في جنوب لبنان، حيث تتداخل الجغرافيا مع الذاكرة الوطنية الفلسطينية، تقف مخيمات الرشيدية والبص وبرج الشمالي شاهدة على واحدة من أطول قضايا اللجوء في العصر الحديث. فمنذ أكثر من سبعة عقود، يعيش آلاف اللاجئين الفلسطينيين في هذه المخيمات، حاملين معهم ذاكرة النكبة وأمل العودة، ومتوارثين معاناة اللجوء وما يرافقها من حرمان اقتصادي واجتماعي وسياسي.
على الرغم من العقود الطويلة التي مرت على وجود هذه المخيمات، فإن سكانها لم ينعموا بالاستقرار الحقيقي، إذ تعاقبت عليهم الأزمات والحروب والانهيارات الاقتصادية، لتتحول المخيمات إلى بيئة هشة تعاني من الاكتظاظ السكاني وضعف البنية التحتية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
مع اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقها من تصعيد عسكري على الجبهة الجنوبية اللبنانية، دخلت مخيمات الجنوب مرحلة جديدة من المعاناة، حيث بات اللاجئ الفلسطيني يعيش بين هاجس الأمن والخوف من القصف، وبين الحاجة اليومية إلى تأمين لقمة العيش في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية خانقة، وعن وضع المخيمات في جنوب لبنان، كان لنا لقاء مع إيهاب أحمد حمود، سكرتير منظمة الشبيبة الفلسطينية في لبنان، أخبرنا خلاله عن وضع المخيمات.
أولاً: واقع اقتصادي منهك يزداد انهيارًا
قبل الحرب الأخيرة، كانت مخيمات الجنوب تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية صعبة نتيجة الأزمة اللبنانية المستمرة منذ عام 2019، التي انعكست بشكل مباشر على حياة اللاجئين الفلسطينيين، الذين يعتمد معظمهم على الأعمال اليومية والمهن الحرة والوظائف البسيطة، ومع اتساع رقعة المواجهات العسكرية، تعطلت مصادر رزق آلاف العمال، وتوقفت أعمال الورش الصغيرة، وأغلقت العديد من المحال التجارية، كما تضرر القطاع الزراعي الذي كان يشكل مصدر دخل أساسي لمئات العائلات الفلسطينية، التي تعمل في البساتين والمزارع المحيطة بمدينة صور والقرى الجنوبية، ولم تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى خسائر بشرية مؤلمة، حيث استشهد عدد من أبناء المخيمات أثناء توجههم إلى أعمالهم في المناطق الزراعية التي تعرضت للاستهداف، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي اضطر كثيرون إلى تحملها سعياً وراء تأمين احتياجات أسرهم.
وأمام غياب فرص العمل، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة المساعدات الإنسانية، أصبحت آلاف العائلات الفلسطينية تعيش تحت خط الفقر، في ما تعاني شرائح واسعة من انعدام الأمن الغذائي وعدم القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء واحتياجات معيشية يومية.
ثانيًا: النزوح الداخلي والتكافل الاجتماعي
أدت المواجهات العسكرية المتواصلة إلى حركة نزوح جزئية من المخيمات، حيث اضطرت بعض العائلات إلى مغادرة مناطقها بحثاً عن أماكن أكثر أماناً، بينما بقيت الغالبية داخل المخيمات بسبب عدم امتلاكها الإمكانيات المادية أو البدائل السكنية، ورغم محدودية الإمكانات، أظهرت مخيمات الجنوب نموذجًا لافتًا في التضامن المجتمعي، إذ فتحت أبوابها أمام أكثر من ألف عائلة نازحة من القرى والبلدات الجنوبية، من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، حيث تكفلت العديد من العائلات باستضافة النازحين، وتقاسم ما تملكه من موارد محدودة معهم، وقد جسد هذا المشهد روح التضامن الإنساني التي لطالما تميز بها المجتمع الفلسطيني، والذي عرف معنى النزوح والاقتلاع، فكان حاضرًا إلى جانب المتضررين رغم معاناته الخاصة.
ثالثًا: تراجع الخدمات الصحية والإنسانية
شكّل تراجع الخدمات الصحية تحديًا إضافيًا أمام سكان المخيمات، خاصة مع إغلاق عدد من مراكز وكالة الأونروا الصحية والخدماتية خلال فترات التصعيد العسكري، وأدى هذا الواقع إلى حرمان المرضى، خاصة كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، من الحصول على الرعاية الطبية المنتظمة، في ما اضطرت العائلات إلى تحمل تكاليف العلاج والأدوية على نفقتها الخاصة، في ظل أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة.
كما عانت النساء الحوامل والأطفال وذوو الاحتياجات الخاصة من صعوبات كبيرة في الوصول إلى الخدمات الصحية، الأمر الذي زاد من المخاطر الصحية والاجتماعية داخل المخيمات.
رابعاً: التعليم بين التوقف والاضطراب
لم تكن العملية التعليمية بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ شهدت المدارس التابعة لوكالة الأونروا اضطرابات متكررة، وتعطلت الدراسة خلال فترات التصعيد، ما انعكس سلبًا على المستوى التعليمي للطلاب.
كما واجه الكثير من التلاميذ صعوبات في متابعة تعليمهم بسبب الأوضاع النفسية والمعيشية الصعبة، فضلًا عن عدم قدرة بعض العائلات على توفير مستلزمات التعليم الأساسية، ويخشى الأهالي من أن تؤدي هذه الظروف إلى ارتفاع نسب التسرب المدرسي، خاصة في ظل تفشي البطالة والفقر، ما يهدد جيلًا كاملًا بمزيد من التهميش والحرمان.
خامسًا: آثار نفسية واجتماعية عميقة
ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على الصحة النفسية لسكان المخيمات، لا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يعيشون حالة دائمة من الخوف والقلق وعدم اليقين، فأصوات القصف المتكرر، والخشية من فقدان الأحبة، وانعدام الشعور بالأمان، كلها عوامل ساهمت في زيادة حالات التوتر والاضطرابات النفسية، وسط غياب برامج الدعم النفسي والاجتماعي الكافية.
كما تسببت الظروف الاقتصادية الصعبة في تفاقم العديد من المشكلات الاجتماعية، من بينها ارتفاع معدلات الفقر، وزيادة الضغوط الأسرية، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
سادسًا: ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية
تعاني مخيمات الجنوب منذ سنوات من مشاكل مزمنة في البنية التحتية، تشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إضافة إلى الاكتظاظ السكاني وضيق المساحات السكنية، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والحرب، ازدادت هذه المشكلات تعقيدًا، حيث باتت العائلات تواجه صعوبات يومية في الحصول على الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على مستوى الصحة العامة والبيئة المعيشية.
مسؤولية إنسانية ووطنية عاجلة
تقف مخيمات الجنوب الفلسطينيّة في لبنان اليوم أمام تحديات غير مسبوقة، تجمع بين تداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية، في ظل شعور متزايد لدى اللاجئين بأنهم يواجهون مصيرهم بإمكانات محدودة ودعم غير كافٍ.
إن حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في الجنوب يستدعي تحركًا عاجلًا من وكالة الأونروا، والمؤسسات الدولية والإنسانية، والفصائل الفلسطينية، والدولة اللبنانية، من أجل وضع خطة استجابة شاملة تضمن استمرار الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير المساعدات المالية والإغاثية، وتعزيز مقومات الصمود والحماية الاجتماعية، فإنقاذ الإنسان الفلسطيني في المخيمات، وصون كرامته وحقه في الحياة الكريمة، لم يعد مسألة خدمات أو مساعدات فحسب، بل أصبح مسؤولية إنسانية وأخلاقية ووطنية تستوجب التحرك قبل أن تتحول هذه الأزمة المتفاقمة إلى كارثة إنسانية أوسع.

