أسئلة كثيرة أثارها انعقاد مؤتمر فتح الثامن منتصف الشهر الماضي؛ فالمؤتمر لم يقم بمراجعة نقدية عميقة للتجربة السابقة للحركة، كما أن المؤتمر كان شكلياً وليس جذرياً فقد اعتمد إعادة ترتيب موازين القوى المتنفذة داخل الحركة؛ من خلال هيمنة التنافس على عضوية اللجنة المركزية وعضوية المجلس الثوري للحركة، مما يعني المحافظة على المتنفذين التقليديين في القرارات الاستراتيجية للحركة؛ وإعادة ترتيب القيادة التقليدية المتنفذة وتجديد التشريعات التنظيمية. كما أن السؤال الأكثر شيوعاً بين أبناء الشعب الفلسطيني؛ لماذا المؤتمر لم يعلن تنصله من اتفاقيات أوسلو؛ كما أن المؤتمر في مداولاته ابتعد عن وصف "إسرائيل" بالعدو الوجودي؛ وابتعد عن المواجهة الشاملة مع هذا العدو؛ وأسقط الكفاح المسلح بوصفه الاستراتيجية المركزية للحركة...(!!؟).
وحسب وصف المراقبين؛ لم يكن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح حدثًا تنظيميًا عاديًا في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، بل جاء في لحظة تعد من أكثر اللحظات تعقيدًا وخطورة منذ تأسيس الحركة قبل أكثر من ستة عقود. فالمؤتمر انعقد بينما يواجه الشعب الفلسطيني تحديات وجودية غير مسبوقة، تتجاوز حدود الانقسام السياسي التقليدي إلى أسئلة تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية نفسها، وبطبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وبقدرة الحركة الوطنية على إعادة إنتاج مشروعها التاريخي في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
لقد اعتادت حركة فتح أن تكون أكثر من مجرد تنظيم سياسي؛ فهي، بحكم موقعها التاريخي، شكلت الإطار الجامع الذي قاد مرحلة طويلة من النضال الوطني الفلسطيني. ومن هنا فإن أي نقاش حول مستقبل الحركة لا يمكن فصله عن النقاش حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برمته.
إن أهمية المؤتمر لا تكمن فقط في انتخاب قيادة جديدة أو تجديد هيئات تنظيمية، بل في قدرته على الإجابة عن الأسئلة الكبرى التي فرضتها السنوات الأخيرة: أين تتجه الحركة؟ وما هو تصورها لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني؟ وكيف ستتعامل مع التحولات التي أفرزتها الحرب الأخيرة على غزة وعلى مخيمات الضفة، وما نتج عنها من تغيرات في الوعي السياسي الفلسطيني؟
ما بعد الشرعية التاريخية
لقد استندت حركة فتح لعقود طويلة إلى شرعية تاريخية اكتسبتها من دورها المركزي في قيادة النضال الوطني. غير أن الشرعية التاريخية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان استمرار الفاعلية السياسية. فالحركات الوطنية لا تُقاس فقط بما أنجزته في الماضي، بل بقدرتها على تقديم إجابات جديدة لتحديات الحاضر والمستقبل.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل استطاع المؤتمر الثامن أن ينتقل بالحركة من مرحلة استدعاء التاريخ إلى مرحلة صناعة المستقبل؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحفاظ على الإرث الفتحاوي، بل في تجديده وتطويره بما يجعله قادرًا على مخاطبة الأجيال الجديدة التي لم تعش تجربة الانطلاقة الأولى، لكنها تعيش يوميًا نتائج الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت خلال العقود الماضية.
الإصلاح التنظيمي أم المراجعة السياسية؟
من الطبيعي أن تهتم المؤتمرات الحزبية بالانتخابات الداخلية وبإعادة ترتيب المواقع القيادية، لكن أهمية اللحظة الفلسطينية الراهنة تتطلب ما هو أبعد من ذلك.
فالأزمة الفلسطينية ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة رؤية واستراتيجية. لذلك فإن نجاح المؤتمر لا يُقاس بعدد الوجوه الجديدة التي دخلت المؤسسات القيادية، بل بمدى قدرته على إطلاق مراجعة سياسية شاملة تتناول طبيعة المشروع الوطني وأدوات النضال وأشكال العمل السياسي المطلوبة في المرحلة القادمة.
إن أي تجديد تنظيمي لا يرافقه تجديد فكري وسياسي سيبقى محدود الأثر، لأن المشكلة الأساسية لا تكمن في البنية الإدارية وحدها، وإنما في الحاجة إلى إعادة تعريف الأولويات الوطنية في ضوء المتغيرات الكبرى التي يشهدها الإقليم والعالم.
الوحدة الوطنية بوصفها ضرورة استراتيجية
لقد أثبتت التجارب المتراكمة أن الانقسام الفلسطيني كان أحد أكثر العوامل التي أضعفت القدرة الوطنية على مواجهة التحديات الخارجية. ومن هنا فإن أي رؤية مستقبلية لا تضع إنهاء الانقسام وإعادة بناء الوحدة الوطنية في مقدمة أولوياتها ستبقى قاصرة عن تحقيق أهدافها.
إن المؤتمر الثامن مطالب بأن يرسل رسالة واضحة مفادها أن فتح، بحكم مكانتها التاريخية، لا تسعى إلى تعزيز موقعها التنظيمي فقط، بل إلى المساهمة في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة الوطنية والتمثيل الحقيقي لمختلف القوى والتيارات.
جيل جديد وأسئلة جديدة
ثمة تحولات عميقة حدثت داخل المجتمع الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة. فقد برزت أجيال جديدة تحمل رؤى وتطلعات مختلفة، وتنظر إلى السياسة بعين تختلف عن الأجيال السابقة.
وهذه الأجيال لا تبحث فقط عن الشعارات الكبرى، بل عن مؤسسات فاعلة، وقيادات صادقة وقادرة على الإنجاز، ورؤية واضحة للمستقبل.
ومن هنا فإن أحد أهم معايير نجاح المؤتمر يتمثل في قدرته على فتح المجال أمام مشاركة أوسع للشباب والكفاءات الفكرية والمهنية، بما يضمن تجدد النخبة السياسية وعدم تحول المؤسسات إلى أطر مغلقة تعيد إنتاج نفسها بصورة دائمة.
نحو أفق وطني جديد
إن المؤتمر الثامن لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه محطة تنظيمية داخلية فحسب، بل بوصفه فرصة تاريخية لإعادة طرح السؤال الوطني الفلسطيني بصيغة جديدة.
فالتحديات الراهنة تفرض على الجميع الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الاستراتيجيات، ومن منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، ومن التمسك بالأطر التقليدية إلى البحث عن صيغ أكثر قدرة على التعبير عن تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية.
ويبقى السؤال مفتوحًا بعد انتهاء أعمال المؤتمر: هل سيكون هذا المؤتمر بداية مرحلة جديدة في تاريخ حركة فتح، أم مجرد محطة أخرى في مسار طويل من إدارة الواقع القائم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تقدمها البيانات الختامية ولا نتائج الانتخابات الداخلية، بل ستقدمها السنوات القادمة من خلال قدرة الحركة على تحويل شعارات التجديد والإصلاح إلى سياسات وممارسات ملموسة تنعكس على الواقع الفلسطيني ومستقبل قضيته الوطنية.

