخلق فوضى، ويمكن قراءة هذه المقاربة من الزوايا التالية:

1- رفض إعادة إنتاج "الفخ اللبناني": يدرك الرئيس الشرع أن الدخول العسكري السوري إلى لبنان تحت غطاء التعامل مع حزب الله هو "فخ استراتيجي" سيعيد سوريا إلى مربع الاقتتال الداخلي، ويستنزف قدراتها الاقتصادية ومؤسستها العسكرية قيد البناء، ويُعيد إنتاج صورة نظام الأسد وتدخله السابق في لبنان. لذلك تريد دمشق إقامة علاقات تعاون أمنية واقتصادية تفتح نوافذ الفرص في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد والإعمار.

2- البعد السيادي والمؤسساتي: تتمركز الاستراتيجية السورية الجديدة حول دعم مسار الدولة اللبنانية ومؤسسات الجيش اللبناني لتنفيذ القرار السيادي بتفكيك سلاح حزب الله، لا الحلول العسكرية المباشرة، فدمشق تريد التعامل مع "دولة لبنانية" قوية تضمن ضبط الحدود المشتركة أمنياً واقتصادياً.

3- البراغماتية السياسية مع حزب الله: رغبة الرئيس الشرع في عدم إغلاق أبواب الحوار كلياً مع الأطراف اللبنانية، بما فيها حزب الله، بشرط الحفاظ على مصالح البلدين، تشير إلى رغبة دمشق في تفكيك الظاهرة الأيديولوجية للحزب عبر قنوات سياسية ودبلوماسية، بالتوازي مع قطع خطوط الإمداد اللوجستي وتأمين الحدود التي تحولت استراتيجياً من "ممر تهريب" للنظام السابق إلى "ثغرة تكتيكية" محاصرة.

4- انسجام الموقف السوري مع الموقفين العربي والأوروبي، اللذين لا يريدان تدخلاً سورياً عسكرياً في لبنان، بل أن تكون هوامش الدور فاعلة على المستوى السياسي والضبط الحدودي والتنسيق الأمني، وبالتالي فإن التعامل مع الرغبة الأمريكية يكون أسهل في ظل الدعم العربي والأوروبي لهذا الموقف.

هنا تبرز آلية التعامل مع هذا الملف باعتباره يحمل تعقيدات تتعلق بالوضع الداخلي السوري اللبناني، إضافة إلى الرؤية الإقليمية والدولية، حيث بحثت دمشق وبيروت في عدة لقاءات واجتماعات الآليات التي يمكن التعاون من خلالها لتحقيق المصالح المتبادلة. فدمشق ترغب بالتحرك ضمن هذا الملف بناءً على التوافق مع بيروت، فيما تعلم الأخيرة حجم الضغوط الأمريكية لتحجيم ملف الحزب وإنهائه، وبالتالي خلقت المصلحة المشتركة بين دمشق وبيروت، مع المزاج الإقليمي والدولي الداعم، دوراً لدمشق من جهة، وأبقت سوريا ضمن مسار تنموي يحافظ على استقرارها الداخلي ويُبقي تعاملها مع لبنان قائماً على مبدأ الشراكة لا الوصاية.

سيناريوهات التعاون من التنسيق الاستخباري إلى الدور السياسي العميق

تبرز عدة سيناريوهات للتعامل السوري مع ملف الحزب من جهة، والتعاون مع لبنان من جهة أخرى، تخضع بدورها لمجموعة من المعطيات وتعقيدات الواقع الإقليمي والداخلي في البلدين:

1- سيناريو التعاون الأمني والاستخباري: على مدى أكثر من عام، حققت قنوات التواصل بين دمشق وبيروت نجاحاً في معالجة عدد من الملفات، لا سيما ما يتعلق بنشاط الحزب الحدودي بهدف منعه من ترميم ترسانته أو استعادة قوته العسكرية سواء بتهريب السلاح أو الأموال، إضافة إلى ضبط عمليات تهريب المواد المخدرة والممنوعة، ويُرجَّح هذا السيناريو باعتباره الأكثر قابلية للتنفيذ والانتقال من تعاون ثنائي ضمن إطار عادي إلى تعاون مؤسسي يخص الأجهزة الأمنية والاستخبارية، عبر إنشاء آليات مشتركة مهمتها التعامل مع الملف الحدودي والتهديدات التي يتعرض لها البلدان. ويحتاج هذا المسار جهداً مكثفاً ورؤية شاملة، نظراً لتعقيدات الواقع الجغرافي، وتعدد المجموعات المرتبطة بالحزب أو غيره من الأطراف، وبنية التهريب القائمة على شبكات عنقودية، إضافة إلى امتلاك الحزب أدوات اختراق قد تُعرّض قنوات التنسيق بين دمشق وبيروت لفشل عمليات الرصد.

2- سيناريو العمل العسكري المحدود: يتزامن هذا الطرح مع عمليات التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت، ويكون ذلك من خلال عمل عسكري مشترك سوري-لبناني تحت عنوان تأمين الحدود، مما يضبط خطوط ومسارات الإمداد للحزب، خصوصاً بعد إرسال الحزب عناصر خلال الأشهر السابقة تحضيراً لسيناريو الاشتباك مع الحكومة السورية. ويمتلك هذا الخيار مبررات قائمة وتغطية دولية وإقليمية، ويمكن اعتباره مكمّلاً للتعاون الأمني والاستخباري، إلا أنه يبقى من أكثر الخيارات تعقيداً، خصوصاً إذا تطور إلى ما هو أبعد من المسألة الحدودية، وهو ما يتطلب تعاملاً خاصاً ودقيقاً.

3- سيناريو الدور السياسي العميق: بالنظر إلى الانفتاح الدولي والإقليمي على سوريا، والتحول نحو علاقات تعاون وشراكة بينها وبين الغرب، يمكن أن يشكّل ذلك عاملاً إيجابياً في إيجاد دور سياسي لسوريا مع قوى وتيارات لبنانية متعددة، في مسار تعزيز حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. وهو ما يجعل أي دور عربي-غربي داعماً لأن تلعب سوريا دوراً متوازناً، لا يقوم على مبدأ الوصاية بل على مسار تعاوني مع الدولة اللبنانية، بحيث تتحرك دمشق سياسياً واقتصادياً لتعزيز الملفات المشتركة ضمن الأروقة الدولية، وتبني استراتيجية قائمة على منع وجود أي سلاح أو مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة.

اختبار التوازن بين الدور والانزلاق

يبقى الموقف السوري محكوماً بمعادلة دقيقة، تلبية الضغط الأمريكي دون الانجرار إلى مستنقع لبناني جديد يستنزف دمشق ويعيد إنتاج تجربة الوصاية التي لطالما حاولت سوريا الجديدة التحرر من إرثها، فالخيارات المطروحة، من التنسيق الاستخباري إلى الدور السياسي العميق، تشترك جميعها في معيار واحد، أن يبقى الفعل السوري أداة دعم للدولة اللبنانية لا بديلاً عنها، وأن يُترجم التوافق الإقليمي والدولي إلى غطاء سياسي يحمي دمشق من تحمّل كلفة معركة ليست معركتها وحدها.

في المقابل، فإن نجاح هذه المقاربة مرهون بعوامل لا تخضع كلياً لإرادة دمشق، مدى التزام واشنطن بفصل ملف حزب الله عن مسار المفاوضات مع إيران، ومدى قدرة الدولة اللبنانية نفسها على استثمار الزخم الإقليمي لفرض حصرية السلاح، وأخيراً سلوك حزب الله ذاته في مواجهة معادلة دولية وإقليمية باتت أقل احتمالاً لبقائه على حاله، وبين هذه المتغيرات، تبدو سوريا أمام اختبار حقيقي لإثبات أنها قادرة على لعب دور الشريك الإقليمي المسؤول، دون الانزلاق مجدداً إلى دائرة التدخل التي أنهكتها لعقود.