Menu

عسلٌ يذوب تحت نار النزوح والدمار

تقريرالحرب تدفع مهنة تربية النحل في غزة نحو الاندثار

أحمد زقوت

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

خلايا النحل في قطاع غزة ليست مجرد صناديق خشبية لإنتاج العسل، بل ذاكرة حيّة لمهنة متجذّرة في الأرض، ارتبطت بالزراعة ومواسم الإزهار، وشكّلت مصدر رزق لعائلات توارثت أسرارها جيلًا بعد جيل، قبل أن يضع عدوان الاحتلال "الإسرائيلي" هذه الحرفة العريقة على حافة الاندثار.

لطالما كانت المناحل جزءًا من المشهد الزراعي في القطاع، تنتشر بين الحقول والبساتين مستفيدة من تنوع الغطاء النباتي، وتحمل معها حكايات النحالين الذين وجدوا في تربية النحل مهنة تحفظ صلتهم بالأرض ومصدرًا يعينهم على مواجهة أعباء الحياة.

لكن سنوات الحصار، وما تبعها من حرب إبادة واسعة، ألقت بظلالها الثقيلة على هذه المهنة، بعدما تضررت المناحل ومصادر غذاء النحل، وتراجعت قدرة المربين على مواصلة عملهم.

مهنة قديمة بين الهواية ومصدر الرزق

عرف الفلسطينيون تربية النحل منذ عقود طويلة؛ إذ ارتبطت المهنة بالبيئة الزراعية المحلية، وبدأ كثيرون بممارستها على اعتبارها هوايةً، أو بهدف توفير العسل للعائلة، قبل أن تتحول لدى آخرين إلى مصدر دخل أساسي يعيل أسرًا كاملة.

وكانت المهنة تجمع بين مُربٍّ يمتلك عددًا محدودًا من الخلايا للمنفعة الشخصية، وآخرين يعتمدون عليها تجاريًّا من خلال إنتاج العسل ومنتجات الخلية الأخرى مثل الشمع وغذاء الملكات، إلا أنّ الحرب غيّرت طبيعة هذا القطاع، فلم يعد النحال يبحث فقط عن جودة الإنتاج، بل أصبح همه الأول الحفاظ على ما تبقى من خلاياه وتأمين مستلزمات بقائها.

070726_Nuseirat_BO_00(14).jpg

الحرب تضرب دورة حياة النحل

بين صناديق خشبية متآكلة وغياب مساحات الرعي التي اعتاد عليها النحل، يقف مربي النحل فهد الدحدوح أمام ما تبقى من منحله في مخيم النصيرات وسط القطاع، محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مهنة حملت سنواتٍ مصدر رزقه وشغفه.

يتفقد الدحدوح خلاياه واحدة تلو الأخرى، فيما تبدو آثار الدمار حاضرة في كل زاوية، شاهدة على خسارة قطاع كان يومًا جزءًا من دورة الحياة الزراعية في غزة.

يقول الدحدوح لـ "بوابة الهدف" إنّ الحرب نقلت واقع هذه المهنة من تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة التسويق إلى معركة من أجل البقاء، موضحًا أنّ "المشكلة اليوم لم تعد في إنتاج العسل، بل في الحفاظ على المنحل نفسه".

ويضيف أنّ كثيرًا من المناحل تعرضت للقصف أو اضطر أصحابها إلى تركها بسبب النزوح، فيما فقد النحل مصادر غذائه بعد تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغطاء النباتي.

ويشير إلى أنّ تربية النحل تحتاج إلى بيئة مستقرة تتوفر فيها الأزهار والمياه والرعاية المستمرة، لكن القصف وصعوبة التنقل وانقطاع الطرق جعلت الوصول إلى المناحل مهمة شاقة، وأحيانًا مستحيلة.

ويحذر الدحدوح من أنّ استمرار هذا الواقع قد يدفع المهنة نحو الاندثار، مطالبًا بتوفير الخلايا والمعدات اللازمة، وتأمين ظروف تسمح للنحالين بإعادة بناء مناحلهم.
070726_Nuseirat_BO_00(21).jpg

نقص معدات الإنتاج

ولم تقتصر الخسائر على الخلايا، بل طالت معدات الإنتاج الأساسية من صناديق النحل والبراويز والشمع والأدوية، التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير وسط صعوبة توفيرها بسبب القيود المفروضة على حركة البضائع.

ويؤكد مربي النحل خليل المغربي أنّ القطاع كان يضم قبل الحرب نحو 950 نحالًا، تنوعت أعمالهم بين الإنتاج التجاري للعسل والتربية بهدف الهواية والمنفعة الشخصية، فيما كان جزء من الإنتاج يُسوّق داخل غزة ويُصدّر إلى الخارج.

ويبين المغربي لـ "الهدف" أنّ الحرب تسببت بخسائر فادحة، بعدما تعرضت غالبية المناحل المنتشرة شرق شارع صلاح الدين للتدمير والتجريف، ما أدى إلى فقدان آلاف الخلايا وتكبّد أصحابها خسائر مالية كبيرة، فيما لم يتمكن كثير من النحالين من إنقاذ سوى أعداد محدودة من خلاياهم.

ويشير إلى أنّ ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج فاقم الأزمة، موضحًا أن سعر كرتونة شمع الأساس ارتفع من نحو 30 شيكلًا قبل الحرب إلى ما بين 1200 و1500 شيكل حاليًّا، إضافةً إلى نقص الأخشاب والصناديق اللازمة لتجهيز الخلايا.

ويؤكد المغربي أنّ إعادة بناء المناحل تحتاج إلى تكاليف تفوق قدرة العاملين في القطاع، ما يهدد مستقبل هذه المهنة، داعيًا إلى دعم النحالين وتوفير مستلزمات الإنتاج لإنقاذ مصدر رزق عشرات العائلات.

مهنة خارج دائرة الأولويات

رغم أهمية تربية النحل اقتصاديًّا وبيئيًّا، يرى العاملون فيها أنها بقيت على هامش الاهتمام خلال الحرب، في ظل تركيز الجهود على القطاعات الأكثر إلحاحًا مثل الغذاء والإيواء والصحة.

يقول مربي النحل محمد أبو ندى: "نحن نتفهم حجم الكارثة الإنسانية، لكن المهن الصغيرة تحتاج أيضًا إلى من يحميها، لأن خسارتها لا تعني فقدان مصدر دخل لعائلات فقط، بل فقدان خبرات تراكمت عبر سنوات".

ويلفت في حديثه مع "بوابة الهدف" إلى أن كثيرًا من النحالين اضطروا للبحث عن أعمال بديلة، بعدما تراجع إنتاج العسل وفقدت المهنة قدرتها على توفير دخل ثابت، مضيفًا: "يمكن للنحال الصبر على موسم ضعيف، لكنه لا يستطيع الاستمرار إذا فقد خلاياه ومصدر رزقه".

070726_Nuseirat_BO_00(53).jpg
 

خسائر تهدد مستقبل القطاع

تندرج تربية النحل في غزة ضمن الإطار الزراعي العام الذي تشرف عليه وزارة الزراعة، فيما تعمل الجمعية التعاونية لمربي النحل باعتبارها إطارًا يجمع العاملين في القطاع ويمثل مصالحهم، كما يطالب المربون بتعزيز دور هذه الأطر من أجل تنظيم المهنة وتوفير التدريب والدعم وحماية حقوق العاملين فيها.

ووفقًا لبيانات الجمعية التعاونية لمربي النحل لعام 2025، تكبّد قطاع تربية النحل وإنتاج العسل خسائر تُقدّر بنحو 39 مليون دولار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد تدمير نحو 30 ألف خلية نحل كانت تنتج قبل الحرب مئات الأطنان من العسل سنويًّا.

كما تضررت البنية التشغيلية للقطاع بفعل تدمير مساحات واسعة من الغطاء النباتي والمراعي، ما أدى إلى تعطّل آلاف العاملين وتضرر مصادر رزق مئات النحالين في مختلف محافظات غزة.
070726_Nuseirat_BO_00(57).jpg
 

تجريف موائل النحل يهدد التوازن البيئي

من جانبه، يؤكد الخبير البيئي نزار الوحيدي أنّ الحرب تسببت بخسارة أكثر من 30 ألف خلية نحل كانت تنتج سنويًّا ما بين 250 و300 طن من العسل، إلى جانب منتجات أخرى مثل الشمع وغذاء الملكات وحبوب اللقاح، مشيرًا إلى أن القطاع كان يوفر مصدر دخل لنحو ألف أسرة.

ويوضح الوحيدي لـ "بوابة الهدف" أنّ نحو 98% من مناحل غزة كانت متركزة شرق شارع صلاح الدين، وهي مناطق فقدت معظم غطائها النباتي بفعل عمليات التجريف، ما هدد قدرة النحل على البقاء وأثر في التوازن البيئي والإنتاج الزراعي.

ويحذر من أنّ استمرار هذا الواقع قد يقود إلى انهيار هذه المهنة، داعيًا إلى دعم دولي عاجل لإعادة تأهيل قطاع النحل والغطاء النباتي وإنقاذ واحدة من المهن الزراعية التي ارتبطت بتاريخ غزة وأرضها.

بين خلايا صامتة ومناحل فقدت ملامحها، تقف مهنة تربية النحل في غزة أمام خطر الاندثار، بعدما تحولت حرفة ارتبطت بالأرض ومواسمها إلى قطاع يكافح من أجل البقاء.

فالحرب لم تستهدف إنتاج العسل فقط، بل ضربت دورة حياة كاملة تجمع الإنسان بالطبيعة والاقتصاد، لتضع مستقبل هذه المهنة أمام مفترق طرق؛ إما إعادة تأهيل عاجلة تعيد للنحالين خلاياهم وأرزاقهم، أو أن تصبح حكايات العسل وذاكرة المناحل جزءًا من مهن غزة التي طواها الدمار.

070726_Nuseirat_BO_00(58).jpg
070726_Nuseirat_BO_00(60).jpg
070726_Nuseirat_BO_00(64).jpg
070726_Nuseirat_BO_00(68).jpg