من جديد، يظل الخداع هو أحد أهم الأسلحة التي تستخدمها اسرائيل للتأثير على الرأي العام، ومن جديد تلجأ إلى مقولاتها المتكررة حول " التحريض الفلسطيني" وهذه المرة، كما كان الأمر دائماً، بررت السلطات الأمنية الاسرائيلية إقدامها على إغلاق مكاتب فضائية فلسطين اليوم في مدينة البيرة، بأن هذه القناة تقوم من خلال برامجها بتحريض الجمهور الفلسطيني على المواجهة مع الاحتلال وتجعل من إمكانية اخماد الانتفاضة الفلسطينية الثالثة في الضفة الغربية أكثر صعوبة، هذا التبرير هو جوهر الخداع الاسرائيلي، من خلال "الافتراض" بأن الجمهور الفلسطيني بحاجة إلى تبرير كي يقاوم الاحتلال وخطواته التصعيدية الدموية، في محاولة يائسة من قبل الاحتلال لتغييب المحرض الأساسي على هذه المواجهات، وهو الاحتلال ذاته، وهل هناك حاجة إلى التحريض في ظل احتلال هو وحده سبباً كافياً لتوفير كل ما من شأنه مواجهته بكافة أساليب المقاومة، بما في ذلك الدور المناط بالإعلام الفلسطيني في ظل هذه المواجهة.
ان حملة الإغلاقات والمطاردات والاعتقالات للجسم الصحافي والإعلامي الفلسطيني من قبل الاحتلال، يشير بالقطع إلى أن الاعلام الفلسطيني بات أكثر تأثيراً ومقاومة ودوراً في هذه المواجهة الحتمية التي فرضها الاحتلال، باعتباره احتلالاً أولاً وقبل كل شيء على الشعب الفلسطيني، وفي هذا السياق، فإن موجات الإغلاقات والاعتقالات للصحافيين الفلسطينيين، تنطوي على رسالة إضافية يحاول الاحتلال توجيهها إلى الجمهور الفلسطيني، ذلك بأن هذه الإغلاقات والمطاردات والاعتقالات تجري في الغالب في المناطق التي يطلق عليها المنطقة A- أ- أي تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة وفقاً لاتفاق أوسلو، غير أن ما يجري على الأرض من قبل الاحتلال، أن تقسيمات المناطق، ألف وباء وجيم، مجرد خدعة، ككل ما جاء، في الاتفاق المذكور، فكافة المناطق تخضع في نهاية الأمر للاحتلال، وما هذه التقسيمات سوى وسيلة اسرائيلية للتخلي عن مسؤولياتها باعتبارها سلطة احتلال عن الجمهور الذي يخضع لاحتلالها.
إن للمنظمات الحقوقية، المحلية والدولية مسؤولية كبيرة في فضح إجراءات الاحتلال ضد مؤسسات ووسائل الإعلام الفلسطينية، إلاّ أن قدرتنا كفلسطينيين على تأطير الرأي العام الدولي، ومؤسساته المدنية والحقوقية للوقوف إلى جانب الإعلامي الفلسطيني ستظل محدودة، إذا كانت السلطات الرسمية المسيطرة، في الضفة والقطاع، لا تتورع عن ملاحقة الصحافيين والإعلاميين والمؤسسات الإعلامية على اختلاف أشكالها، وتحظر حرية الرأي والتعبير، وتقوم بإغلاق المؤسسات الإعلامية واعتقال الصحافيين والإعلاميين على خلفية سياسية، وتحتكر السلطات المسيطرة، وقواها القمعية، في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، فرض إرادتها وأفكارها ومواقفها، وفقاً لمصالحها، الأمر الذي من شأنه أن يحمل الإعلام الفلسطيني مسؤولية المواجهة مع الاحتلال من جهة.
ومواجهة كافة أشكال التضييق على حريته في التعبير عن مصالح الشعب الفلسطيني، التي تمارسها السلطات القمعية في كل من الضفة وغزة المحتلين !

