بدأ ما يسمّى "مجلس السلام" بكشف الغطاء عن نفسه، وإزالة الستار عن النوايا التي شُكّل من أجلها والأهداف التي يسعى إليها، التي تترأسها تصفيةُ القضية الفلسطينية، التي كان "اللاجئ" الفلسطيني عنوانًا لها. هذا المجلس الذي شكّله الرئيس الأمريكي "الداعم الأكبر" لإسرائيل إبان العدوان الصهيوني على قطاع غزة ومع قرب التوصّل لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر تشرين أول من العام الماضي.
مجلس السلام الذي لم يعمل بأي صفةٍ من اسمه، ولا بأي هدفٍ من التي زُعم أنّه شُكّل من أجلها، هذا المجلس الذي لم يستطع كبح جماح العدوان على غزة، على الرّغم من دخول الاتفاق شهره الثامن، مئات الشهداء وآلاف الجرحى، عدا عن خرق كل بنود الاتفاق الذي كان هذا المجلس شاهدًا عليها، فضلًا عن تبنّيه الكامل والأعمى لروايات الاحتلال، بالإضافة إلى مطالبه المزعومة لوقف خروقاته، فيطلّ علينا مؤخّرًا بنيّته استبدال "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين"، تحت مزاعم واهية وأهداف فارغة، حيث قال في بيان نشره على منصة (إكس) الأربعاء الماضي: "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة، نحن نطوي صفحة عُقدة الاعتماد الدائم على المساعدات والصراع".
هذا الموقف الذي يتقاطع بالمجمل مع هدف "إسرائيل" الأكبر منذ عقود، وهو تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، التي تعدّ الأونروا الشاهد على نكبتهم عام 1948، التي تم تشكيلها بقرار وميثاق دوليينِ واضحينِ بأهداف واضحة، على أن تكون نهاية هذه المؤسسة بانتهاء الاحتلال لفلسطين، إلّا أن الإدارات الأمريكية لطالما كان لها رأي آخر، وآخرها المتمثّل بموقف هذا المجلس الذي لم يظهر يومًا أنّه شُكّل للسلام.
يذكر أنَّ الأونروا تأسّست على اعتبارها وكالةً تابعةً للأمم المتحدة بقرارٍ من الجمعية العامة عام 1949، وتم تفويضها بتقديم المساعدة والحماية للاجئي فلسطين المسجّلين لديها في أقاليم عمليات الوكالة، وهي الضفة الغربيّة، التي تشمل القدس الشرقية، وغزة والأردن ولبنان وسوريا، وذلك إلى أن يتم التوصّل لحلٍّ عادلٍ ودائم لمحنتهم.
وتساعد الأونروا اللاجئين على تحقيق كامل إمكاناتهم في التنمية البشرية من خلال الخدمات النوعية التي تقدمها في مجالات التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والحماية والبنية التحتية للمخيمات وتحسينها والتمويل الصغير والمساعدات الطارئة، ويتم تمويل الأونروا بالكامل تقريبًا من خلال التبرّعات الطوعية.
رفضٌ فلسطينيٌّ وفصائليٌّ واسع
عبّرت الأوساط الفلسطينية عن رفضها المشدّد لهذا المخطّط، حيث عدّت الفصائل والقوى الفلسطينية أن هذا المخطط عرضٌ مشبوهٌ وخطيرٌ يهدف لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أكدت أن ما يُسمى "مجلس السلام" ليس جهةً مخوّلةً، ولا يملك أي صفة شرعية للحديث في الثوابت الوطنية الفلسطينية، ورأت أن إعلانَهُ طرحٌ مشبوه ومخطط سياسي خطير يهدف إلى تصفية قضية اللاجئين من جذورها، وهو قرارٌ يحمل في طياته تداعيات كارثية ستُقابل بكل أشكال الرفض والتصدي.
وشدّدت الجبهة على أن الأونروا شاهدٌ أممي على استمرار قضية اللاجئين، وحقهم التاريخي في العودة المكرّس بالقرار الأممي 194، وأن الدعوة لإنهاء عملها تهدف إلى تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها الوطني والقانوني، وتحويل قضية اللاجئين من "حق تاريخي ثابت" إلى "ملف إنساني عابر"، مؤكدةً أن الترويج لشعار "التنمية المستدامة" بديلًا عن الإغاثة، ليس سوى غطاءٍ لفرض واقعٍ سياسي يتجاوز جذور الصراع، وأنَّ الهدف المبيّت هو نقل ملف اللاجئين من إطاره الأممي المُلزم إلى ترتيباتٍ إداريّةٍ أو إقليميّةٍ خاضعةٍ لحساباتٍ سياسيّةٍ مشبوهةٍ تتماهى مع مخططات الاحتلال؛ بهدف شطب ملف اللاجئين من الأجندة الدولية وتحويل "أصحاب الحق" إلى "سكان يحتاجون خدمات".\
وقالت حركة حماس إن تصريحات مجلس السلام والإدارة الأمريكية تنسجم مع "سياسة الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى استهداف الوكالة وتقويض دورها".
وأشارت إلى أنَّ الأونروا تمثل "شاهدًا دوليًّا على نكبة الشعب الفلسطيني وتجسيدًا للمسؤولية الدولية تجاه اللاجئين، وتستند ولايتها إلى تفويضٍ صادرٍ من الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يجعل أي محاولة للمساس بها أو استبدالها استهدافًا للشرعية الدولية ومحاولةً لتصفية قضية اللاجئين وشطب أحد أبرز الشواهد الدولية على النكبة".
وزارة الخارجية الفلسطينية أعربت بدورها عن رفضها لأي تصريحاتٍ للانتقاص من دور الأونروا دون إنهاء جذور المعاناة التي يتعرض لها اللاجئون الفلسطينيون والشعب الفلسطيني، المتمثلة في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي طويل الأمد، وتحقيق الحقوق غير القابلة للتصرّف وعلى رأسها حقوق اللاجئين استنادًا للقرار 194.
وقالت الوزارة إنَّ الأونروا تأسّست بقرارٍ دولي وبولاية واضحة، وأن عملها مرحب به في دولة فلسطين باعتبارها شريان حياة وغير قابلة للاستبدال وعامل استقرار.
تبنٍّ لموقف نتنياهو
في هذا السياق، يقول المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، علي هويدي، إنّ مجلس السلام تبنّى موقف نتنياهو الذي عبّر عنه في بداية العدوان على قطاع غزة، وقال إنه لن يكون هناك أونروا بعد أن تتوقف الحرب، ولن يكون هناك أيضًا سلطة فلسطينية.
وعدَّ هويدي في حديث مع "بوابة الهدف"، أنّ مجلس السلام المزعوم، الذي يقوده ترامب، والموقف الذي صدر منه يتبنى الموقف الإسرائيلي برمته، بالإضافة إلى أنه امتدادٌ لرؤية ترامب بمحاربة الأونروا منذ العام 2018، ومنذ ذلك الوقت وضع يده بيد نتنياهو عملًا على تفكيك الأونروا، حيث قام بقطع 360 مليون دولار عن الوكالة، واستمرّ بولاياته الثانية بنفس الإجراءات.
ويرى هويدي أنَّ أفعال مجلس السلام لا توافق ما يزعمه وما قام عليه، فإذا أراد لسكان القطاع أن يعيشوا بسلامٍ فعليه أن يدعم هذه الوكالة لا أن يعمل على إزالتها واستبدالها، مؤكّدًا أنّ هذه الخطوة ستكون مقدمةً لشطب قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
وأضاف أن الاستفراد بإقليم، إقليم قطاع غزة، سيفتح الشهية أيضًا للكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية بتطبيق ذلك بطريقةٍ أو بأخرى على بقية الأقاليم.
ويحذّر المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، في حديثه مع الهدف من هذا التوجه الذي يؤكد على أنه يتعارض مع قرار إنشاء وكالة الأونروا رقم 302 عام 1949، الذي ينصّ على أن مرجعية الأونروا هي الأمم المتحدة، لا ميلادينوف ولا غيره.
ويشدد هويدي في ختام حديثه على أنّ مجلس السلام يحاول أن يغسل يد الاحتلال من جريمة النكبة، عبر استهداف وكالة الأونروا، وقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، كما يكرّس رؤيةً استراتيجيّةً تقودها الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي بشطب مسمى لاجئ، وهذا يثبت رؤيةً استراتيجيةً تعمل على شطب معادلة اللجوء، التي قامت عبر جريمة تطهيرٍ عرقي ارتكبت بحق شعبنا الفلسطيني.
استهداف تاريخي ممنهج
إن موقف الولايات المتحدة من الأونروا تغيّر بشكلٍ جذري في الفترة الأولى للرئيس دونالد ترامب؛ فقد علّق ترامب التمويل الأميركي للأونروا بالكامل عام 2018، مدعيًا أن الوكالة "فشلت في حل مشكلة اللاجئين"، وعدَّ أنها تُعقِّد "عملية السلام".
إضافةً إلى ذلك، قامت إدارة ترامب بخطواتٍ أخرى تجاه تقليص الحقوق الفلسطينية، مثل تقليص المساعدات الإنسانية، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، ما يعكس موقفًا مؤيّدًا للإجراءات الإسرائيلية.
ودأب الاحتلال على شنّ حملات اتهاماتٍ عدّة ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، آخرها ادعاء مشاركة قرابة 12 موظفًا في الوكالة بعملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فضلًا عن زعم "إسرائيل" أن أكثر من 190 موظفًا من موظفي الوكالة الأممية، ينتمون إلى الفصائل الفلسطينية.
وتستمر إسرائيل وداعمتها الأكبر الولايات المتحدة في الاستهداف المستمر والممنهج للأونروا كونها تأسست بناءً على قرارٍ أممي، تعيد تذكير دول العالم أجمع بالمأساة الفلسطينية، وبحجم الظلم المرتكب بحق شعب فلسطين، وبمسؤولية الاحتلال عنهما.
يضاف إلى ذلك التنصل من تطبيق القرار 19، حيث يسعى الاحتلال الصهيوني إلى التنصّل من تطبيق القرارات الدولية المعنيّة بحقوق شعب فلسطين الأصلي، وفي مقدمتها القرار 194، الذي ينص صراحةً على “وجوب السماح بالعودة في أقرب وقتٍ ممكنٍ للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم؛ إذ يسهم تقويض الوكالة في تلاعب الاحتلال بتعريف اللاجئ الفلسطيني، استنادًا إلى تعريف اللاجئ في ميثاق اللاجئين 1951، بدلًا من اعتماد تعريفها للاجئ الفلسطيني.
1.7 مليون غزي يعتمدون على الأونروا
في المقابل، يؤكد المفوض العام للأونروا بالإنابة، كريستيان سوندرز، أن عمل الوكالة في القطاع يُسهم في دعم الجهود الدولية في القطاع، مشيرًا إلى قدرات الأونروا في تنفيذ قرار مجلس الأمن 2803 و"جهود مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة" المنبثقة منها.
ويلفت سوندرز -في كلمة بمؤتمر المانحين- إلى أن ما يقرب من 1.7 مليون شخص في غزة يعتمدون على خدمات الوكالة، مضيفًا أن زهاء 11 ألف موظف يعملون في مجالات الرعاية المختلفة في القطاع.
وأوضح سوندرز أن ما يزيد على 1300 من العاملين في مجال الرعاية الصحية يقدّمون 80 ألف استشارة طبية أسبوعيًّا، أي قرابة 14 ألف استشارة يوميًّا، كما يستفيد أكثر من مليون غزي من آبار المياه وأنظمة تحلية المياه وخدمات إدارة النفايات، كما أشار إلى خدمات الوكالة الأخرى في مجال التعليم وغيرها من المجالات.
إنّ ما يسمى بمجلس السلام هو أداة جديدة لإعادة إنتاج المخططات الأمريكية والإسرائيلية ذاتها، الرامية لتصفية القضية الفلسطينية من بوابة ملف اللاجئين. وعليه فإنَّ المحاولات الراهنة لشطب الأونروا واستبدالها في قطاع غزة لا تستهدف المساعدات الإنسانيّة في ذاتها، بل تسعى جاهدةً لغسل يد الاحتلال من جرائمه بحق شعبنا وتجريد أصحاب الحق التاريخي من صفتهم السياسية والقانونية المكرّسة دوليًّا؛ وعليه: فإنّ النوايا التي كشف عنها المجلس تؤكّد بما لا يدع مجالًا للشك تماهيه الكامل مع رؤية اليمين الإسرائيلي لتصفية ركائز القضية، ولن ينجح أي مجلسٍ مزعومٍ في تحويل أصحاب الأرض والحق التاريخي في العودة إلى مجرّد سكانٍ يبحثون عن خدمات.

