Menu

على ضوء الهاتف..

تقريرالطالب أحمد الخالدي.. ينتزع قمة التميز من قلب الحرب

أحمد زقوت

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

من بين أصوات القصف، ورغم الخوف والنزوح وانعدام أبسط مقومات الحياة، اختار الطالب أحمد عبد الناصر الخالدي أن يصنع قصته بنفسه، وأن يكتب فصلًا مختلفًا عنوانه: التفوق رغم الحرب.

في وقتٍ كانت فيه الحرب تفرض على طلبة قطاع غزة واقعًا قاسيًا، وتحوّل الدراسة إلى تحدٍّ يومي، لم يستسلم أحمد للظروف التي أحاطت به، بل قرّر أن يخوض معركته الخاصة مع الكتب والأقلام، مؤمنًا بأن الاحتلال قد يهدم البيوت، لكنه لا يستطيع هدم الإرادة.

الاستعداد المبكر

وقبل بدء العام الدراسي بثلاثة أشهر، بدأ أحمد رحلة الاستعداد لامتحان الثانوية العامة، واضعًا برنامجًا دراسيًّا صارمًا هدفه الوصول إلى أعلى الدرجات، حيث لم ينتظر انطلاق الحصص أو استقرار الأوضاع، بل بادر إلى استثمار كل ساعةٍ متاحة، مدركًا أن النجاح لا يأتي صدفة، إنما هو ثمرة التخطيط والانضباط والمثابرة.

يقول أحمد، في حديثه إلى "بوابة الهدف"، إنه ركز منذ البداية على بناء قاعدة علمية متينة، وخصّص جزءًا كبيرًا من وقته لتطوير مهاراته في مادتي الرياضيات واللغة الإنجليزية، باعتبارهما من أكثر المواد التي تحتاج إلى تدريب مستمر وفهم عميق، موضحًا أنّه اعتاد حل عشرات الأسئلة يوميًّا، ومراجعة الدروس بصورة متكررة، والبحث عن أساليب جديدة تساعده على ترسيخ المعلومات وتعزيز مستواه الأكاديمي.

ويضيف: "كنت أتعامل مع كل يوم على أنه فرصة جديدة للتقدم، ولم أكن أسمح للظروف بأن تكون مبرّرًا للتراجع؛ إذ كنت أؤمن بأن الاجتهاد اليوم سيصنع مستقبلي غدًا، ولذلك حرصت على الالتزام بخطتي الدراسية مهما كانت التحديات".

معركة يومية وسط عقبات الحرب

ويؤكد الخالدي أنّ الطريق إلى هذا النجاح لم تكن سهلة، بل كانت مليئة بالعقبات التي فرضتها الحرب، إذ اضطر إلى مواصلة دراسته في ظل انقطاع متكرر للكهرباء والإنترنت، وضيق أماكن الإقامة، والضغوط النفسية الهائلة التي يعيشها طلبة قطاع غزة وعائلاتهم، إلى جانب أصوات القصف المستمرة والخوف الدائم من المجهول.

ويتابع: "في كثير من الليالي كنت أدرس على ضوء كشاف الهاتف بعد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، ولم يكن ذلك خيارًا، بل ضرورة حتى لا أتأخر عن خطتي الدراسية"، مشيرًا إلى أنّه كان يقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام بحثًا عن مكان تتوفر فيه شبكة إنترنت، حتى يتمكن من تحميل المواد التعليمية أو متابعة الدروس، ثم يعود لاستكمال الدراسة وتدوين الملاحظات وحل التدريبات بكل جد واجتهاد.

ويشير إلى أنّ كل تلك التفاصيل اليومية، التي قد تبدو بسيطة، كانت في واقع الأمر معركة حقيقية يخوضها من أجل الحفاظ على حقه في التعليم، مضيفًا أن كل ساعة قضاها في البحث عن الكهرباء أو الإنترنت كانت تعني جهدًا إضافيًّا لم يكن يعيشه الطلبة في الظروف الطبيعية.

إرادة أقوى من الظروف

وعندما أُعلنت نتائج الثانوية العامة، جاء حصاد أشهر طويلة من العمل الدؤوب والصبر، بعدما حقق أحمد معدلًا بلغ 99.6%، ليؤكد أنّ الإرادة الصلبة قادرة على الانتصار حتى في أقسى الظروف، وأن الحرب، على قسوتها، لم تستطع أن تطفئ شغف طلبة غزة بالعلم.

ويلفت في حديثه إلى أنّ سر نجاحه يكمن في الثقة بقدرته على تجاوز الصعوبات، والالتزام بخطة دراسية واضحة، وعدم الاستسلام لليأس، مؤكدًا أنّ كل لحظة تعب عاشها، وكل ليلة قضاها يدرس على ضوء الهاتف، وكل مسافة قطعها بحثًا عن الإنترنت، تحولت في النهاية إلى فرحة كبيرة توّجها بالتفوق، في رسالة تؤكد أنّ الأحلام يمكن أن تنتصر حتى في أكثر البيئات قسوة.

وعن حلمه المستقبلي، يؤكد أنّه يطمح إلى دراسة هندسة الذكاء الاصطناعي خارج قطاع غزة، في ظل الدمار الذي لحق بالقطاع وغياب الإمكانات التعليمية اللازمة لهذا التخصص.

خبرٌ كاد يهدم الحلم

في سياق حديثه، يستذكر أحمد واحدة من أصعب اللحظات التي مر بها خلال رحلة الثانوية العامة، حين كان نازحًا في جنوب قطاع غزة برفقة والدته وإخوته، بينما بقي والده في شمال القطاع.

ويبين أنّ القلق بلغ ذروته عندما تلقى خبرًا يفيد باستشهاد والده، بالتزامن مع قصف منزل العائلة في شمال غزة، الأمر الذي أدخله في صدمة نفسية قاسية، وظل ساعاتٍ يعيش بين الخوف والحزن، معتقدًا أنه فقد والده ومنزله في آن واحد.

ويوضح أنّه لم يتمكن من التأكد من حقيقة ما جرى إلا بعد فترة، ليكتشف أن والده ما يزال على قيد الحياة، وأن نبأ استشهاده كان غير صحيح، وهو ما بدّل مشاعر الفقد بفرحة غامرة، رغم استمرار الحرب وما خلفته من دمار ونزوح وتشتت للأسرة.

ويؤكد أحمد أنّ تلك التجربة تركت أثرًا نفسيًّا عميقًا فيه، لكنها زادته إصرارًا على مواصلة الدراسة وعدم الاستسلام للظروف، مؤمنًا بأن النجاح هو أفضل رد على الحرب، وأنّ التمسك بالعلم يمثل شكلًا من أشكال الصمود في وجه كل ما يحاول سلب الفلسطينيين مستقبلهم.

دعم الأسرة.. شريك الإنجاز

بدوره، يقول عبد الناصر والد الطالب، في حديثه إلى "بوابة الهدف"، إن تفوق نجله كان ثمرة رحلة طويلة من الصبر والمثابرة في مواجهة ظروف قاسية فرضتها الحرب على العائلة، مؤكدًا أن ما حققه أحمد يمثل انتصارًا للإرادة على الألم.

ويضيف أنّ العائلة كانت تؤمن بقدرة أحمد على التميز رغم كل ما عاشته من نزوح وتشتت وخوف، وكانت تحرص على توفير أي فرصة تساعده على مواصلة دراسته، ولو بأبسط الإمكانات، إيمانًا منها بأن التعليم هو السلاح الذي لا تستطيع الحرب مصادرته.

ويتابع: "كنا نرى أحمد يذاكر ساعاتٍ طويلة، ويبحث عن الكهرباء والإنترنت، ويتمسك بخطته الدراسية رغم كل ما كان يحيط بنا من قصف وخوف"، لافتًا إلى أنّه لم يكن يفكر في الاستسلام يومًا، وكان يردد دائمًا أنّ هذه الظروف ستنتهي، لكن العلم سيبقى معه مدى الحياة."

ويشير الوالد إلى أنّ لحظة إعلان النتيجة كانت من أسعد لحظات العائلة، لأنها جاءت بعد أشهر من القلق والمعاناة، مضيفًا: "شعرت أن تعب أحمد لم يذهب سدى، وأن الله عوضه عن كل ليلة قضاها بين الخوف والظلام، وكل لحظة عاشها وهو يقاوم الحرب بالعلم."

ويختم حديثه بالقول: "أحمد لم يحقق هذا الإنجاز لنفسه فقط، بل لكل طالب في غزة، ليثبت أن الاحتلال قد يدمر الحجر، لكنه لن يستطيع أن يهزم إرادة الإنسان أو يمنعه من صناعة مستقبله."

نجاح يتحدى الحرب والدمار

ويوم الجمعة الماضية، أعلنت وزارة التربية والتعليم، نتائج امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" للعام 2026، موضحةً أنّ نحو 89 ألف طالب وطالبة تقدموا للامتحانات، فيما بلغت نسبة النجاح في الضفة الغربية و القدس والخارج 74%، وهي الأعلى مقارنة بالأعوام السابقة.

من جانبه، يؤكد المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم العالي، صادق الخضور، أنّ قصص الطلبة المتفوقين في قطاع غزة تعكس قدرة استثنائية على الصمود والإصرار، رغم الظروف غير المسبوقة التي فرضتها الحرب، مشيرًا إلى أنّ ما حققه هؤلاء الطلبة يمثل إنجازًا وطنيًّا قبل أن يكون نجاحًا فرديًّا.

ويقول الخضور، في حديثه لـ "الهدف"، إن نتائج الثانوية العامة هذا العام تثبت أن طلبة غزة تمسكوا بحقهم في التعليم، رغم ما واجهوه من نزوح متكرر، وانقطاع للكهرباء والإنترنت، وتدمير للمدارس، وفقدان كثير منهم لأقاربهم ومنازلهم.

ويضيف أنّ الوزارة حرصت، رغم التحديات الهائلة، على توفير السبل التي تُمكّن الطلبة من استكمال مسيرتهم التعليمية، مؤكدًا أن قصص النجاح التي خرجت من قطاع غزة هي رسائل أمل تعكس إصرار الطلبة على مواصلة التعليم وعدم الاستسلام لواقع الحرب.

ويشدد الخضور على أنّ تفوق طلبة غزة يحمل رسالة واضحة مفادها أن الاحتلال، رغم ما ألحقه من دمار بالبنية التعليمية، لم يتمكن من كسر إرادة الطلبة أو مصادرة حقهم في التعلم، معتبرًا أن كل طالب نجح في هذه الظروف الاستثنائية يمثل نموذجًا للصمود والإرادة.

وتؤكد قصص الطلبة المتفوقين في غزة أنّ الحرب، رغم قسوتها، لم تستطع كسر إرادة جيل تمسك بحقه في التعليم، وحوّل المعاناة إلى دافع للنجاح والصمود.