Menu

ورقة بحثية / في الذكرى ال (54) لارتقائه شهيداً : غسان كنفاني كان وسيظل مدرسةً في الأدب والإعلام والقيادة والفكر والكفاح

عليان عليان

بوابة الهدف

يحار الكتاب والنقاد عن أي موضوع يكتبون في ذكرى استشهاد غسان كنفاني ، هل يكتبوا عن غسان الأديب المبدع روائياً وقاصاُ، أم عن كاريزما القيادة لدى غسان عضواً في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أم غسان الرسام المبدع، أم غسان المدرسة في الإعلام ، أم غسان الباحث المبدع في تناوله للمواضيع في السياقين القومي والطبقي، أم عن غسان الإنسان المتواضع القريب من الناس، وهم في حيرتهم موقنون بأنه مهما سبرت أغوار غسان فلن تعطيه حقه .

وعندما امتدت يد الإرهاب الصهيوني عبر جهاز الموساد لاغتيال غسان كنفاني ، بتعليمات من رئيسة وزراء الكيان الصهيوني آنذاك جولدا مائير ، لإدراكها ما يمثل غسان من خطر على العدو لكونه الأقدر عالمياً على نفي السردية الصهيونية في فلسطين، ولتأكيد الرواية العربية فيها بأسلوبه الرشيق سواء في المقالة السياسية أو في المقابلات الصحفية أو في العمل الأدبي المبدع ، لا سيما وأنه امتلك القدرة على نسج علاقات مع أطراف عديدة في الإعلام الغربي هذا كله ( أولاً) و(ثانياً ) لأنه ارتبط بعلاقات وطيدة مع العديد من القوى الثورية في العالم التي لعبت دوراً هاماً في الكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني.

لقد أدلت جولدا مائير قبل اغتياله بتصريح عنصري لصحيفة ساندي تايمز بتاريخ 15-7- 1969 جاء فيه " لا وجود للفلسطينيين، وليست المسألة مسألة الوجود لشعب في فلسطين يعتبر نفسه الشعب الفلسطيني ، وليست المسألة أننا أتينا وطردناهم وأخذنا بلادهم ، لا إنهم لم يوجدوا أصلاً" ....وجاء هذا الاغتيال ليعبر عن عمق الأزمة الصهيونية، في مواجهة الرواية الحقيقية لعروبة فلسطين ، التي ساقها غسان في أدبياته ولقاءاته الصحفية مع الصحافة الغربية والتي لعبت الثورة الفلسطينية بعد هزيمة 1967 دوراً فاعلاً في تكريسها.

لقد عبرت جولدا مائير عن غبطتها باغتياله، وفي الذاكرة تصريحها غداة ارتقائه شهيداً بقولها "اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان بقلمه كان يشكل خطرا على (إسرائيل) أكثر مما يشكله ألف فدائي مسلح" .

غسان المدرسة

وكانت بعض مقالات غسان في مجلة الهدف -حسب تعبير أحد النقاد- كالقنابل تنفجر دفعة واحدة وتلقي بشظاياها ، فتصيب أهدافها...لماذا كالقنابل؟ لأنه كان يكتب عدة مقالات في مقالة واحدة خاصةً إذا كانت تتناول حدثاً سياسياً مدار جدل، وتثار ضجةً من النقد سواء من " المع أو الضد " ، وفي الذاكرة مقالتان له أثارتا زوبعة من النقاش وهما : " (إسرائيل) وسياسة الأمر الواقع"...." ولماذا أعدم أبو حميد؟"

فغسان مدرسة ورمز ومؤسسة قائمة بذاتها من الصعب تكرارها ، وتحضرني في هذه المناسبة ما كتبه الراحل الكبير د. جورج حبش عام 1986 في ذكرى استشهاده، وما كتبه الراحل الكبير الشاعر محمود درويش من رثاء له في جريدة السفير اللبنانية غداة استشهاده، نقتطف مما كتبه د. حبش ما يلي: إنه لأمر كبير الدلالة أيضاً أن يكون غسان كنفاني من أوائل المبدعين الفلسطينيين، الذين لجأت الصهيونية إلى إسكاتهم بالقتل، مع أن أسلحتهم كانت القلم والكلمة، وذلك لأن قلم غسان كان بندقية، ولأن كلمته كانت رصاصة، قتلته الصهيونية وسعت للتخلص من تراثه الإبداعي العميق"... "غسان موهبة فريدة متعددة الاتجاهات وطاقة هائلة لا تستنفدها اهتماماته الكثيرة، التي وإن كانت تتناقض في متطلباتها، إلا أنها تتكامل في توجهها نحو مصب واحد هو فلسطين، التي ظلت هاجس غسان والتزامه، والتي لأجلها أبدع كأديب وقاتلَ كمناضل سياسي إلى أن وضع الإرهاب الصهيوني حداً لحياته الحافلة بالعطاء، وبكل ما هو جميل ورائع"...

ونقتطف مما كتبه درويش في جريدة السفير غداة استشهاده ما يلي: "طوبى للجسد الذي يتناثر مدنا، وطوبى للقلب الذي لا توقفه رصاصة، لا تكفيه رصاصة! نسفوكَ، كما ينسفونَ جبهةً وقاعدةً، وجبلاً، وعاصمة، وحاربوكَ، كما يحاربون جيشا... لأنك رمز، وحضارة جرحٍ.... ولماذا أنت؟... لماذا أنت؟... لأنَّ الوطن فيكَ حقيقي وشفاف، وابتكار لأنهار منحوتة مياه.

غسان واستشراف الثورة والجمع بين الرمز والواقع

لقد بشر غسان بالثورة واستشرفها ، عندما كتب رواية "رجال في الشمس" ، مازجاً بين الرمز والواقع المعاش للاجئين الفلسطينيين بعد نكبة 1948 ، واضطرارهم لقطع الصحراء اللاهبة للوصول إلى الكويت بحثاً عن لقمة العيش في تلك المرحلة.

لكن غسان ضمنها بعداً رمزياً من خلال قيادة أبو الخيزران المخصية لصهريج المياه في عز الصيف وبداخله بقية زملاءه في الرحلة أبو قيس ومروان وأسعد ، التي انتهت بهم إلى الموت اختناقاً في مكب نفايات الكويت ، وصرخة أبو الخيزران البائسة لماذا لم تدقوا جدران الخزان " ...حيث مثل أبو الخيزران في الرواية البعد الرمزي للقيادات العربية الرسمية المتخاذلة أو المتواطئة آنذاك ، وبعث من خلال هذه الرواية، رسالة لأبناء الشعب العربي الفلسطيني أن السفر باتجاه الصحراء في الشرق يعني الموت، وأن التوجه نحو الغرب نحو فلسطين ومحيطها يعني الحياة عبر الشروع بالثورة .

لقد بلور غسان هذه الحياة والشروع بالثورة ، في بقية رواياته وبخاصة في روايتي " وما تبقى لكم" وأم سعد" في البعدين المكاني والزماني ، وفق ما أشار إليهما أ . د عبد الرحمن ياغي في دراسته " ثلاثية غسان كنفاني" حيث "شكلت هاتان الروايتان بالإضافة إلى رواية " رجال في الشمس " رواية الأرض التي أحب، والتي أراد أن يصلنا بحبه لها ، والتي حمل معنى الحب لها معنى الموت في سبيلها...إنها مجتمعة رواية قضية مصيرية... كلها تحمل هم القضية... وتحدد اتجاه السير الصحيح، واتجاه السير الخطأ" ...حيث مزج فيهما بين البعدين الوطني والطبقي للثورة ، عندما بعثت أم سعد ابنة المخيم بابنها للالتحاق بالثورة معلنةً موقفها " خيمة عن خيمة بتفرق ".

"لقد انطوت أعمال غسان بشكل مبدع على البعدين المكاني والزماني ، ففي كل أعماله القصصية والروائية ، يحتل المكان والزمان ما يحتله الإنسان...فلا يشكل المكان ظرفاً أو وعاءً منفصلاً أو مجرد إطار فحسب تتحرك فيه الشخوص والوقائع... بل هو شخصية حية نابضة تنمو وتتطور وتلتقي وتتصل وتتقاطع ولها أكبر دور" ..." أم الزمان فهو المارد الذي خلقه غسان ليكون الإيقاع النابض في الرواية".

موقع غسان في الأدب والإعلام والقيادة لا يزال شاغرا

وبعد: ماذا أقول في غسان بعد مرور 54 عاماً على استشهاده؟ غسان: أربعة وخمسون عاماً مضت على استشهادك، وكأننا افتقدناك بالأمس، القائد السياسي الفذ والأديب المبدع، ونتألم بأثر رجعي لفراقك، رغم المحطات العديدة التي مررنا بها منذ استشهادك، وللفراغ الكبير الذي تركته في ساحتنا الأدبية والكفاحية والسياسية، ولا نبالغ إذ نقول: إن مقعدك في "الهدف" بعد خمسة عقود من الزمن لا يزال شاغراً، وموقعك في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا يزال شاغراً... وموقعك في حركة التحرر العربية- رغم كل ما ألم بها – لا نجد من يملأه، لما تنفرد به من خصوصية.

ولا نبالغ إذ نقول أيضاً إن حضورك ودورك يا ابن الستة والثلاثين ربيعاً، في ساحة الأدب الوطني والقومي بواقعيته ورمزيته، والعالمي بتقنيته لا يزال شاغراً / غسان: نخبرك أن (أحفاد رجال في الشمس) رفضوا الخلاص الفردي من الواقع السيئ، ذلك الخلاص الذي قاد أبو قيس ومروان وأسعد، للانقياد وراء قيادة (أبو الخيزران) المخصية، وعاشوا عجز اختيار الطريق الصحيح والقيادة الصحيحة، العجز عن دق جدران الخزان، فكان الموت.. ذلك المصير السيئ في مكب نفايات الكويت ...

نخبرك غسان أن أحفاد "رجال في الشمس" الذين انتظموا في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، لا زالوا يخوضون معركة مزدوجة ضد الاحتلال، وضد من أصروا على أن يزنوا في الثورة تحت مبررات وعناوين مختلفة.

نعلمك غسان: أن قيادة أبي الخيزران المخصية، التي تربعت منذ عقود على سدة النظام العربي الرسمي، تم استبدالها بقيادات لا خصية لها، كل همها إرضاء العم سام عبر التآمر الذي لا ينفك ضد المقاومة الفلسطينية ، وخذلوا طوفان الأقصى التي أكدت على تحرير فلسطين.

غسان رفض المفاوضات مع العدو مبكرا وبشكل مطلق

ونخبرك غسان: بأن طريق المفاوضات مع العدو الذي اقتلع شعبنا من أرضه، ذلك الطريق الذي رفضته مبكراً وبشكل مطلق، في إحدى مقابلاتك مع الصحافة الغربية، أصبح هو النهج السائد للقيادة المتنفذة في منظمة التحرير، ووصلت الأمور بالراحل كبير المفاوضين صائب عريقات " أن يخرج علينا بمؤلف بعنوان ( الحياة مفاوضات)، وأن تخرج ابنته دلال عريقات – عضو المجلس الثوري في حركة فتح- بتدوينة لها على منصة "إكس" (تويتر سابقاً) اعتبرت فيها أن مخاطبة الجمهور الإسرائيلي "علناً" ليست تطبيعاً ولا تنازلاً وأنها جزء مُهمل من مسؤوليتنا الوطنية الدبلوماسية"...وأن يعلن رئيس المنظمة والسلطة معاً "أن التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني مقدسا"...

وفي ذاكرتنا، إجابتك- التي لا تمحى على سؤال ذلك الصحافي الأسترالي عام 1970: لماذا لا تدخل منظمتكم في محادثات سلام مع الإسرائيليين؟ أجبت في حينه في استشراف عميق للمستقبل "أنت تقصد محادثات استسلام.. هذا نوع من الحديث بين السيف والرقبة"/ ننبيك غسان: أن (المجابهة طريق الخلاص) وعوامل التغيير الجنينية في (ما تبقى لكم) وقد تراكمت في حياتكم، استمرت في التراكم بعد استشهادكم، وبفعل نضالات شعبكم، أنجبت "كيفاً" نوعياً عبر عن نفسه في مواجهة سلسلة الحروب العدوانية الغاشمة على قطاع غزة وتحقيق انتصارات تكتيكية فيها، وفي انتفاضة الحجارة (1987-1993) وانتفاضة الأقصى (2000-2006)، وفي الهبات الشعبية اللاحقة "هبة السكاكين والدهس عام 2015 وهبة القدس في مواجهة البوابات الالكترونية عام 2017، وهبة باب الرحمة 2019، وهبة القدس الرمضانية 2021 ، وكذلك في هبة شعبنا غير المسبوقة في مناطق 1948 عام 2021 التي ترافقت مع معركة سيف القدس التاريخية.

وننبيك أن المقاومة حققت انتصاراً تاريخياً غير مسبوق على العدو الصهيوني في معركة طوفان الأٌقصى في السابع من أكتوبر 2023 ، وأجبرت العدو على طرح سؤال الوجود لأول مرة منذ نكبة 1948، وأسقطت منظومة الردع الصهيونية وبرهنت أن تحرير فلسطين أمر ممكن على عكس ما روج له دعاة الاستسلام والتسوية ، وأحدثت انقلاباً في الرأي العام العالمي والغربي خاصةً لصالح الرواية العربية، ونفي السردية الصهيونية ، ما دفع الكيان الصهيوني بالتشارك مع الإمبريالية الأمريكية ، ومعظم دول حلف الناتو لشن حرب إبادة جماعية ضد أبناء شعبنا في قطاع غزة ، وسط تواطؤ وتخاذل معظم أطراف النظام العربي الرسمي.

وننبيك غسان أن شعبنا أنجب جيلاً بعد أوسلو ومشتقاتها، يقذف بالحجارة والمولوتوف وبالسكين في الضفة الفلسطينية، وينفذ عمليات نوعية الضفة المحتلة وفي عمق الكيان الصهيوني، ويطلب الموت لتوهب لشعبه الحياة، وينطق صباح مساء بالحرية والتحرير. وننبيك غسان بأن (أم سعد) عنوان تلك الطبقات التي لا تعرف الاستسلام، رغم استشعارها الهزيمة وشربها الكأس المرة حتى الثمالة، عاشت كل معارك الثورة حتى تسعينات القرن الماضي قبل الدخول في دهاليز الاستسلام، وأن تلك "المشحرة" ظلت على عادتها قبل وفاتها وفية لقضية الثورة والثوار... وفي هذا المقام مقام (أم سعد) نتذكر مقولتك "خيمة عن خيمة بتفرق" وننبيك بأن العود اليابسة، التي زرعتها تحولت إلى كروم ودوالي، فمن رحم الهزيمة يولد التحدي ويزدهر النصر.

غسان : نكتشف فيك التحول النظري إلى العالمية والأممية قبل أن يلج الآخرون إلى مواقعها حين قطعت المسافة إلى النظرية عبر محطات الأدب... (فحميد) المشرد في (كعك على الرصيف) ليس ببعيد عن (غافروش) المشرد في "بؤساء فيكتور هوجو" والمناضلة "أم سعد" ليست بغريبة عن (الأم) عند مكسيم غوركي.

وأنت في تحولك غير الآخرين، لم يكن تحولاً ميكانيكياً، بل عبر قراءة متأنية معمقة وتفاعل مستمر ومعاناة، وبالتالي لم يكن صدفةً "نفس الوجود" في (القبعة والنبي... والباب)، والأهم من ذلك أنك جسرت المسافة بينك وبين الاشتراكية العلمية، دون أن تغادر موقعك الوطني والقومي، وأذبت الجليد بينك وبين النظرية بأدق تفاصيلها، عبر تجوالك المستمر في حدائق الأدب الأممي والسوفييتي.

وتحولك في السياسة والأدب، ارتبط بتحولك طبقياً عبر النكبة وبفعلها عام 1948، حيث عشت المخيم، وعملت مع شقيقك غازي في لصق أكياس الورق الكبيرة بالصمغ، وفي المطعم والمطبعة، ومدرساً، وانتهى بك المطاف مثقفاً غايةً في الثورية، ملتزماً بأصول النظرية وأخلاقياتها، ومن هنا كان موقعك القيادي في الثورة الفلسطينية، ولهذا السبب استوحيت جميع أبطال رواياتك من الواقع – الذي كان يصدمك بقوة – وليس من الخيال، فكانوا من المخيم وليس من خارجه.

غسان كنفاني؛ وتختصر الحنين إليك مقولة أبو فراس الحمداني (وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر).. ونختصر الزمن الماضي ومحطاته، "لتعود بنا الذاكرة إلى اليوم الذي نسفوك فيه كأنما نسفوا جبلاً وجبهةً وقاعدة وعاصمة، وحاربوك كما يحاربون جيشاً، لأنك رمز وحضارة جرح، ولأن الوطن فيك صيرورة مستمرة وتحول دائم، من سواد الخيمة، حتى سواد النابالم ومن التشرد حتى المقاومة" – على حد تعبير الراحل الكبير محمود درويش-

نختصر الزمن الماضي ومحطاته، وكأن جثمانك الملفوف بالعلم الفلسطيني الذي عشقته لا يزال مسجى في باحة مقبرة الشهداء، بعد أن اغتسلت بيروت الثكلى بحزنها، وحملتك تحت صهد شمسها الملتهبة على أكتاف الرجال الرجال من رفاقك، الذين أحبوك وساروا على دربك فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر / وسلوانا في ذكراك أنك كنت ولا تزال مدرسةً في الإبداع الأدبي بعد أن أنجزت في زمن قياسي من عمرك أربعة عشر عملاُ أدبياً ما بين الرواية والقصة القصيرة والمسرح، وبعد أن قدمت خدمة كبرى للمقاومة وأدبها في المناطق المحتلة من وطننا عام 1948 في مؤلفك (الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948- 1968)... كنت ولا تزال مدرسة في السياسة والكفاح، نسترشد بها وبمنهجك الكلي... سلام عليك.