هناك في أقصى خاصرة الوجع، وبالضبط في بناء قوضه قصف الطائرات، ليطبق الردم على رئة الأرض كلها، ثمة صوت يخرج إلى الفضاء عالياً (اتركوني هنا بناتي تحت الركام، اسمعوا أنفاسهن، وهناك من يتمسك بي ولن أتركهن وحدهن)، وتمتد يد من تحت الردم لتومئ للمسعفين أن ابتعدوا ولا تقتربوا.
ستبدو هذه الواقعة حدثاً مكتمل الأركان من حيث مفارقته: شخص ما لكنه أب لا يريد الخروج من تحت الردم، وستذهب المفارقة إلى ذروتها حينما يمد -هذا الأب- يده خلف ظهره ممسكاً بيد ابنتيه، لعله يجد الفرصة لإنقاذهما.
يدان فحسب ويغيب الصوت، وكأن العتمة ابتلعته ليذهب إلى أزمنة سحيقة... مهلاً ليس ما حدث وسيحدث هو مشهد سينمائي يرفع درجة الإثارة والتشويق، إنه المشهد الغزاوي المكتمل مبنى ومعنى، حينما يعيد أبناء غزة تعريف الحياة، كما الوطن والأحلام المسروقة لزمن الإبادة -زمن المقتلة بلا حدود، ذلك أن القبض ما تبقى من الحياة شأن أولئك الذين صار الوطن بالنسبة إليهم هو آخر قطعة أرض يقفون عليها بأحلامهم الشريدة، بل بالعدل الشريد وربما أُتيح لهذا الرجل/ الأب، أن يقرع جدران الخزان بطريقته المختلفة، ويبقى جسده منغرساً في الردم أملاً بألا تسقط يدا ابنتيه من يده الأخرى، وهو يستمر في الكلام لا تسعفوني رجاءً، علَّ الصوت يذهب إلى القاع، بحثاً عن بقية أجسادهن، حينما يختلط الموت بالحياة، والصوت بالصمت، ويُحمل الوطن كله على راحة يد متوسلة مرتعشة، لكنه بقية صوت من ظلوا مدفونين تحت الردم ولم يعثر عليهم أحد، لا سيما حينما تختلط الأزمنة بالأمكنة، ويصبح تعبير الهوية: نحن هنا.. حقاً لا تألفوا المشهد ولا تعتادوه، فكم من نرجسة شقت الركام طالعة كنشيد عالٍ للعالقين بين الأرض والسماء، ووحدهم يحملون الجسارة في القدرة على الحياة وفي مخاتلة الموت، ووحدهم من يحدثون الأبجدية بأن الزمن الفلسطيني هو زمن أبناء الحياة.

