Menu

جيل زد الأمريكي: ثقافة ضد العنصرية والعدوان

د. محمد عبد القادر

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

جيل جديد ينمو ويتطور ويتسع في الولايات المتحدة، ويشكل قلقاً بالغاً للمؤسسات الحزبية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التقليدية، التي ترسخت عبر عقود من الأداء الذي وضعه هذا الجيل على محك النقد والمساءلة والمحاسبة، وإن لم يصل بعد إلى مستوى التغيير الملموس. (هذا الجيل قد يكون له نظراء في دول الغرب الأخرى، لكن مقالتنا هذه تركز على هذا الجيل الأمريكي المعروف بـ"جيل زد" .(G.Z)

والمقالة هذه محاولة شبه مسحية، اعتمدت على قراءة وتأمل وتحليل العديد من الكتابات التي تناولت هذا الجيل الأمريكي بآفاق من علم الاجتماع الجماهيري أو علم الاجتماع السياسي أو الدراسات المستقبلية، لرصد احتمالات أو قدرات هذا الجيل وما يليه على إحداث تغيير ملموس في الحياة الأمريكية على الصعد السياسية والحزبية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأكاديمية.

• ن هم جيل زد؟

هذا جيل يسعى لاستقطاب الجميع : السوق يسعى لاصطياد مهاراته وأفكاره ورؤاه التطويرية، الإعلام للاستجابة لحاجاته ونيل رضاه، أو حتى تدجينه في بعض الحالات إن أمكن. ويسعى وراءه السياسيون خائفون على مستقبلهم السياسي والحزبي. وما التشكيل الشبابي الذي عُرف اختصاراً بـ"ما جا" MAGAإلا نمط من أنماط الاستقطاب السياسي لصالح حزب ورئيس ورؤى الحاضر والمستقبل. وهم هدف للإدارات الأكاديمية العليا في جامعات أمريكا الكبرى لتكميم أفواههم أو طردهم إن لزم الأمر.

هذا جيل يختلف عن جيل آبائه وأجداده المنمطين التقليديين، الذين حسموا خياراتهم الحزبية والسياسية والاقتصادية، ولم يعد بالإمكان تغيير تلك الخيارات والسلوكيات. إنهم الجيل الذي ولد بعد عام 1996/1997 واستمر واتسع حتى 2010 وما بعد ذلك. هو الجيل الذي ولد ونما وكبر وراهق وصار فتىً وشاباً في أحضان التكنولوجيا الرقمية، بل هم نشأوا وترعرعوا في "العصر الرقمي" الذي زودهم بالمعرفة وأساليب التفكير والمهارات المتنوعة، التي لم يحصل عليها آباؤهم أو أجدادهم منها إلا على النزر اليسير. وهنا يبرز الفرق الأول والأبرز بينهم وبين من سبقهم من الأجيال. هذا الجيل يشعر "بالعري" التام إذا ما أضاع الفرد منهم هاتفه النقال، أو إذا فقد الاتصال عبر الإنترنت، وأصبح (الواي فاي) ليس حاجة مهمة فقط، بل ضرورة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها. وهو جيل تبادلي للصور والرسائل والمعلومات والأخبار والنشاطات، حياتهم في مساحة "الموبايل"، ويستهلكون حصة كبيرة من أوقاتهم بلا ملل ولا كلل، ومنهم من يستغني عن الرفقة والأصحاب، ولا يقوى على تحمل الغياب عن عالمه الافتراضي.

الدراسات التي رصدت سمات هذا الجيل، "جيل زد"، أشارت إلى أنهم يعبرون عن شكوك جلية في كل الجوانب الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وينأون عن الإعلام الرسمي واسع الانتشار، لصالح إعلام تنتجه وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتناقل الأخبار من منظورات مختلفة ومغايرة لما تنقله وسائل الإعلام ذائعة الصيت.

وبالرغم من أن جيل زد لا يمثل كتلة منسجمة في مسارات الحياة المتعددة، إلا أنهم يرتبطون بقواسم مشتركة تجعل منهم قوة مؤثرة وفاعلة في قادم السنوات. وإن تباينت الآراء في جوانب معينة بين الشباب والشابات لأسباب "جندرية".

ويمكن فيما يأتي حصر عدد من الاتجاهات المشتركة في أوساط هذا الجيل:

• في البعد الاجتماعي:

يميل هذا الجيل بعامة إلى معارضة التمييز العنصري، وبحكم اطلاعهم من مصادرهم التكنولوجية، يميلون إلى التنوع الثقافي والعدالة الاجتماعية، ويبدون سلوكاً أكثر انضباطاً من الأجيال السابقة، (أرقام أقل في تعاطي الكحول والمخدرات والجنايات). ويطالبون بالحقوق والمساواة للسود والنساء، ويفضلون قيمة التواصل الإنساني. وهم على الصعد الشخصية مهتمون بصحتهم الجسدية والنفسية والتوازن في أنواع الغذاء. ومن حيث العمل، يحبذون عملاً يتفق مع دراساتهم ومزاجهم، ويحبون الأسفار والأنشطة الشبابية.

• في البعد الاقتصادي:

يصنف هذا الجيل بأنه صاحب اختيارات اقتصادية يسارية، ويعارضون الفوارق الاقتصادية الواسعة بين من يملكون ومن لا يملكون. وهناك من يصفهم بأنهم أصحاب أفكار اقتصادية تقدمية، يقفون مع المهمشين وضد خفض الرواتب والأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وجشع المؤسسات الأكاديمية من حيث مراكمة الديون على الطلبة. وهناك من يميل إلى الحرص على توفير المال والاستثمار في قطاعات مربحة، أو تدّر عليهم دخلاً كافياً معقولاً.

• في البعد السياسي:

لمس العالم كله حركية وحماسة ودافعية الشباب الأمريكي للمشاركة السياسية النشطة إبان حرب الإبادة الصهيونية على غزة. ولربما كانت معاناة أهل غزة وأطفالها ونسائها من بين العوامل التي أسهمت في تعزيز الدور السياسي والوعي السياسي والفكري لهذا الجيل، ما دفع إدارتي بايدن وترامب لاتخاذ سياسات معادية للحرية الأكاديمية للجامعات الأمريكية.

وإذا ما أجملنا صورة جيل زد سياسياً وفق الكتابات المنشورة، سنرى أنهم يميلون أكثر إلى الحزب الديمقراطي، وينأون أكثر عن ترامب وحزبه، وإن كانوا بالمجمل لا يرون في هذين الحزبين التقليديين ملاذاً عملياً مفيداً للحياة السياسية الأمريكية في المستقبل. وهم يطالبون بإسقاط نهج ترامب والترامبية، وكل يوم يخسر ترامب وحزبه أصواتاً كثيرة من أصوات الشباب. ولا يتم الاستقطاب الانتخابي والسياسي حول هذين الحزبين، بل ينجذب الشباب ذكوراً وإناثاً نحو مؤسسات ترفع مبادئ محددة وقيماً راقية، كالحرية والعدالة والمساواة ومحاربة التمييز والاتجاهات الإمبريالية والاستعمارية في النظام. وهم يعارضون الانخراط الواسع للإدارات الأمريكية في السياسة الخارجية، كما يعارضون الحروب. وبذلك رأوا في نهج ترامب، المتحدث بالسلام والممارس للحرب العدوانية، خيانة لبرنامجه وتصريحاته وبيانات حزبه.

على أن أشد الضربات السياسية التي نجمت عن حراك الشباب الأمريكي، تتمثل في السقوط المدوي للرواية الصهيونية في الولايات المتحدة، وعزلة المنظمات الصهيونية المؤيدة للعدو، واتساع الرأي العام الأمريكي الشعبي والأكاديمي والأهلي المؤيد للسردية الفلسطينية وقضية الشعب الفلسطيني، ووصف قطاعات أمريكية واسعة لما ارتكبه العدو في غزة على أنه حرب إبادة. هذا الجيل وفر دعماً بارزاً لقضية فلسطين، ولطالما هتف الآلاف من شبابه: " فلسطين من النهر إلى البحر". وهناك من عبر بلا وجل عن دعمه للمقاومة الفلسطينية في غزة والضفة.

لقد أصبحت قضية فلسطين لهذا الجيل الأمريكي الشاب (بين 18 و29 عاماً) قضية شخصية وقضية وجدانية، علاوة على بعدها السياسي والأخلاقي. لقد جاء من قال: "نحن جيل صحح أخطاء آبائه وأجداده، ولن نتوقف عن دعم فلسطين والشعب الفلسطيني". ولم تنطلِ على هذا الجيل أكذوبة معاداة السامية، فقالوا: "نقف ضد إسرائيل المعادية لحقوق الإنسان، ولسنا معادين للسامية". ومن عجبٍ أن نائب الرئيس الأمريكي فانس قال ذات المعنى قبل أيام وأمام وسائل الإعلام: "ليس كل من ينتقد إسرائيل معادياً للسامية".

وتجلى موقف هذا الجيل وقطاعات واسعة حكومية وبرلمانية وغيرها، في وقوفهم الواضح ضد الحرب العدوانية التي شنها ترامب على إيران، إذ أدانوا الحرب وأدانوا الرئيس وإدارته، وأقروا بهزيمته المذلة أمام صمود إيران، بشعبها وقياداتها وحرسها الثوري وعقولها المبدعة ومهاراتها التفاوضية المستندة إلى قوة الميدان. وأعلنوا أن إيران لم تكن تشكل خطراً على الولايات المتحدة، وما مزاعم ترامب ومؤيديه إلا أكاذيب حرضت عليها الصهيونية والمتصهينون.

• هل يغير جيل زد وجه الولايات المتحدة؟

لن يغيرها بين عشية وضحاها، فما تزال المؤسسات التقليدية الحكومية وغيرها المستفيدة من السلوك الرأسمالي الإمبريالي قوية فاعلة. لكن الشباب الجديد - كما يبدو- مؤمن بدوره ورسالته وقدرته، ويعلمون أنهم سيؤثرون تدريجياً في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وأنهم ذات يوم سيتولون مهمات ومسؤوليات ومناصب حساسة وعالية في البلاد.

إن تأثير خريجي الجامعات الأمريكية، مواطنين ووافدين، سيؤثر في داخل الولايات المتحدة وفي الدول الحليفة التي ترسل طلبتها للدراسة في أرقى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الرسمية وغيرها. إن ما أحدثه جيل زد حتى الآن مبشر بالخير، وقابل للمراكمة ونشر ثقافة عدالة ومساواة وحرية وكرامة إنسانية.