في اليوم العالمي للموسيقا الذي يصادف يوم 21 من شهر حزيران من كل عام كان لا بد لنا أن نقدم تحية إجلال إلى روح الفنان الفلسطيني مهدي سردانة الذي حمل على كتفيه هموم وطنه وجعل من نغماته سلاحاً يقاوم به الاحتلال وهو الذي لُقب بعدة ألقاب: "ملحن أناشيد الثورة الفلسطينية"، و"الموسيقار المجهول"، و"قيثارة الثورة الفلسطينية" وقد أثبت بما قدّمه أن مقولة "الفن المقاوم" لم تكن مجرد شعار في مسيرة القضية الفلسطينية، حيث شكلت أغاني الثورة والمقاومة الفلسطينية التي لحنها جزءاً لا يتجزأ من الهوية والواقع الفلسطيني منذ سنة النكبة حتى باتت تؤرخ لكل المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية من خلال تعبيرها عن الواقع الفلسطيني وحلم العودة والنضال والثورة فكانت ولا تزال الحناجر ترددها في كل المناسبات ليصبح بفضلها أيقونة في مجال تلحين أغاني المقاومة الفلسطينية التي تركت آثارها في وجدان المناضلين والجماهير التي حفظتها عن ظهر قلب.
أقاتل بالجملة الموسيقية
آمن مهدي سردانة بأن للموسيقا دوراً محورياً في المعركة التي يخوضها الفلسطينيون ضد المحتل وبأنها قادرة على التعبير عن قضيتهم والتأثير في النفوس وكان يردد دائماً: "إذا كان الفدائي يقاتل بالرصاصة فأنا أقاتل بالجملة الموسيقية" وقد انتصر في معركته هذه ووصلت رسالته إلى الجماهير العربية والفلسطينية التي اعتادت سماع ألحانه عبر الإذاعات الفلسطينية المنطلقة من القاهرة ودمشق وبغداد وتجاوز تأثيره العالم العربي حين غنت ألحانه فرق من دول أجنبية صديقة للثورة الفلسطينية ليتفق الجميع على أن سردانة قامة فنية وطنية استثنائية قدمت الكثير لقضية شعبها من خلال حضوره البارز في كل مراحل الثورة وميادينها، حيث وثقها فنياً، وشحذ من خلالها همة الشباب المقاوم، تاركاً إرثاً فنياً يجسد التاريخ الفلسطيني بكبريائه ونضاله.
معركة التلحين
بدأ سردانة معركته مع التلحين منذ نكبة فلسطين وأخلص لقضيته، فغنى ولحن للاجئ والمعتقل والثائر والمقاوم ومن بين أغانيه الخالدة: "طالعلك يا عدوي طالع"، و"ثوري ثوري يا جماهير الأرض المحتلة"، و"أنا يا أخي"، و"عالرباعية"، و"يا شعبنا في لبنان"، و"شدو زناد المارتين"، و"جر المدافع، يا شعبي كبرت ثورتي"، و"احمي الثورة بدمك"، و"لغة البارود"، و"عهد الله ما نرحل"، و"من قلب الخيمة" حيث كان في كل حرب أو معركة أو انتفاضة يصدر أغنية جديدة تؤرخ للنضال الفلسطيني ملحناً ومغنياً فلحن وغنى بصوته مثلاً أغنية للانتفاضة الأولى عام 1987 مطلعها "صعد صعد يا شعبي ثورة الحجار" من كلمات صلاح الدين الحسيني، وبعد مجزرة الأقصى عام 1990 لحن وأنشد "آه يا أمه محمد... مسجد الأقصى مهدد"، والتي بثها تلفزيون فلسطين لسنوات مع أغنية "صور يا مصوراتي... صورة لأهلي وأخواتي". كما لحن "غزة يا غزة" التي أصبحت نشيداً مدرسياً في محافظات غزة. وتعد أغنية "بلدي الحلوة غزة" من أشهر أغانيه التراثية والوطنية، وفيها يقول:
"أرض المجد وأرض العزة بلدي الغالية الحلوة غزة
غزة فجري وشروقي منها بستلهم شوقي
لتراب القدس الغالي وهو نبضي وعروقي
غزة يا شجرة زيتون غزة يا زهرة حنون
شطك بحرك ورمالك أرض أحلى بلاد الكون
فيها الرجالة وفيها الثوار
أهل العزة وأهل الأحرار
بكرة بتزهى ليالينا وبتشرق في غزة الأنوار"
بهذه الأغاني وغيرها نجح سردانة في أن يكون مؤثراً كبيراً في الأجيال الفلسطينية المتعاقبة وحشد الشعب الفلسطيني والمناصرين لقضيته وتعبئة الجماهير وتقوية إيمانهم وولائهم الوطني وها هو يقول في أغنية طل سلاحي:
طل سلاحي
أبداً أبداً ما تعبناش
طال المشوار وما تعبناش
وحملنا الجرح وما تعبناش
عدينا الشوك وما تعبناش
وتحملنا وما توجعناش
مين قال النصر دروبه حرير
للي بدو يشوف التحرير
لكن عادي وبنضحي كتير
عُمْر النصر ما كان ببلاش
يا ثورتنا طل سلاحي
ولا يمكن قوة في الدنيا
تنزع من إيدي سلاحي
دربي مر ودربك مر
ادعس فوق ضلوعي ومر
قديش هذا الشعب الثائر ضحى
وقدم تَيعيش حر
طل سلاحي.. طل سلاحي
من النكبة إلى القاهرة
ولد مهدي سردانة عام 1940 في قرية الفلوجة الواقعة بين مدينتي غزة والخليل، وكان والده محمد سردانة شيخاً للطريقة الصوفية فنشأ مهدي على حضور جلساته والاستماع إلى الألحان والأناشيد الدينية، وهو ما شكل موهبته في التلحين كما صرح لاحقاً. وفي الثامنة من عمره شهد النكبة 1948 وهُجر على أثرها إلى مخيمات اللجوء في الأردن التي لم يبق طويلاً فيها حيث عاد مع أخيه إلى غزة وفيها بدأ يتردد على حفلات البيادر والأعراس والتقى بالفنان أبي علي الطناني الذي علمه الموال البغدادي والتعمق في أصول الموسيقا، وبعد التحاقه فترة بصفوف المناضلين في غزة توجه عام 1958 إلى مصر ليدرس في المعهد الموسيقي، ثم عمل في إذاعة "صوت العرب" بالقاهرة إلى جانب فنانين كبار مثل: فؤاد ياسين وأبو عرب وكامل عليوة وفيها بدأ مسيرته الفنية، فأدى ألحاناً لكبار الملحنين المصريين كبليغ حمدي ورياض السنباطي وكان الفلسطيني الوحيد آنذاك الذي صعد مسارح دار الأوبرا المصرية في عمر 17 عاماً من خلال مشاركته في المسرحية الغنائية "مهر العروسة" تأليف عبد الرحمن الخميسي، ألحان بليغ حمدي ونال إعجاب كبار الموسيقيين في مصر، فبعد أن غنى لحناً لمحمد القصبجي بحضوره صعد القصبجي إلى المسرح وقال: "ما دام في واحد زي مهدي سردانة فالموسيقا العربية بخير". وعندما أسس فؤاد ياسين إذاعة "صوت العاصفة" الناطقة باسم الثورة من القاهرة انضم إليها سردانة وشكل مع الشاعرين صلاح الحسيني ومحمد حسيب القاضي فريقاً لإنتاج الأناشيد الثورية وبثها عبر هذه الإذاعة التي أصبح أسمها "صوت فلسطين" .
ناقد أشاد به محمد عبد الوهاب
بسبب إيمان سردانة بخصوصية الغناء الثوري ومتطلباته انتقد لحن قصيدة "أخي جاوز الظالمون المدى" لمحمد عبد الوهاب، معتبراً إياه من أضعف ألحانه، وعندما وصل الخبر إلى عبد الوهاب اتصل بسردانة ليستمع إلى وجهة نظره التي أيده فيها قائلاً: "أنت أصدق فنان عرفته في حياتي ونقدك موضوعي وما قلته صحيح لكني لحنت القصيدة في زمن ما كانش فيه ثورة" وحين سأله عبد الوهاب: "لو أنت مكاني كنت ح تلحن الأغنية إزاي؟" شرح سردانة طريقته، فأبدى عبد الوهاب إعجابه الشديد وقال: "يااااه.. دا أنت 15 عبد الوهاب على بعض".
مارس الغناء وكتب بعض النصوص
لم يقتصر نشاط سردانة على التلحين، بل مارس الغناء وكتب بعض النصوص بنفسه، كما لحن مسرحيتين شعريتين للأطفال من تأليف صلاح الحسيني هما "طاق طاق طاقية" و"حارسة النبع"، وقدم مسرحية "مغناة الانتفاضة" (1988)، ومسرحية "الحجر في مطرحه قنطا" (1990). وشارك كملحن في الفيلم المصري "غريب في الميناء" (1995) و غنى من ألحانه مطربون عرب أبرزهم نجاح سلام التي أدت له عدة ألحان مثل "يا سيدي ما أشطرك"، و"يا قدسنا"، و"الله على مصر الله" التي عبر فيها عن حبه لمصر التي عاملته ككبار ملحنيها مثل بليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي.
فلسطين كلمة السر
رحل مهدي سردانة في مصر عام 2016 دون أن يحقق أمنيتين: أن يلحن أغنية لنصر فلسطين وزوال الاحتلال، وأن يزور قبر والده في قريته الفالوجة، وهو ما صرح به قبل وفاته بفترة قصيرة في برنامج تلفزيوني دعا فيه أيضاً إلى الوحدة الفلسطينية، وأن فلسطين ستبقى كلمة السر الحقيقية التي غنى لها يوماً من ألحانه: "يا كلمة ع شفافنا .. بنقولها بموالنا .. سلاحنا ع اكتافنا .. غير بلادنا مالنا".. وتقديراً لدوره الوطني في الإبداع الفني والثقافي منذ النكبة، قلده الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2011 وسام الاستحقاق والتميز.

