Menu

تقريرالتحويلات الطبية في غزة.. عندما يقف الفساد بين الحياة والموت

مهند فوزي أبو شمالة

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

منذ السابع من أكتوبر 2023، وبدء العدوان الصهيوني على قطاع غزة، عمدت قوات الاحتلال إلى استهدافٍ ممنهجٍ للمنظومة الصحية عبر قصف المستشفيات وتدمير المرافق الصحية، وقتل الكوادر الطبية، ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، مما أفرز واقعًا صحيًّا صعبًا، وخيارات علاج محدودة للإصابات والأمراض البسيطة؛ فكيف لو كانت إصابات بأقسى الأسلحة في العالم، وأمراض مزمنة وخطيرة أصابت آلاف الغزيين، ليواجهوا وحدهم مصير موت مؤجل.

ونتيجة هذا التدمير للمنظومة الصحية، بات السفر للعلاج في الخارج فرصة النجاة الوحيدة، فآلاف المرضى والجرحى ممن أنهكتهم الحرب والأمراض المزمنة، عالقون داخل قطاع أفرغت منظومته الصحية، وأُخرج أكثر من 70% من مرافقه ومراكزه الصحية عن العمل بفعل العدوان، وما تبقى يفتقر إلى أبسط مقومات العلاج، فيما أصبحت التحويلات الطبية أملًا معلقًا على قرارات أمنية إسرائيلية ومعابر لا تُفتح إلا بصورة محدودة للغاية، وفساد مستشرٍ بين من يمتلكون قرارًا في السفر، ومرضى في آخر الأولويات الطبية، أو "مزيفون" يسافرون على رأس القوائم يوميًّا، يسرقون الحياة ممن يحتاجها، ويتركون خيار الموت لمن تبقى.

أكثر من 20000 مريض يواجهون الموت

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يؤكد أن آلاف المرضى في قطاع غزة يواجهون خطرًا حقيقيًّا يهدد حياتهم؛ نتيجة حرمانهم من السفر لتلقي العلاج المنقذ للحياة خارج القطاع، بما يكرس إخضاعهم لظروف معيشية تهدد بقاءهم المادي، وهو ما يعدّ أحد أركان جريمة الإبادة الجماعية التي تمارسها "إسرائيل" بحق المدنيين الفلسطينيين منذ ما يزيد عن عامين ونصف.

ويشير المركز إلى أن 20.863 مريضًا يعانون من أمراض خطيرة هم بحاجة ماسة للسفر لتلقي العلاج في الخارج، من بينهم 5.342 طفلًا دون سن الثامنة عشرة، ومن بين هؤلاء، يعاني 2.194 مريضًا من حالةٍ صحية خطيرة للغاية وبحاجة لإجلاء طبي فوري، فيما يصارع 189 مريضًا الموتَ وهم بحالة صحية حرجة للغاية.

وأضاف المركز أن من سُمح لهم بالسفر منذ إعادة فتح معبر رفح بتاريخ 1 فبراير الماضي عدد قليل جدًّا مقارنةً بالعدد الكبير من المرضى الذين ينتظرون الإجلاء الطبي، حيث لم يتجاوز عدد من سُمح لهم بالمغادرة 1500 مريض فقط.

وأكد المركز في تقرير موثق صادر منه أن مرضى السرطان والقلب والأوعية الدموية والفشل الكلوي والتشوهات الخلقية وأمراض الدم والجرحى من ذوي الإصابات البالغة باتوا يفقدون فرص النجاة نتيجة عدم توفر العلاج اللازم محليًّا، وحرمانهم من السفر لتلقي العلاج خارج القطاع.، مشيرًا إلى أن عدد من توفوا خلال انتظارهم للإجلاء الطبي 1.628 مريضًا.

آلية معقدة وقيود خانقة

يقول مدير مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمد أبو سلمية في حديث مع "بوابة الهدف"، إن عملية تحويل المرضى للعلاج في الخارج تخضع لإجراءات بيروقراطية معقدة ورقابة مشددة؛ إذ تبدأ الدورة الإدارية من داخل المستشفى عبر كتابة تحويلة طبية من قِبل طبيب القسم المختص، ثم تُختم من رئيس القسم ومدير المستشفى، قبل أن تُحال إلى لجنة استشارية في وزارة الصحة لتصنيف الحالات وفحص أولوياتها الطبية، وعقب الموافقة، تُرسل الكشوفات إلى منظمة الصحة العالمية التي تتولى بدورها رفعها وتنسيقها مع الجانب الإسرائيلي.

ويشير أبو سلمية إلى أن نحو 5,000 تحويلة طبية جاهزة تنتظر موافقة الاحتلال والتنسيق لخروجها عبر معبر رفح، في وقت تفتقر فيه الآلية الحالية لأي نظام خاص بـ"التنسيق العاجل" للحالات الحرجة جدًّا؛ حيث يستغرق الفحص الأمني وقتًا طويلًا يمرّ عبر منظّمة الصحة العالمية والجانبين المصري والإسرائيلي قبل صدور الرد الإسرائيلي النهائي.

ويوضح أبو سلمية أن هذه التعقيدات تأتي في وقت يفرض فيه الاحتلال قيودًا صارمةً تقلّص عدد المغادرين عبر معبر رفح؛ إذ يقتصر العمل على ثلاثة أيام فقط في الأسبوع، وبمعدل لا يتجاوز 30 مريضًا أو جريحًا في كل مرة، هذا الواقع يفرز حصيلةً أسبوعيّةً شحيحةً لا تتعدى 100 مريض فقط يتاح لهم السفر من أصل 20,000 حالة بحاجة ماسة للعلاج في الخارج، تشمل مرضى أورام، وأطفالًا، وجرحى يتطلب وضعهم عمليات جراحية عاجلة. وبهذه الوتيرة البطيئة، ستحتاج عملية إخلاء هؤلاء المرضى والجرحى إلى سنواتٍ طويلة إذا بقي الحال على ما هو عليه.

وحول مواجهة السماسرة وطالبي الرشاوى، يشدد أبو سلمية في حديثه مع "الهدف" أن الجهات الطبية الرسمية تجمع على أن عملية التحويلات الطبية بكافة مراحلها مجانية بالكامل ومكفولة من وزارة الصحة، ومنظمة الصحة العالمية، والجانب المصري، ولا يُفرض على المواطن دفع أي مبالغ مالية أو شواكل مقابل السفر، مؤكّدًا أن أي محاولة لطلب رشاوى أو مبالغ مالية من قِبل أي موظف أو وسيط هي سلوك غير قانوني يُوجب التبليغ الفوري عنه، محذرًا الأهالي من الوقوع ضحية للابتزاز المالي.

تعدد الابتلاءات.. استغاثة في واقع معطل

السيدة أم أنس دهمان من مدينة غزة، هي أم لثلاثة أطفال لديهم أمراض منذ ولادتهم، أحمد ويحيى وحمزة، تنتظر بفارغ الصبر السماح لأطفالها بالسفر للعلاج خارج القطاع، تقول لـ"بوابة الهدف"، إنها وأطفالها عادوا من مصر قبل الحرب بأيام قليلة، قبل أن يبدأ العدوان وتتعطّل رحلة علاجهم.

التقاط.JPG
 

أم أنس تضيف في حديث مع "الهدف" أن ابنيها أحمد ويحيى لديهم تحويلات طبية بالفعل، وحمزة بانتظار استصدار تحويلته، إلا أنّهم لم يتمكّنوا من السفر حتى اللحظة، مؤكدةً حالة أبنائها طارئة وتحتاج رعاية صحية عاجلة، وكل يوم يقضونه دون علاج يأكل من أعمارهم.

تشرح السيدة أم أنس حالة طفلها يحيى الذي يعاني تلفًا في جهاز البنكرياس، ما أدي لحرق بمنسوب السكر، كما يعاني صعوبات تعلم واضطراب بالنطق وتشنجات وضعف في التركيز وتشتت الانتباه، مصحوبًا بفرط حركة وضمور عقلي ووظيفي، وضعف في هرمون النمو.

 

يحيى.jpg
 

وتشير أم أنس إلى أن ابنها أحمد يعاني من فرط حركة شديد، واضطراب نطق وتلف في البنكرياس وتشتت الانتباه، وضمور عقلي وظيفي، وشلل دماغي وتشنجات وضعف بالتركيز، وضعف في هرمون النمو، ما أدي لحرق منسوب السكر، كما أن ابنها الثالث يحيى يعاني نفس الأعراض والمسببات المرضية.

 

احمد - Copy.jpg

تجدد السيدة أم أنس التأكيد على أن علاجات أبنائها غير موجودة في قطاع غزة بفعل الحصار الإسرائيلي المستمر، وتدمير المستشفيات والمراكز المختصة، ويلزمهم العلاج في الخارج بشكل فوري وطارئ.

فساد مستشرٍ.. مقامرة بالأرواح

إنّ أزمة التحويلات الطبية في غزة لا ترتبط فقط بإغلاق المعابر والحصار ونقص الأدوية، بل أيضًا بخللٍ إداري وشبهات فساد في آليات إصدار التحويلات وتحديد الأولويات، كما يعزو آلاف المرضى أسباب تعثر استصدار تحويلاتهم أو سفر من لديهم تحويلات بالفعل، إلى الفساد المستشري بين المتنفذين في المؤسسات الدولية القائمة على خروج المرضى، وكثير منهم موجودون داخل القطاع، وأنّ أعدادًا كبيرةً من المرضى المسافرين لا تكون حالتهم طارئة أو تستدعي السفر بشكلٍ عاجل، فضلًا عن كثيرٍ من الحالات التي لا تستدعي علاجًا بالخارج أصلًا.

تفيد تقارير وشهود عيان ومرضى موقوفون على كشوفات التحويلات الطبية بأنّ أكثر من نصف المسافرين بشكلٍ يومي هم من يتم تسميتهم بـ"مرافقي المرضى"، بمعنى أن كشوفات المسافرين الذين يجتازون معبر رفح يكون فيه المرافقون ضعف المرضى، وهذا ما يطرح أسئلة لدى المرضى الذين يتعذر سفرهم على الرغم من وجود هذه الآلية منذ شهور، ويقول عدد منهم إن العشرات ممن يسافرون يدفعون أموالًا بآلاف الدولارات تذهب رشاوى لبعض المتنفذين في المنظمات العالمية.

وفي هذا السياق، تكشف أم أنس في ختام حديثها مع "الهدف" أنها حاولت استعجال سفر أبنائها لدى الجهات المعنية لكنها لم تتلق أي ردود إيجابية، وطلب منها الانتظار كباقي المرضى، كما أن موظفين ومسؤولين في منظمات عالمية طلبوا منها مبالغ طائلة من أجل تعجيل سفر أبنائها.

عدم السفر حكم بالموت

عبير الفالوجي، نازحة في مدينة دير البلح، تعيش سباقًا مرعبًا مع الوقت، وهي التي تم تشخيصها بسرطان الثدي والغدد اللمفاوية، تواجه اليوم خطر انتكاسة قاتلة بسبب أزمة التحويلات الطبية وإغلاق المعابر، يقول زوجها لـ"الهدف" إن المرض تم اكتشافه قبل نحو 6 أشهر، وبدأت بخوض رحلة معاناة قاسية قائلًا حيث خضعت لأربع جرعات من العلاج الكيماوي، تلاها عملية جراحية صعبة لاستئصال الورم وكامل الغدد اللمفاوية، بعد العملية، قرر الأطباء إعطاءها جرعات كيماوية إضافية في محاولة مؤقتة لإنقاذ حياتها لحين السماح لها بالسفر.

ويضيف الفالوجي أن الوضع الصحي للزوجة يتدهور بشكل متسارع مع كل جرعة جديدة؛ فالمضاعفات تزداد يوماً بعد يوم، وبعد الجرعة الخامسة ساءت حالتها بشكل غير مسبوق، لكن الخطر الأكبر الذي يهدد حياة عبير ليس المضاعفات اليومية فحسب، بل هو شبح عودة المرض الذي بات يلوح في الأفق حال تعذّر سفرها في أقرب وقت ممكن، وينقل لنا تحذير طبيبها المختص الذي قال: "إذا تأخر سفر المريضة لأكثر من ستة أشهر، فإن وضعها سيكون خطيرًا جدًّا، وعودة السرطان إلى جسدها ستكون حتمية بنسبة 100% وليست مجرد احتمال".

ويتابع: تمكنا من الحصول على تحويلة طبية بشكل سريع من مستشفى ناصر، وذلك لوضعها الطبي الطارئ، وتم إبلاغي بحاجتي لانتظار موعد السفر، وقد تواصلت مع كثير من المسؤولين ولم أتلقَ إجابة واضحة، مؤكدًا أن معظم من يسافرون يمتلكون علاقات خاصة ومسؤولين رفيعي المستوى "واسطات"، كما تحدث البعض عن إمكانية تعجيل سفري حال دفع أموال لكني رفضت لعدم قدرتي، بالإضافة إلى أن كثيرًا من الأشخاص يسافرون تحت ذرائع "بدائل مرافقين"، ويتم تسجيلهم وتعجيل سفرهم علمًا أنّهم ليسوا مرضى لكنهم دفعوا أموالًا.

 

الفالوجي.jpg

ويعبر الفالوجي في ختام حديثه عن مخاوفه التي انتقلت له من تجارب المرضى الذين تمكنوا من السفر، عن المفترض أن يتكفل بالعلاج، في ظل صعوبات كثيرة واجهت المسافرين سابقًا، متسائلًا عن الخدمات العلاجية التي سيتم تقديمها.

لن يبرأ الاحتلال من كونه سببًا لكل أزمة وضع قطاع غزة فيها، لكن أزمة التحويلات الطبية في غزة ستبقى شاهدةً على مأساة حصارٍ تم فرضه لتدمير أجساد المرضى، وفساد داخلي ومحسوبيات تسرق حق النجاة من مستحقيه، فعندما تتحول رحلة العلاج المنقذة للحياة إلى تجارةٍ يديرها متنفّذون عبر سماسرة يتقاضون آلاف الدولارات، تصبح قيم العدالة الإنسانية والطبية في مهب الريح، ولا نستثني منظومة دولية عاجزة عن فرض أبسط الحقوق الإنسانية كـ"الحياة" على من أوكل نفسه لسلبها من الفلسطينيين منذ نشأته.