يتوسط ميدان المنارة مدينة رام الله، لا كمعلم عابر في جغرافيا المدينة، بل كشاهد صامت على زمن طويل لم يمنح رام الله فرصة أن تكون مجرد مدينة... حول الأسود الأربعة التي تتوسط الميدان، تمر الحياة مسرعة، وجوه متعبة، مقاه تحاول أن تبدو عادية، باعة ينتظرون من يشتري، وسيارات تعبر المكان كأنها تعرف طريقها، بينما تتقاطع في الخلفية أخبار الاقتحامات والحواجز والاعتقالات والدماء القادمة من كل الجهات. يبدو الميدان، في هذا الظرف، كانه يحمل أكثر مما يستطيع الحجر أن يحمل...
لكن ظلم رام الله لا يبدأ من المنارة، ولا من هذا الظرف الراهن وحده. لعل ظلمها الأكبر أنها لم تعد ترى كما هي... فقد تحولت، مع الوقت، من مدينة فلسطينية لها ذاكرتها وروحها وناسها، إلى صورة سياسية تحمل على كتفيها عبء مرحلة كاملة... صارت واجهة لاتفاقيات لم تكتمل، وعنوانا لسلطة لم تستطع ان تحقق الوعد الذي جاءت من أجله، ومسرحا لوهم الدولة، حتى أصبح من الصعب على كثيرين أن يفرقوا بين المدينة والسلطة، وبين أهلها وما يقال باسمها، وبين جمال شوارعها وقسوة الواقع المحيط بها... وهكذا وجدت رام الله نفسها مظلومة مرتين .. مرة حين حملت ما يفوق قدرة مدينة على الاحتمال، ومرة حين جرى تحميلها مسؤولية ما صنعه الذين استخدموا اسمها ومكانها وصورتها. فالمدينة ليست السلطة، والناس ليسوا البيانات، والشوارع ليست الاتفاقيات، والمقاهي ليست دليلا على أن فلسطين بخير.
في رام الله شيء يشبه الحزن الذي تعلم كيف يرتدي ثيابا انيقة. شيء من التعب مخبأ تحت الضوء، ومن الخيبة مستترة خلف الواجهات، ومن الاسئلة التي تمشي في الشوارع ولا تجد من يجرؤ على إيقافها. تبدو المدينة من بعيد كأنها بخير، وربما كانت كذلك في بعض تفاصيلها الصغيرة، في مقاهيها التي تزدحم بالناس، وفي أشجارها التي تقاوم الإسمنت، وفي شوارعها التي تعرف كيف تستقبل المساء، وفي أهلها الذين لا يزالون قادرين على اختراع لحظة حياة وسط هذا الركام الطويل. لكن وراء هذه الصورة شيء آخر لا تراه الكاميرات حين تختار زاوية الضوء، ولا تلتقطه العدسات حين يكون المطلوب أن تبدو المدينة هادئة، مستقرة، عصرية، وكان فلسطين وجدت أخيرا طريقة للتعايش مع جرحها دون أن تنزف.
وربما كان أول ظلم وقع على رام الله أنها لم تعد تُرى كمدينة، بل كمرحلة سياسية. جرى اختزالها في صورة، وتحويلها إلى واجهة، ودفعها إلى مقدمة مشهد لم تختر أن تكون بطلته. حملتها الاتفاقيات فوق طاقتها، والقاها العبث السياسي في قلب معادلات لم تكن المدينة مسؤولة عنها، ثم تركها الجميع تواجه مرآة صنعتها السياسة، لا صورتها الحقيقية. وهكذا اصبحت رام الله، المدينة التي كان يمكن أن تكون مجرد مدينة فلسطينية لها روحها وذاكرتها وخصوصيتها، عنوانا لمرحلة كاملة ، واجهة لسلطة، ومسرحا لوهم الدولة، ومكانا تتجمع فيه كل التناقضات التي لم تجد طريقها إلى الحل...
لقد ظلمت رام الله اتفاقيات كثيرة، وظلمها أكثر ذلك الوعد الذي قال للفلسطينيين أن الطريق الى الدولة قد بدأ، ثم تركهم في منتصف الطريق، لا هم وصلوا إلى الدولة، ولا هم استطاعوا أن يعودوا إلى ما قبل الوعد. ومنذ ذلك الوقت، راحت المدينة تحمل على ظهرها عبء مرحلة انتقالية طال عمرها حتى نسيت انها كانت انتقالية. صار المؤقت دائما، وصار الاستثناء قاعدة، وصارت السلطة التي كان يفترض أن تكون جسرا إلى الحرية كيانا قائما بذاته، له مؤسساته وموظفوه ومراسمه وخطابه، بينما بقي الوطن في مكان آخر، معلقا بين الحواجز والخرائط والانتظار...
وهنا بدأت الحكاية الأكثر قسوة .. أن يصبح شكل الواقع بديلا عن الواقع نفسه. أن تكفي مدينة مضاءة لكي يقال إن الحياة بخير، وأن تكفي حركة في الشوارع لكي يقال إن الاقتصاد يتقدم، وأن تكفي مؤسسات قائمة لكي يقال إن الدولة تقترب، وأن تكفي صورة عاصمة لكي ينسى الناس السؤال عن السيادة. صار المشهد المرئي أكثر أهمية من الحقيقة، وصار ما يظهر على الشاشة أكثر حضورا من ذلك الذي يحدث خلفها. وهكذا لم يعد الزيف مجرد كذبة، بل أصبح طريقة في ترتيب الحقيقة، طريقة في قص أطرافها وتخفيف قسوتها وإزالة كل ما قد يفسد الصورة....
رام الله، في هذا المعنى، ليست فقط مدينة في الجغرافيا، بل مدينة في الصورة. والصورة تصبح أخطر من الواقع حين تتحول إلى الواقع الوحيد الذي يسمح له بالظهور. كل ما لا يظهر في الصورة يصبح قابلا للنسيان... كل وجع بعيد يمكن تحويله الى خبر، وكل حصار يمكن اختصاره في بيان، وكل أرض تصادر يمكن وضعها في ملف، وكل شهيد يمكن ان يصبح رقما في نشرة، ثم تمضي المدينة في يومها، تفتح المقاهي أبوابها، تعبر السيارات شوارعها، وتستمر الحياة كان شيئا لم يحدث... لكن كل شيء حدث... حدث أن ابتعدت رام الله عن محيطها دون أن تشعر. حدث ان اصبح لها، بفعل الضرورة السياسية ومصالح السلطة وتبدلات الواقع، ايقاع خاص ولغة خاصة وعالم سياسي واقتصادي واجتماعي يبدو في كثير من الاحيان منفصلا عن الوجع الفلسطيني الممتد حولها... حدث أن صارت المدينة، بفعل موقعها السياسي، تبدو كأنها جزيرة مستقرة وسط بحر من الاضطراب. ولم يكن ذلك كله ذنب المدينة. فالمدينة لا تختار موقعها في التاريخ، كما لا تختار أن تكون عاصمة لسلطة أو واجهة لاتفاقية. الذي حدث ان السياسة وضعت رام الله في هذا الموضع، ثم راحت تعاقبها على كونها فيه... ولهذا فإن رام الله مظلومة مرتين .. مظلومة حين حملت ما لا تستطيع مدينة أن تحمله، ومظلومة حين جرى تحميلها مسؤولية ما صنعه الذين استخدموا اسمها ومكانها وصورتها. فالمدينة ليست السلطة، والناس ليسوا البيانات، والشوارع ليست الاتفاقيات، والمقاهي ليست دليلا على أن فلسطين بخير...
ليس من العدل ان يعاقب الجمال لأنه ظهر في زمن قبيح، ولا أن تدان الحياة لأنها قاومت الموت. المشكلة ليست في أن تكون رام الله جميلة. المشكلة في أن يستخدم جمالها لتجميل واقع قبيح. ليست المشكلة في أن تكون شوارعها عامرة، بل في ان يصبح عمرانها دليلا زائفا على ان الاحتلال انتهى. وليست المشكلة في أن يجلس الناس في المقاهي، بل في أن يصبح ازدحامها حجة على أن الحصار قد زال، وأن الأرض قد تحررت، وأن الدولة قد قامت....
الإنسان الفلسطيني لا يحتاج إلى أن يعتذر عن رغبته في الحياة. من حق الناس أن يضحكوا، وان يحبوا، وأن يعملوا، وأن يشربوا قهوتهم، وأن يبحثوا عن لحظة طبيعية وسط هذا الخراب. وليس من العدل أن يطلب منهم أن يعيشوا في حداد دائم حتى يثبتوا انتماءهم إلى قضيتهم. لكن الحياة، في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول الى ستارة تخفي الموت، ولا إلى صورة تستخدم لإقناع العالم بأن كل شيء بخير...
وهنا تكمن المفارقة الجارحة التي ترافق رام الله في صورتها الراهنة .. مدينة تبدو كأنها تتقدم، بينما القضية التي يفترض أن تكون في قلبها تتراجع. مدينة تتسع في المكان، بينما يضيق الأفق السياسي من حولها. مدينة تزداد حضورا في الإعلام، بينما يزداد السؤال عن المسافة التي تفصلها عن الوجع الفلسطيني الممتد حولها. مدينة تتحدث كثيرا عن المستقبل، بينما يعيش محيطها تحت وطأة حاضر لا ينتهي... هل يمكن لمدينة ان تكون مستقرة حقا وهي محاطة بوطن غير مستقر؟ وهل يمكن لجزء من فلسطين أن ينجو وحده من مصير فلسطين كلها؟ وهل يمكن أن تنمو الواجهات بينما تتراجع الروح؟ وهل يكفي أن يكون المشهد جميلا لكي يصبح المستقبل جميلا؟ ربما لا... لقد صار هناك نوع من التعايش القسري مع الزيف. ليس لأن الناس يحبونه، بل لان الحقيقة أصبحت ثقيلة
إلى درجة أن كثيرا منهم لم يعودوا يملكون الطاقة لمواجهتها كل يوم. حين يطول الخراب، يتعلم الناس كيف يعيشون إلى جواره. وحين يستمر الوهم طويلا، يصبح من الصعب على الجميع الاعتراف بانه وهم. وهكذا ينشا ذلك النوع الاكثر خطورة من الخراب .. الخراب الذي لا يدهشنا، الخراب الذي نراه فلا نتوقف، والخراب الذي يدخل حياتنا اليومية حتى يصبح جزءا من أثاثها، مثل كرسي قديم في زاوية الغرفة، لا نحبه، لكننا تعودنا وجوده... وربما لهذا تبدو رام الله حزينة رغم كل مظاهر الحياة فيها. لأن المدينة تعرف، في مكان عميق من ذاكرتها، أنها تحمل قصة ليست قصتها وحدها. تعرف أن اسمها ارتبط بمرحلة سياسية كاملة، وأن صورتها صارت مرآة لسلطة لم تستطع ان تحقق الوعد الذي جاءت من أجله. وتعرف أن كثيرا من الناس ينظرون إليها أحيانا بعين الريبة، لا لأنها صنعت كل شيء، بل لأنها أصبحت واجهة لكل شيء. وفي هذه المسافة الموجعة بين المدينة وصورتها، يولد ذلك الشجن الذي لا يمكن اخفاؤه بكل الأضواء... لكن ربما يكون من حق رام الله أخيرا أن نستعيدها من الصورة. أن نعيدها إلى مكانها الطبيعي .. مدينة فلسطينية جميلة، لا عاصمة للسراب. مدينة لها أشجارها وبيوتها وذاكرتها، ولها أهلها الذين يريدون أن يعيشوا دون أن يكونوا متهمين بالحياة. لها الحق في أن تكون جميلة دون أن تتحول إلى دليل على أن كل شيء بخير. لها الحق في أن تضحك دون أن تنسى غزة، وأن تشرب قهوتها دون أن تنسى القدس ، وأن تفتح أسواقها دون أن تنسى القرى والمخيمات، وأن تتنفس دون أن تنفصل عن وطنها...
رام الله ليست الخيانة، وليست أوسلو، وليست السلطة، وليست كل هذا العبث الذي التصق باسمها حتى صار من الصعب فصل المدينة عن ظلاله. رام الله هي أيضا ضحية، ضحية اتفاقيات جعلتها عنوانا لشيء لم يكتمل، وضحية سلطة جعلتها واجهة لواقع لم تستطع تغييره، وضحية خطاب سياسي صنع من صورتها بديلا عن الحقيقة، وضحية نظرة عامة حملتها وزر ما لا ذنب لها فيه... ولعل أكثر ما تحتاجه المدينة اليوم هو أن يقال لها ذلك بوضوح: لست مذنبة لأنك جميلة، ولست مذنبة لأن الناس فيك يريدون أن يعيشوا، ولست مذنبة لان شوارعك أكثر هدوءا من غيرك. المذنب هو من جعل هذا الجمال ستارا، ومن جعل الحياة دليلا على الاستسلام، ومن جعل الصورة بديلا عن الوطن...
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال .. كيف تبدو رام الله؟ بل .. ماذا تخفي الصورة التي تبدو فيها؟ هل نحن أمام مدينة حقيقية، أم أمام واجهة سياسية؟ هل نرى رام الله كما هي، أم كما يريد لها الخطاب الرسمي أن تكون؟ هل نرى مدينة فلسطينية تنتمي إلى كل فلسطين، أم عاصمة لكيان سياسي وجد نفسه معلقا في منتصف الطريق؟ وهل نستطيع أن نحب رام الله وننتقد ما جرى فيها في الوقت نفسه؟
ربما هذا هو العدل كله.. أن نحب المدينة ونرفض ما صنع بها، أن نرى جمالها ولا نسمح باستخدامه لتجميل الخراب، أن ندافع عن أهلها دون ان ندافع عن الوهم، وان نفرق بين المدينة والسلطة، وبين الإنسان والمشهد، وبين الحياة والزيف...
فما أكثر ما ظلمت رام الله نفسها وهي تحاول أن تبدو بخير، وما أكثر ما ظلمها الذين جعلوا منها صورة لمرحلة لم تنته، وما أكثر ما ظلمتها الاتفاقيات حين حملتها فوق طاقتها، وما اكثر ما ظلمها العبث حين جعلها تبدو مسؤولة عن وطن كامل لا يزال يبحث عن طريقه... ومع ذلك، تبقى رام الله جميلة. جميلة لا لأنها نجت من الخراب، بل لأنها، رغم كل الخراب، لا تزال قادرة على أن تنبت من بين الشقوق. وربما كان جمالها الحقيقي في أنها لم تستسلم تماما للصورة التي صنعت لها، وأن في داخلها، تحت كل هذا الغبار السياسي، مدينة أخرى لا تزال تنتظر أن تستعيد اسمها الأول .. مدينة فلسطينية تحب الحياة، لكنها لا تنسى لماذا بقيت فلسطين تبحث عن حريتها... ولعل الحزن كله أن رام الله لم تكن تحتاج إلى كل هذا المجد المصطنع كي تكون جميلة. كان يكفيها أن تكون نفسها. كان يكفيها أن تبقى قريبة من أهلها، من قراها، من مخيماتها، من القدس، من غزة، ومن كل هذا الجسد الفلسطيني الذي جرى تقطيعه سياسيا حتى صار لكل جزء منه ايقاعه الخاص ووجعه الخاص. كان يكفيها أن تكون مدينة بين المدن، لا مدينة فوق المدن، وأن تكون جزءا من الحكاية لا بديلا عنها...
لكن السياسة حين تدخل المدن لا تتركها كما كانت. تضع عليها أسماءها، وتعلق على جدرانها شعاراتها، وتستخدم شوارعها لتقول أشياء أكبر منها، ثم تمضي، وتترك للمدينة أن تواجه وحدها سؤالا لم تختره .. كيف يمكن أن تبقي صورتك جميلة، بينما كل ما حولك ينهار؟ وربما يكون الجواب إن رام الله لا تحتاج إلى صورة جديدة، بل إلى حقيقة جديدة. حقيقة لا تجعلها عاصمة للسراب، ولا واجهة للخراب، ولا مرآة لزيف الواقع، بل مدينة فلسطينية حرة في علاقتها بمحيطها، صادقة في علاقتها بنفسها، وقادرة على أن ترى فلسطين كلها دون أن تختزلها في ذاتها... عندها فقط يمكن ان يتوقف الحزن عن كونه ظلا يرافق المدينة، وعندها يصبح جمال رام الله جمالا لا يحتاج الى تبرير، ولا الى دعاية، ولا إلى أكاذيب صغيرة كي يقنع العالم بأنه موجود. يكفي ان تكون المدينة نفسها. ويكفي أن تعود الى فلسطين. ويكفي أن نتركها أخيرا تعيش، دون أن نحملها ذنب كل ما لم نستطع نحن أن نغيره.

