لا تُمثل قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" لعام 2026، المنعقدة في أنقرة، مجرد محطة روتينية في التقويم السنوي للحلف، بل تشكل لحظة مفصلية في تاريخ التحالف والنظام الدولي معاً، حيث تتصادم تحولات جيوسياسية كبرى مع تحديات أمنية واقتصادية وأخلاقية متشابكة. في سياق هذه القمة المنعقدة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026، يبرز التركيز الرسمي على ثلاثة محاور أساسية: تعزيز الإنفاق الدفاعي، ودعم أوكرانيا، وإعادة توازن العلاقات عبر الأطلسي تحت ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيما يبدو الحضور الثانوي للملفات الإقليمية في الشرق الأوسط على الأجندة الرسمية. لكن هذا الظاهر لا يلغي العمق الاستراتيجي لتداعيات تلك الملفات، بل قد يعكس أولوية تكتيكية مؤقتة في ظل ضغوط آنية، بينما تبقى التداعيات طويلة المدى للملفات الشرق أوسطية حاضرة في حسابات الحلف، وإن كانت بصورة غير مباشرة. فالأجندة الرسمية قد تُظهر أولوية معينة، لكن الحسابات الاستراتيجية العميقة تدرك أن ملفات الشرق الأوسط ليست ثانوية، بل هي جزء من نسيج معقد من التحديات المتشابكة التي قد تحدد مستقبل النظام الدولي برمته.
السياق الذي تنعقد فيه هذه القمة يتسم بتصعيد إقليمي غير مسبوق: حرب أمريكية على إيران، تحولات في سوريا قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المشرق، تصعيد في فلسطين المحتلة يضع الشرعية الغربية على المحك، واستمرار الحرب الروسية على أوكرانيا كعامل ضغط دائم على قدرات الحلف وموارده. هذا التشابك بين جبهات متعددة يجعل من القمة اختباراً متعدد الأبعاد لقدرة الناتو على إدارة أزمات متزامنة في بيئة جيوسياسية تتحول من هيمنة القوة الأحادية التي سادت لعقود إلى تعددية صراعية تنافسية. فما نشهده اليوم ليس مجرد توترات عابرة، بل إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية والدولية، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الأمن العسكري، وتتصادم الرؤى الاستراتيجية مع الضرورات السياسية الداخلية. وفي هذا السياق، يصبح الناتو أمام تحدي مزدوج: الحفاظ على تماسكه الداخلي، وإثبات قدرته على التكيف مع واقع جديد يتطلب أدوات ردع متعددة، ودبلوماسية مرنة، وشرعية أخلاقية وسياسية واسعة. كما أن الناتو، رغم قوته العسكرية، لا يعمل في فراغ، بل في إطار قانوني ومؤسسي عالمي يضم الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني. أي تجاوز لهذه الأطر قد يقوّض شرعية الحلف ويمنح خصومه فرصة للطعن في مشروعيته. إدماج هذا البعد القانوني والمؤسسي في حسابات الحلف ضروري لإثبات أن الناتو لا يكتفي بالقوة الصلبة والشرعية الأخلاقية، بل يسعى أيضاً إلى العمل ضمن منظومة قانونية دولية تمنحه مشروعية أوسع وتوازن بين المصالح والقيم.
زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، التي باتت محل نقاش جدي في القمة، تمثل أكثر من مجرد قرار مالي أو تقني؛ إنها تعكس تحولاً استراتيجياً في فلسفة الحلف وتوزيع الأعباء داخله. هذا التحول لا يقتصر على الحسابات العسكرية، بل يمتد إلى الشرعية الداخلية للحكومات الأوروبية، إذ قد يؤدي تقليص الإنفاق الاجتماعي إلى تغذية السخط الشعبي وصعود الحركات الشعبوية التي تستغل التضخم وقضايا اللاجئين لتعزيز خطابها ضد النخب السياسية. بذلك يصبح القرار الدفاعي اختباراً مزدوجاً: ليس فقط لقدرة أوروبا على تحمل أعباء أمنية جديدة، بل أيضاً لقدرتها على الحفاظ على استقرارها السياسي والاجتماعي الداخلي. هذا الرقم، الذي كان يُعتبر غير قابل للتحقيق قبل سنوات، أصبح الآن مطروحاً كضرورة ملحة في ظل واقع أمني جديد يضم تهديدات متعددة المحاور للحلف: من روسيا في أوروبا الشرقية، إلى إيران في الشرق الأوسط، إلى الصين في المحيطين الهندي والهادئ. التحليل الاستراتيجي العميق يكشف أن هذا التحول نابع من عوامل متعددة، أولها إدراك متزايد في أوروبا أن الحماية الأمريكية المطلقة لم تعد مضمونة إثر فقدان الثقة بالتحالف الاستراتيجي والمظلة العسكرية الأمريكية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، وتزايد التحولات الداخلية الأمريكية لتقليص الالتزامات الخارجية وإعادة التركيز على المنافسات الكبرى في آسيا. وثانيها الحاجة إلى تطوير قدرات أوروبية ذاتية تمنح القارة مرونة استراتيجية في حال تراجع الإرادة الأمريكية. وثالثها الرغبة في رفع كفاءة الصناعات الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية في مجالات حيوية. بالإضافة إلى ذلك، هناك بعد رابع يتعلق بإرسال رسالة ردع واضحة للخصوم: أن أوروبا لم تعد تعتمد كلياً على المظلة الأمريكية، وأنها قادرة على تحمل عبء أمنها بنفسها.
لكن هذا التحول يحمل تكاليف وتحديات داخلية عميقة، إذ ستضطر الدول الأوروبية لإعادة توزيع الموارد المالية من القطاعات الاجتماعية والاقتصادية إلى القطاع الدفاعي، مما سيثير نقاشات داخلية حول الأولويات ويعيد إحياء جدل "المدافع مقابل الزبدة". هذا الأمر سيواجه تحديات أكبر في دول تعاني من تباطؤ اقتصادي أو ديون عالية، مثل إيطاليا واليونان وبعض دول أوروبا الشرقية، حيث قد يؤدي رفع الإنفاق الدفاعي إلى تقليص الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، مما يغذي السخط الاجتماعي ويضعف الشرعية السياسية للحكومات وصعود اليمين المتطرف الذي يستغل التضخم وقضايا اللاجئين في خطابه الشعبوي من أجل زيادة شعبيته. كما أن هناك تحديات تقنية وصناعية، إذ إن بناء قدرات دفاعية ذاتية يتطلب وقتاً طويلاً، واستثمارات في البحث والتطوير، وتعاوناً صناعياً بين الدول الأوروبية قد يصطدم بمصالح وطنية متنافسة. ورفع القدرات العسكرية يتطلب أيضاً حل مشكلة تفتيت الصناعة الدفاعية الأوروبية، ودفع المزيد من مشاريع البحث والتطوير المشتركة، مثل مشروع "نظام القتال الجوي المستقبلي" ومشروع "الدبابة الرئيسية". بالإضافة إلى ذلك، هناك تحدي التنسيق بين الخطط الدفاعية الوطنية والاستراتيجية الأطلسية الموحدة، وتحديد الأولويات بين القدرات التقليدية والقدرات الحديثة مثل الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والفضاء.
انتقالاً من الملف المالي إلى الملف الإيراني، نجد أن هذا الملف يمثل اختباراً استراتيجياً حاسماً لقدرة الحلف على التعامل مع تهديدات هجينة ومتعددة الأبعاد. السياق الحالي يتميز بتصعيد التوتر بين واشنطن وطهران، خاصة مع الضربات الأمريكية المباشرة الجديدة على أهداف عسكرية إيرانية أو مرتبطة بالبرنامج النووي، بالإضافة إلى الهجمات الإيرانية على قواعد أمريكية أو حلفاء إقليميين. موقف الأمين العام للحلف مارك روته الحازم بشأن القدرات النووية الإيرانية، حيث صرّح بأن أي محاولة إيرانية لامتلاك سلاح نووي ستواجه بردع جماعي لا هوادة فيه، وتعريفه "حرية الملاحة في مضيق هرمز" كخط أحمر استراتيجي لا يمكن تجاوزه، مؤكداً أن أي تهديد لهذا الممر الحيوي سيعتبر هجوماً على مصالح الحلف بأكمله ويستدعي رداً حاسماً، يعكس قلق الحلف العميق من هشاشة هذا الممر الاستراتيجي. لكن هذا الموقف، رغم حزمه، يثير أسئلة جوهرية: هل يمتلك الحلف الآليات العملية لفرض هذا الخط الأحمر؟ وما الثمن الذي قد يدفعه إذا اضطر إلى استخدام القوة؟ وهل هناك إجماع داخلي حول مستوى المخاطرة المقبول؟
لكن العمق الاستراتيجي للملف الإيراني يتجاوز مجرد قضية نووية أو ملاحة بحرية، إذ إن إيران تمتلك شبكة نفوذ إقليمي واسعة تشمل حزب الله في لبنان، وقوى في العراق، والحوثيين في اليمن، وبقايا حلفاء في سوريا. هذه الشبكة تمنح طهران قدرة على التصعيد غير المباشر، مما يجعل أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران محفوفة بمخاطر حرب إقليمية واسعة. وبالتالي فإن الحلف يواجه معضلة استراتيجية: كيف يردع إيران دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة؟ وكيف يوازن بين حماية المصالح الغربية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة النظام الإيراني، الذي يجمع بين حسابات عقلانية واستراتيجية وأيديولوجية، وبين الرغبة في البقاء والخوف من الانهيار. إيران ليست قوة معزولة، بل هي جزء من نسيج إقليمي معقد يتقاطع فيه النفوذ الروسي والصيني، مما يجعل أي محاولة لعزلها أو احتواءها محفوفة بمخاطر وتداعيات غير محسوبة.
الاستجابة المحتملة للحلف قد تتضمن نهجاً مركباً: تعزيز الوجود البحري في الخليج، وتطوير أنظمة دفاع صاروخي متقدمة، وفرض عقوبات اقتصادية إضافية، والحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة لتقليل مخاطر سوء التقدير. لكن نجاح هذا النهج يتطلب تنسيقاً كبيراً بين الحلفاء، وتوحيداً للرؤى حول مستوى المخاطرة المقبول، واستعداداً لتحمل التكاليف الاقتصادية والسياسية طويلة المدى. والفشل في هذا الملف قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على توازنات الطاقة العالمية، وتصعيد إقليمي قد يصل إلى مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر من أن يؤدي التركيز المفرط على إيران إلى إهمال ملفات أخرى مهمة، أو إلى دفع طهران إلى مزيد من التقارب مع موسكو وبكين، مما يعقد المعادلة الجيوسياسية العالمية.
وعلى غرار الملف الإيراني، يكشف الملف السوري في قمة أنقرة عن محاولة أمريكية لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية من خلال بوابة سوريا. اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع يمثل خطوة استراتيجية هامة في السياسة الأمريكية تجاه دمشق، انطلاقاً من تطوير العلاقات الثنائية نحو إعادة توزيع الأدوار في المشرق برمته. السياق هنا يشمل عدة عوامل: رغبة واشنطن في إرساء موطئ قدم سياسي عميق في سوريا بعد سنوات من التهميش، واستغلال التراجع الكبير في النفوذ الإيراني وحزب الله على الأرض السورية بعد سقوط نظام الأسد قبل نحو عام ونصف، مما يتيح فرصة لإعادة تشكيل المعادلات الإقليمية لصالح المحور المعادي لطهران. كما أن ربط إعادة الإعمار السوري بشروط سياسية يهدف إلى ترسيخ هذا التراجع ومنع أي محاولة إيرانية أو تابعة لحزب الله لاستعادة النفوذ المفقود. وفي الوقت نفسه، يأتي التنسيق مع تركيا لضمان الاستقرار في شمال سوريا كجزء من معادلة أوسع تهدف إلى منع أي فراغ أمني قد تستغله قوى متطرفة أو قوى موالية لإيران أو معادية لتركيا. لكن هذا التحول يحمل في طياته مخاطرة تحويل سوريا إلى ساحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، مما قد يطيل أمد المعاناة الإنسانية ويعقد احتمالات الاستقرار طويل المدى.
الأهمية الاستراتيجية للملف السوري تكمن في كونه نقطة تقاطع بين مصالح متعددة: المصالح الأمريكية في توسيع النفوذ الإقليمي واستغلال الفراغ الاستراتيجي الناتج عن انهيار النظام السوري السابق، والمصالح التركية في تأمين حدودها الجنوبية وتقليل النفوذ الكردي وملء جزء من الفراغ الأمني في شمال سوريا، والمصالح الروسية في الحفاظ على وجود محدود في سوريا بعد تراجع نفوذها وقدراتها العسكرية والاقتصادية بشكل كبير، حيث تقتصر موسكو الآن على حماية قواعد استراتيجية محدودة والحفاظ على دور سياسي في أي تسوية مستقبلية، والمصالح الإيرانية في محاولة الحفاظ على موطئ قدم رمزي في سوريا بعد تراجع نفوذها العسكري والاقتصادي بشكل كبير وسقوط حليفها الاستراتيجي، حيث أصبحت طهران تواجه تحدي إعادة بناء شبكتها الإقليمية من نقطة الصفر تقريباً. صياغة معادلة جديدة في سوريا تتطلب موازنة دقيقة بين هذه المصالح المتعارضة، وتجنب الانزلاق إلى صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية. كما أن هناك أبعاداً إنسانية وأمنية لا يمكن تجاهلها: ملايين اللاجئين السوريين لا يزالون مشتتين في دول الجوار وأوروبا، ومكافحة الإرهاب لا تزال تحدياً قائماً، ومعالجة الانقسامات الطائفية والإثنية تتطلب جهداً طويل الأمد وإرادة سياسية حقيقية من الفاعلين الداخليين والخارجيين.
إعادة إعمار سوريا، التي تقدر تكلفتها بمئات مليارات الدولارات، قد تصبح أداة جيوسياسية لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة. فمن يسيطر على عملية الإعمار يملك القدرة على التأثير في مستقبل النظام السياسي، وتوزيع الموارد، وتوازنات القوى المحلية. هذا ما يجعل من سوريا مختبراً حقيقياً لإعادة هندسة النظام الإقليمي، حيث تتنافس القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ من خلال إعادة الإعمار والاستثمار السياسي. لكن هذا الملف يحمل أيضاً تحديات إنسانية وأمنية هائلة: إعادة دمج اللاجئين، ومكافحة الإرهاب، ومعالجة الانقسامات الطائفية والإثنية، وضمان استقرار طويل المدى في دولة منهكة. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر من أن تصبح إعادة الإعمار أداة للضغط السياسي، حيث تربط بعض القوى التمويل بشروط قد لا تكون في مصلحة الشعب السوري، أو قد تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب الداخلي.
وبالانتقال إلى القضية الفلسطينية، نجد أنها تمثل في قمة أنقرة اختباراً أخلاقياً وسياسياً للشرعية الغربية. السياق الفلسطيني الحالي يتميز بتصعيد غير مسبوق في القدس وغزة والضفة، وتصاعد الدعوات الدولية لوقف الأعمال العدائية وإقامة دولة فلسطينية. الموقف التركي الصريح، الذي تجسد بكلمات الرئيس أردوغان، حول ضرورة إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية، يضع الناتو أمام معضلة: كيف يوازن بين التحالفات التقليدية وإسرائيل، وبين الحاجة إلى احتواء الرأي العام في العالم العربي والإسلامي؟ هذا السؤال ليس مجرد سؤال أخلاقي، بل هو سؤال استراتيجي يتعلق بقدرة الغرب على الحفاظ على شرعيته في عالم يتجه نحو تعددية القطبية.
العمق الاستراتيجي للقضية الفلسطينية يتجاوز البعد الأخلاقي ليصل إلى جوهر الشرعية الدولية. ففي عالم يتجه نحو التعددية القطبية، لم يعد الغرب قادراً على فرض رؤيته دون اكتساب شرعية واسعة. تجاهل القضية الفلسطينية، أو التعامل معها كملف ثانوي، يقوّض قدرة الغرب على تقديم نفسه كـ "حارس للنظام الدولي القائم على القانون والعدالة". كما أن الاستمرار في احتلال الأراضي الفلسطينية يقوّض الاستقرار الإقليمي، ويهدد بامتداد الحرب إلى دول مجاورة مثل لبنان وسوريا والأردن. يعلّمنا التاريخ أن الصراعات غير المحسومة لا تختفي، بل تتبدّل أشكالها وتتمدد في مساحات جديدة، وأن تجاهل الجذور العميقة للاحتلال الصهيوني لفلسطين قد يفتح الباب أمام تداعيات متراكمة يصعب احتواؤها أو السيطرة عليها في المستقبل. إدماج القضية الفلسطينية في أجندة الناتو لا يعني بالضرورة فرض حل معين، لكنه يعني الاعتراف بأهمية الملف كعامل استقرار إقليمي، ودعم الجهود الدبلوماسية لحل الدولتين، والمساهمة في تخفيف المعاناة الإنسانية. النجاح في هذا الملف قد يعزز الشرعية الغربية في العالم العربي والإسلامي، بينما الفشل قد يؤدي إلى مزيد من التآكل للنفوذ الغربي، وفتح المجال أمام قوى صاعدة لتقديم نفسها كبدائل للقيادة الغربية. كما أن هناك بعداً أمنياً مباشراً: استمرار التصعيد الإسرائيلي في فلسطين يهدد بامتداد العنف إلى دول مجاورة، مما قد يؤثر على أمن الطاقة، واستقرار الحلفاء الإقليميين، وقدرة الناتو على التركيز على تحديات أخرى.
أما أزمة مضيق هرمز في قمة أنقرة، فإنها تربط جميع الملفات السابقة بخيط واحد: أمن الطاقة العالمي. أهمية هذا الملف الجيوسياسية تتميز باعتماد أوروبا الكبير على الطاقة المستوردة، خاصة من الشرق الأوسط بعد تراجع وارداتها من روسيا بشكل كبير إثر الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. أي اضطراب في مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من النفط العالمي، يهدد أوروبا بتضخم مرتفع، وانكماش اقتصادي، واضطرابات اجتماعية وسياسية. هذا يجعل من القارة العجوز طرفاً مباشراً في معادلة أمن الخليج، رغم ترددها التقليدي في الانخراط العسكري المباشر في المنطقة. لكن هذا التردد قد يتغير في ظل الواقع الجديد، حيث تصبح حماية الممرات البحرية ضرورة اقتصادية وأمنية لا غنى عنها.
العمق الاقتصادي لأزمة هرمز يتجاوز مجرد أسعار النفط ليصل إلى استقرار الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على تكاليف الإنتاج، وأسعار المستهلك، وأسعار المواد الغذائية، وميزانيات الدول، واستقرار الأنظمة السياسية. هذا يجعل من حماية المضيق ليس مجرد مسألة جيوسياسية، بل شرطاً للحفاظ على التماسك الداخلي الأوروبي والاستقرار الاقتصادي العالمي. أوروبا تدرك هذه الحقيقة، وتعمل على تطوير استراتيجيات متعددة الأبعاد: تعزيز الوجود البحري في الخليج، وتنويع مصادر الطاقة، وتسريع التحول إلى الطاقة المتجددة، وبناء مخزونات استراتيجية. لكن هذه الاستراتيجيات تواجه تحديات، إذ إن الوجود البحري يتطلب موارد مالية وبشرية كبيرة، وتنويع المصادر يحتاج إلى بنية تحتية وزمن طويل، والتحول إلى الطاقة المتجددة يواجه تحديات تقنية وسياسية. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر من أن تؤدي المنافسة على الطاقة إلى صراعات بين القوى الكبرى، خاصة مع تزايد النفوذ الصيني في منطقة الخليج. النجاح في تأمين مضيق هرمز يتطلب تنسيقاً لم نشهده سابقاً بين الحلفاء، واستعداداً لتحمل التكاليف طويلة المدى، وحلولاً مبتكرة تجمع بين الأمن التقليدي والأمن الاقتصادي وأمن الطاقة.
في المحصلة، قمة أنقرة ليست مجرد اجتماع روتيني، بل هي لحظة تاريخية تحدد مستقبل الحلف الأطلسي والنظام الدولي معاً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى رسم سيناريوهات مستقبلية مفصلة توضح المسارات المحتملة لما بعد القمة، لأن المستقبل لا يُقرأ في ضوء اللحظة الراهنة فحسب، بل في ضوء البدائل الممكنة التي ترسمها حسابات القوى الكبرى.
في سيناريو النجاح، يمكن للناتو أن يرسّخ نفسه كـ "حارس للنظام الدولي" عبر بناء نظام ردع جديد أكثر صلابة وفاعلية. هذا السيناريو يقوم على قدرة الحلف في دمج القوة العسكرية مع الشرعية الأخلاقية، بحيث يصبح الإنفاق الدفاعي المرتفع أداة لتعزيز الاستقلالية الأوروبية، ويُترجم الموقف الحازم تجاه إيران إلى معادلة ردع واضحة، فيما يُعاد إدماج سوريا في منظومة إقليمية جديدة، وتُعالج القضية الفلسطينية كشرط للشرعية الدولية. نجاح هذا السيناريو يعني أن النظام الدولي سيُعاد تشكيله على أسس أكثر توازناً، حيث يمكن أن يبقى الناتو العمود الفقري للأمن العالمي، ويستعيد الغرب قدرته على قيادة اللعبة الدولية في مواجهة القوى الصاعدة. في هذه الحالة، تتحول القمة إلى نقطة انطلاق لعملية إعادة إنتاج استراتيجي تمكن الحلف من الانتقال من حالة الدفاع إلى حالة المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى صياغة القواعد. كما أن النجاح في هذا السيناريو قد يؤدي إلى استقرار إقليمي نسبي في الشرق الأوسط، وتقليل مخاطر التصعيد، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين الغرب والعالم العربي والإسلامي.
أما في سيناريو الفشل، فإن القمة قد تكشف عن تصدعات داخلية عميقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وتُظهر عجز الحلف عن صياغة موقف موحّد تجاه إيران أو عن إدارة الملفين السوري والفلسطيني بفعالية. هذا السيناريو قد يقود إلى تفكك تدريجي في تماسك الناتو، ويُضعف قدرته على فرض قواعد النظام الدولي، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعددية الصراعية، حيث تتصاعد أدوار روسيا والصين وقوى إقليمية أخرى في إعادة توزيع النفوذ العالمي. في هذه الحالة، يصبح النظام الدولي الحالي أكثر اضطراباً وأقل استقراراً، وتتحول القضايا الإقليمية إلى بؤر تفكك تُقوّض أي محاولة لبناء نظام عالمي متماسك. الفشل هنا لا يعني بالضرورة انهيار الحلف، بل تآكل تدريجي في قدرته على التأثير، وتحوله إلى مؤسسة دفاعية إقليمية محدودة النطاق، بدلاً من أن تكون قوة عالمية فاعلة. كما أن الفشل قد يؤدي إلى انتشار الفوضى في الشرق الأوسط، وتصعيد في الصراعات بالوكالة، وتآكل في الشرعية الغربية، مما يهدد الاستقرار العالمي على المدى الطويل.
لكن بين هذين السيناريوهين، هناك مسارات مركبة أكثر تعقيداً: فقد ينجح الحلف في تعزيز ردعه العسكري في الشرق الأوسط بينما يفشل في الحفاظ على تماسكه الداخلي في أوروبا، أو قد يحقق نجاحاً اقتصادياً في تطوير الصناعات الدفاعية يقابله إخفاق سياسي في الحفاظ على الشرعية الأخلاقية والقانونية. هذه السيناريوهات المركبة تعكس طبيعة النظام الدولي المعقد، حيث لا يكون النجاح أو الفشل مطلقاً، بل نسبياً ومتفاوتاً بين الملفات المختلفة.
وبين هذه السيناريوهات والمسارات، تقف قمة أنقرة كاختبار تاريخي لإرادة الغرب: إما أن تنجح في إعادة إنتاج الحلف كفاعل مركزي في هندسة النظام الدولي، أو أن تُسجّل بداية مرحلة جديدة من التعددية الصراعية التي تعيد تعريف مفهوم القوة والشرعية في القرن الحادي والعشرين. والسيناريو الأرجح ليس نجاحاً كاملاً ولا فشلاً مطلقاً، بل مسار وسط يتخلله نجاحات جزئية وإخفاقات نسبية، حيث يستمر الناتو في لعب دور مهم لكنه يواجه تحديات متزايدة في عالم متعدد الأقطاب، أكثر تعقيداً وتوزعاً للسلطة. في هذا السيناريو، سيتعين على الناتو التكيّف مع الواقع الجديد، وتطوير قدرات جديدة، وبناء شراكات جديدة، وإعادة تعريف أهدافه الاستراتيجية. إن نجاح هذا السيناريو يتطلب من الحلف المرونة، والابتكار، والاستعداد للتغيير، والقدرة على الموازنة بين القوة والشرعية، وبين المصالح والقيم، وبين الأمن والاستقرار. كما أن هذا السيناريو قد يشهد تحولاً في طبيعة الحلف من مؤسسة دفاعية تقليدية إلى مؤسسة أمنية شاملة تضم أبعاداً عسكرية واقتصادية وتكنولوجية ودبلوماسية.

