Menu

تقريرجيش العاطلين عن العمل في غزة يواجه بطالةً قسريّةً وانهيارًا اقتصاديًّا شاملًا

أحمد زقوت

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

مع إشراقة كلّ صباح، يغادرُ عشراتُ آلاف الشبان في قطاع غزة خيامَ النزوح أو المنازلَ المدمّرة بحثًا عن فرصة عمل، ولو ليومٍ واحد، لكنّهم يعودون مع غروب الشمس دون مصدرِ دخل، في مشهدٍ بات يلخّص واقع البطالة غير المسبوقة التي يعيشها القطاعُ بعد عدوان الاحتلال "الإسرائيلي".

أصبح العثور على وظيفةٍ في غزة أشبهَ بالمستحيل، بعدما دمّرت الحربُ معظمَ المنشآت الاقتصاديّة والمصانع والورش التجاريّة، وأغلقت آلافُ المؤسّسات أبوابَها، فيما توقّفت مشاريعُ البناء والزراعة والصناعة والخدمات، وهي القطاعات التي كانت تستوعب النسبة الأكبر من العمال.

وتشير بياناتٌ حديثةٌ إلى أنَّ البطالة في قطاع غزة تجاوزت 85% مؤخّرًا، فيما تتحدّث تقديراتٌ محليّةٌ عن وصولها إلى مستوياتٍ أعلى مع استمرار العدوان وتوقّف النشاط الاقتصادي، في ظل فقدان مئات الآلاف من الفلسطينيين مصادرَ دخلِهم.

محاولاتٌ محدودة وفرصٌ معدومة

يحاول بعض العمّال وأصحاب المحال التجاريّة المدمّرة استئنافَ أعمالهم رغم الظروف المعيشيّة القاسية، في وقتٍ يعاني فيه معظمُ سكان القطاع، ولا سيّما أصحاب المهن والحِرَف الذين يعانون من البطالة؛ بسبب تدمير المصانع وانعدام المواد الخام اللازمة لمزاولة أعمالهم؛ الأمرُ الذي أدّى إلى تفشي الفقر وارتفاع نسبته إلى نحو 90%.

الشاب سالم المشهراوي (30 عامًا)، الذي كان يعمل في قطاع الإنشاءات قبل حرب الإبادة، فَقَدَ مصدرَ رزقِهِ بالكامل بعد توقّف مشاريع البناء وتدمير معظم مواقع العمل، ليجدَ نفسَه واحدًا من آلاف العمال العاطلين عن العمل في القطاع.

يقول المشهراوي في حديثه إلى "بوابة الهدف"، إنّه يخرج مع ساعات الصباح الأولى إلى الأسواق أو أماكن تجمّع العمال، على أمل أن يطلبه أحدٌ للعمل مقابلَ أجرٍ يومي يساعده على إعالة أسرته، إلا أنَّ غالبَ الأيّام تنتهي دون أن يحصل على أيّ فرصة.

ويتابع بحسرة: "أحيانًا أمضي ساعاتٍ طويلةً واقفًا أنتظر، لكنّني أعود إلى المنزل خالي الوفاض"، مبيّنًا أنّ لديه أطفال، لكنّه عاجزٌ عن توفير الطعام أو الاحتياجات الأساسيّة لهم، في ظل انعدام فرص العمل وتدهور الأوضاع الاقتصاديّة.

ويؤكّد المشهراوي أنّه أصبح من بين آلاف العاطلين عن العمل في غزة، وأنّ استمرار البطالة وغياب الدخل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع الأساسيّة، فاقَمَا معاناةَ أسرته وجعَلَا تأمينَ احتياجاتها اليوميّة مهمّةً بالغةَ الصعوبة.

معاناةٌ يوميّةٌ مستمرّة

بدوره، يروي الأربعيني أنس أبو زاهر مأساته بعد أن دُمّر السوبر ماركت الذي كان يملكه، الذي شكّل منذُ سنواتٍ مصدرَ رزقِ أسرتِهِ الوحيد. ويقول إنّه وجد نفسَهُ فجأةً بلا عملٍ أو دخل، في ظلّ واقعٍ اقتصاديّ خانقٍ ودمارٍ واسعٍ طال مختلف مناحي الحياة في القطاع.

ويضيف أبو زاهر لـ "الهدف" أنّه حاول التمسّك بما تبقّى له من أدوات الحياة، فبدأ العمل عبر بسطةٍ صغيرةٍ على قارعة الطريق، يعرضُ من خلالها بعضَ السلع البسيطة على أمل تأمين احتياجات أسرته اليوميّة، مؤكّدًا أنّ هذا العملَ المتواضعَ محاولتُهُ الوحيدةُ للعودة إلى الحياة من جديد، بعد أن فقد مشروعَه التجاريّ الذي بناه على مدار سنوات.

ويشيرُ إلى أنّ تأمينَ لقمة العيش أصبح مهمّةً شاقة، في وقتٍ تتزايدُ فيه الاحتياجات وتتقلّص فيه فرص العمل، ما يضع آلاف العائلات في دائرة معاناةٍ يوميّةٍ متواصلة.

الاعتماد على المساعدات

أما صاحب مهنة السباكة أيمن السويركي فيقول، إنّه متعطّلٌ عن العمل منذ نحو عامين ونصف، عقب تدمير غزة ومنع إدخال المواد الخام اللازمة للبناء، مشيرًا إلى أنّ توقّف مشاريع الإعمار يعني عمليًّا توقّف مهنته بالكامل.

ويضيف أنّه بلا أي مصدر دخلٍ منذ بداية العدوان؛ ما أدى إلى عجزه عن توفير احتياجات أسرته الأساسيّة، ليضطرّ إلى الاعتماد على مساعداتٍ إغاثيّةٍ تُقدَّم بشكلٍ متقطّع.

ويعبّر عن أمله في أن تنتهي الحرب قريبًا، وتبدأ عملية إعادة إعمارٍ شاملةٍ تمكّنه من العودة إلى عمله، واستعادة مصدر رزقه الوحيد، وتأمين حياةٍ كريمةٍ لأسرته.

خريجون بلا فرص عمل

ولا تختلف أوضاع الخريجين الجامعيين كثيرًا؛ إذ تحوّلت شهاداتهم إلى أوراقٍ معلّقةٍ على جدران الخيام، بعد أن اختفت المؤسّسات وفرص العمل، وانشغل السكان بتأمين الغذاء والماء أكثر من البحث عن الوظائف.

يقول الخريج الجامعي محمود عابد (27 عامًا) إنّّه أنهى دراسته قبل سنوات وهو يظنّ أنَّ مستقبله المهني سيكون قريبًا، لكن الحرب غيّرت كلّ شيء.

ويضيف عابد إلى "الهدف": "كنا نحلم بوظيفةٍ ونبدأ حياتنا، أما اليوم فأقضي وقتي في البحث عن أي فرصة عملٍ مؤقّتة فقط، لأتمكّن من مساعدة أسرتي في ظلّ هذه الظروف القاسية".

ويبيّن أنّه قدّم طلباتِ عملٍ في جهاتٍ عدّةٍ لكنْ دون جدوى، في ظلّ توقّفٍ شبه كاملٍ لمؤسّسات التشغيل، مؤكّدًا أنّ الوضع الحالي جعل آلاف الخريجين خارج سوق العمل بلا أي أفقٍ واضح؛ سوى الانتظار ومحاولات النجاة اليوميّة.

أما الخريج محمد شبير (27 عامًا)، الذي أنهى دراسة الهندسة المدنيّة قبل سنوات، فيقول لـ "الهدف" إنّ حلمه كان دخول سوق العمل والمساهمة في تنفيذ المشاريع، لكنه وجد نفسه ضمن آلاف الخريجين العاطلين عن العمل.

ويوضح شبير أنّ الحرب وما خلّفته من دمارٍ واسعٍ للمؤسّسات والشركات الهندسيّة أغلقت ما تبقى من فرص العمل، مشيرًا إلى أنّه يبحث عن أي فرصة، حتى خارج تخصّصه، لكن دون جدوى.

ويؤكّد أنّ البطالة أثّرتْ في مختلف جوانب حياته، وحرمته من التخطيط لمستقبله، داعيًا الجهات المعنية والمؤسسات الدولية إلى إطلاق برامج تشغيل عاجلة للخريجين، وخلق فرص عملٍ حقيقيّة تخفّف من الأزمة في غزة.

فقرٌ وبطالة تتجاوز 90%

في ظل الانهيار الواسع الذي يشهده سوق العمل في غزة نتيجة استمرار الإبادة، تتفاقم معاناة مئات آلاف العمال الذين فقدوا مصادر رزقهم، وسط تحذيراتٍ من تدهورٍ غير مسبوقٍ في الأوضاع المعيشيّة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستوياتٍ قياسيّة.

في حديثه مع "بوابة الهدف"، يؤكّد رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، سامي العمصي، أنّ عمال القطاع يواجهون أوضاعًا إنسانيّةً واقتصاديّةً كارثيّةً في ظل استمرار الحرب، التي أدّت إلى انهيارٍ شبهِ كاملٍ في مختلف القطاعات الإنتاجيّة والخدميّة، وارتفاعٍ غير مسبوقٍ في معدلات البطالة والفقر.

ويوضح العمصي، أنّ نسبة البطالة بين العمال تجاوزت 90%، فيما وصلتْ معدلاتُ الفقر إلى أكثر من 90% أيضًا، في ظلّ توقّفٍ شبهِ كاملٍ لعجلة الاقتصاد، مشيرًا إلى أنّ نحو 400 ألف عاملٍ في غزة أصبحوا بلا عملٍ ولا مصدر دخل؛ نتيجة توقّف المؤسّسات والمشاريع الإنتاجيّة، وتعطّل قطاعات البناء والصناعة والخدمات بشكلٍ واسع.

ويبيّن أنّ قرابة 20 ألف عاملٍ من غزة كانوا يعملون بالداخل المحتلّ عام 1948 قبل اندلاع العدوان الأخير، لكنّهم تعرّضوا، وَفْقَ قوله، لانتهاكاتٍ وقيودٍ مشدّدةٍ عقبَ بَدْءِ الحرب، ما فاقم من أوضاعهم المعيشيّة.

خسائرُ فادحةٌ وحقوقٌ عماليّةٌ متراكمة

ويلفت العمصي إلى أنّ حقوق العمال المتراكمة لدى جهات تشغيلٍ في الداخل المحتل تُقدّر بنحو 20 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين عامي 1970 و2018، وهي أموال ما تزال، بحسبه، غير مصروفةٍ حتى اليوم، معتبرًا أنّ استعادتها تتطلّب ترتيباتٍ قانونيّةً ومؤسسيّة، من بينها إنشاءُ صندوق ضمانٍ اجتماعي لإدارتها وإعادتها لأصحابها.

وفيما يتعلّق بسوق العمل داخل غزة، يوضّح رئيس اتحاد نقابات العمال أنّ فرص التشغيل باتت محدودةً للغاية، في وقتٍ يضطرُّ فيه كثيرٌ من العمال إلى قبول ظروفِ عملٍ قاسية، تشمل ساعات عمل طويلة تتراوح بين 10 و16 ساعة يوميًّا مقابل أجورٍ متدنيّة، في ظل استغلالٍ واضحٍ لحاجة العمال، وغيابِ أيّ حمايةٍ قانونيّةٍ فاعلةٍ في هذه الظروف الاستثنائيّة.

وفي السياق، يؤكد العمصي أنّ الاحتلال دمّر مقرّات نقابات العمال في قطاع غزة خلال حرب الإبادة، ما عمّق غياب الجهات المدافعة عن حقوق العمال في ظل تدهور الأوضاع.

ويشير إلى أنّ حقوق العمال مكفولةٌ قانونيًّا، لكن المشكلة تكمن في ضعف تطبيقها على أرض الواقع، في ظلّ محدوديّة الإمكانات؛ إذ كانت وزارة العمل تتابع عشرات آلاف المنشآت بعددٍ محدودٍ جدًّا من الموظفين.

ويبيّن أنّ الحصار المفروض على غزة منذ عام 2008، يتطلّب تدخّلًا دوليًّا جادًّا، معربًا عن أمله في إدارةٍ تكنوقراطيّةٍ للقطاع تسهم في تحسين الأوضاع، خصوصًا مع بَدْءِ أي عمليّة لإعادة الإعمار.

انهيارٌ اقتصادي وركودٌ شامل

من جهته، يقول المحلّل الاقتصادي أحمد أبو قمر، إنّ البطالة في غزة تحوّلت إلى أزمةٍ شاملةٍ تعكس انهيارًا واسعًا في مختلف القطاعات، نتيجة توقّف الإنتاج وتدمير البنية الاقتصادية والقيود على المواد الخام، ما يجعل أي تعافٍ اقتصادي مرهونًا بوقف الحرب وبدء إعادة إعمارٍ منظمة.

ويضيف أبو قمر لـ "الهدف" أنّ استمرار هذا الواقع يفاقم الفقر ويزيد الاعتماد على المساعدات، مع تراجع القدرة الشرائيّة وركود الأسواق وانكماش النشاط الاقتصادي.

ويؤكّد أنّ اقتصاد غزّة يشهدُ انهيارًا حادًّا وتراجعًا كبيرًا في المؤشّرات التنمويّة، مشدّدًا على ضرورة فتح المعابر وإطلاق خططٍ قصيرةٍ وطويلةِ الأمد لإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد.