Menu

أسطورة "شئول" في قصيدة "طباق" للشاعر محمود درويش (الأسطورة المخفية في الفكر الصهيوني المعاصر)

عبدالله جناحي - باحث وكاتب سياسي / البحرين

بوابة الهدف

للشاعر محمود درويش قصيدة طويلة عن صديقه المفكر إدوارد سعيد، وذلك بعد وفاته، بعنوان ("طباق" عن إدوارد سعيد)، وهي قصيدة رثائية، ولكنها سيرة مكثفة لأفكار إدوارد سعيد الفلسفية والثقافية والسياسية. وجدل "طباقي" بين مفكر وأديب، يشتركان في هموم وأحلام وقضايا مشتركة كفلسطينيين هاجرا للمنافي.

ورغم أن هذه القصيدة، تعتبر من القصائد التي لاقت نقاشات طويلة حولها، وكُتِبت عنها مقالات ودراسات، بل وأطروحات أكاديمية، تضمنت تفسيرات وتأويلات مختلفة حول مقاصدها، ودلالاتها، ورموزها، سواء أكانت تاريخية أم فلسفية أم دينية أم أسطورية. وبالفعل، فإن هذه القصيدة تحتمل كل هذه التأويلات وأكثر من ذلك. فهي تحتمل تطبيق مناهج نقدية متعددة. كالمنهج المقارن، وكذلك ممكن بالمقابل تأويل هذه القصيدة بمنهج (التناص) الديني والأسطوري والتاريخي. وغيرها من المناهج الأدبية والنفسية والرمزية والتفكيكية. ذلك أن قصيدة (طباق) من عنوانها تثير التساؤلات. وقد تساءلت الدكتورة فاطمة الوهيبي في مقالها المنشور على موقعها الإلكتروني: (فما هو الطباق هنا ومع من ولمن؟ ذلك ما لا يجيب عنه النص مباشرة، حتى إن كلمة طباق لا ترد في النص، ولكن مجمل النص يقص قصة الطباق في سرد شعري متماسك يتحاشى أن يبكي أو يرثى. ولا شك أن شاعراً كمحمود درويش يستحضر مفكراً كإدوارد سعيد لابد أن يكون منشغلاً بشيء غير البكاء والنواح الذي ألفناه في قصائد الرثاء، إذ إنه مشغول بقلق وجودي كبير أكبر من حادثة الموت: هو مشغول في (طباق) بما يسميه درويش في قصيدته "الحق في اقتسام الرواية". وحتى نستمتع بما في نص (طباق) من جماليات ودلالات يحسن أن ننتبه إلى أن الطباق في علم البديع هو "الجمع بين لفظين متضادين في معناهما". -استوحيت من هذا التعريف، تحليلي حول "الهاوية" في هذه القصيدة-. لكن الطباق في عرف محمود درويش في هذه القصيدة يبدو أوسع بكثير، إنه إشكالية وجود وقلق هوية. ولذلك لا غرو أن تحتشد في القصيدة المتناقضات والمتضادات في تقابل مستفز للتساؤلات ومثير لمتعة التأمل. لكن التضاد الأكبر بين الموت والحياة هو التضاد المتوقع طبعاً من قصيدة قد يظن أنها تأبينية أو رثائية فإذا بالموت يغيب وتحضر الحياة برموزها الكبرى). بيد أن في هذه القصيدة، نقرأ ما توحي بأن "الطباق" قد تعني "التطابق". أي الجمع بين معنيين متقابلين. وفي هذه القصيدة كثرة من هذا التطابق: تطابق فلسطين مع أمريكا، ويتطابق محمود مع إدوارد، وتتطابق سيطرة اللوبي الصهيوني في أمريكا والصهاينة في فلسطين، وتتطابق المبررات والعنف والإبادة ... إلخ. أما الطباق المجازي فهو موجود في القصيدة لكنه لا يشكل ثقلاً يرفع النص. ومع ذلك، كان "تأويلي" لمفردة "الهاوية" في القصيدة منحازاً للطباق المجازي وليس اللغوي.

"الهاوية"، حقيقة مخفية:

تركيزي في هذا المقال لا يقارن بتاتاً بتلك الدراسات الطويلة المُحكمة التأويلية والتحليلية والتفكيكية والتفسيرية لهذه القصيدة. وإنما يركز على جزئية صغيرة من هذه القصيدة الطويلة، ولكنها في اعتقادي هي حقيقة خطيرة ومخفية في الفكر التوراتي، والعقل الصهيوني المعاصر. وهي المتعلقة بـ(تأويل) مفردة (الهاوية)، تأويلاً دينياً وأسطورياً. وذلك عندما قال محمود درويش في قصيدته:

" إذن قد يصيبك داء الحنين

حنين إلى الغد ... حلمي يقود خطاي ورؤياي.

تُجلس حلمي على ركبتي، كقط أليف،

هو الواقعي الخيالي وابن الإرادة:

في وسعنا

أن نغيّر

حتمية (الهاوية)".

نعم، "في وسعنا أن نغير حتمية الهاوية". ما هذا التحدي الإيماني لدى درويش في تحدي جحيم يهوه، رب اليهود؟!.

القصيدة في السياق التوراتي الأسطوري:

ليس فقط الشعراء والروائيون وسيناريوهات المسارح والأفلام، وليس فقط محمود درويش، وليس فقط المفكرون والفلاسفة، وليس فقط إدوارد سعيد. بل كلنا، كل مواطن عربي متشرب من التراث الديني والأسطوري. يستخدم في حياته وخطابه تلك (الاستعارات) التي نحيا بها. استعارات من القرآن والإنجيل والتوراة، ومن أساطير الأولين، ومن الحكايات الشعبية والحكم والمقولات التراثية. هذه الاستعارات تتغلغل في حياتنا وتصوراتنا وأحاديثنا.

ولو تأملنا فكرة "الهاوية" في النص الديني- وهنا أقصد كل الأديان السماوية والأرضية. حيث تستطيع هذه النصوص الدينية المقدسة، وخاصة الأسطورية والفنتازية والخرافية منها، أن تخلق "هاوية" للإنسانية، فهذه النصوص بسلطتها قادرة على ابتلاع عقل وضمير الإنسان وتقييده في ظلمتها وجر الإنسان إلى ارتكاب المجازر والمذابح باسمها. وهذا ما تتجسد بحذافيرها في العقل والممارسة لدى الصهاينة كلهم، سواء السياسيين منهم أو رجال الدين أو المستوطنين والمغتصبين للأرض الفلسطينية. وهذا ما سنصل إليها كخلاصة لهذا التأويل في المقال.

في هذه القصيدة، تجد بعض المفردات التي تحمل دلالات أسطورية ودينية. ومن الممكن بوضوح تأويلها، مثل:

1-" عندما زرته في (سدوم) الجديدة... كان يُقاوم حرب (سدوم) على (بابل) والسرطان معاً"

(لا أدري أهذه بابل أم سدوم؟)

ومعركة سدوم ضد بابل معروفة في القصص الدينية التوراتية، وحتى القصص القرآنية. وواضح أن درويش يقصد بـ (بابل)، تلك المدينة التي دمرت وضاعت كدلالة لـ (سردية فلسطين الضائعة)، وذلك عندما تمكنت مملكة (سدوم) من الانتصار على بابل. وهنا سدوم هي السردية الصهيونية التي ألغت السردية الفلسطينية البابلية.

أما (سدوم الجديدة) فالمقصد منها، مدينة نيويورك الذي عاش فيها إدوارد سعيد مقاوماً شرساً لفكرة الاستشراق الغربي، والانحياز الأمريكي للسياسات الصهيونية في فلسطين، وبقية سياساته في الوطن العربي، ومقاوماً في آنٍ ذاته مرض اللوكيميا الذي أصيب به. وتساؤله يوحي بأن الولايات المتحدة ممكن أن تكون أيضاً مثل (بابل) يتم تدميرها من موبقاتها السياسية تجاه شعوب العالم.

2- هناك، على باب (هاويةٍ) كهربائيَّةٍ

بعُلُوِّ السماء، التقيتُ بإدوارد

قبل ثلاثين عاماً".

وهنا، يقصد بالهاوية، مكان سكن إدوارد في نيويورك، بناطحات سحابها، قبل أن نرى ناطحاتنا في بعض البلدان العربية. كانت بمثابة من يرى الهاوية وهو فوق هذا السحاب. هذا هو التفسير الظاهري/البراني لمفردة الهاوية، أما التفسير الباطني/الجواني للهاوية النيويوركية فهو ذات الهاوية الصهيونية. حيث النظرة الأمريكية لشعوب العالم النامي، بأنها شعوب متخلفة، مصيرها (الهاوية) التوراتية، ومنها الشعب العربي الفلسطيني، ولذلك فإن الوجود الصهيوني في فلسطين هو وجود حضارة راقية وسط منطقة متوحشة متخلفة.

3- سمعتُ (هنوداً)

قدامى ينادونني: لا تثِقْ

بالحصان، ولا بالحداثةِ.

لا، لا ضحيَّةَ تسأل جلاّدَها:

هل أنا أنتَ؟ لو كان سيفيَ

أكبرَ من وردتي… هل ستسألُ

إنْ كنتُ أفعل مثلَكْ؟".

وهذا ما جرى للشعب الأصلي في القارة الجديدة التي سميت بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تمت الإبادة الجماعية بحق (الهنود الحمر). وهي الدولة التي عاش فيها إدوارد سعيد حتى مماته، بعد أن خرج من فلسطين منفياً إلى مصر كلاجئ، ثم كمواطن أمريكي لاحقاً. هذه المقارنة بين ما جرى للشعب الأصلي في القارة الجديدة وبين ما جرى ويجري في فلسطين من إبادة أبشع على أيادي من مُورس مع أجدادهم وآبائهم إبادات الهولوكست النازية. ومقاربات بين أرض الميعاد للمهاجرين الإنجليز الإنجيليين المحافظين عند اكتشافهم لأرض الميعاد التي سموها في البدء بأرض إسرائيل وأورشليم قبل أن تسمى لاحقاً بالقارة الأمريكية، ومقاربة مع الفكرة الصهيونية باعتبار فلسطين أرض الميعاد التي وردت في دينهم اليهودي وأساطيرهم التوراتية. وهي مقاربة تندمج فيها فكرة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". هذه المقولة التي أصبحت سردية أمريكية لتبرير (بربرية) ممارساتها مع القبائل الهندية، والحضارة التي كانت متواجدة في تلك القارة قبل وصول الإنجيليين التوراتيين من بريطانيا، ولاحقاً من فرنسا، ومن ثم بقية شعوب أوروبا. وهي ذات المقولة التي روجت لها الحركة الصهيونية في فلسطين، والحضارات العريقة التي مرت عليها قبل ظهور الديانة اليهودية.

4- "وأدافع عن بلد خَطَفتْهُ (الأساطيرُ) ".

  • فالصهيونية استخدمت الأساطير الواردة في القصص التوراتية والحكايات الشعبية اليهودية بأن فلسطين ما هي إلا الأرض التي وعد ربهم (يهوه) بني إسرائيل بها. وهكذا تم اغتصابها واختطافها.

5- "لا عَدْلُ في صفحات الكتاب المقدَّس".

ولعل هذه الفقرة من القصيدة، هي الأقرب إلى معنى (الهاوية) موضوع هذا المقال. فالسردية الصهيونية دائماً تعتمد على نصوص التوراة، ككتاب مقدس لليهود، لتبرير اغتصابها لأرض فلسطين. وتعمل على (شرعنة) لاحتلال معاصر في بدايات القرن العشرين، وذلك من خلال تأويل أسفار كتاب تراثي، ديني، قصصي، كُتب في مراحل مختلفة من القرن الخامس ق.م. إلى القرن الثاني ق.م. وجاء لـ (يشرعن) لدين جديد في أرض تسكنها أجناس تؤمن بآلهات متعددة قديمة. هذا الكتاب الذي كتبه عشرات الناس القدماء، لا يمكن التعامل معه بأنه وثيقة (تاريخية) و(أثرية). ولذلك فالفلسطيني خاصة، وعموم العرب والشعوب الحرة، لا ترى هذه السردية الصهيونية المعتمدة على هذا الكتاب (المقدس)، بأنها تتضمن قيم ومبادئ العدل. ولذا "لا عدل في صفحاته".

"الهاوية" اسم الجحيم في التوراة: يقارن المفكر فراس السواح في كتابه (أساطير الأولين: القصص القرآني ومتوازياته التوراتية)، بين مفردة (الهاوية) ومقاصدها الدينية والأسطورية في النصوص التوراتية، سواء تلك الأسفار المعتمدة والقانونية منها، أو غير القانونية التي كانت منتشرة كقصص شعبية، ما لبثت أن تسربت في النصوص القانونية. ومنها تلك القصص التي تندرج تحت بند (الإسكاتالوجيا). وهي ذلك النوع من الأفكار الدينية المتعلقة بنهاية التاريخ والزمن الدنيوي، والدخول في الزمن المقدس المفتوح على الأبدية، وما يتصل بذلك من مسائل مصير الروح والبعث، والحساب والعقاب. ففي كتاب التوراة، تنسج التصورات عن حياة ما بعد الموت على منوال مثيلاتها في الديانات السومرية والرافدينية القديمة. فأرواح الموتى تهبط إلى العالم الأسفل المدعو بالعبرية "شئول" والتي ترد في العربية بعدة صيغ: فهي "الهاوية" و"الهاوية السفلى"، و"الجب الأسفل"، و"الحفرة السفلى". ويشير السواح إلى أن هذه الهاوية التي ترمز عن معنى "العبورية" من الحياة على الأرض إلى الفناء تحت هذه الأرض، حيث ظلمة وديجور لا يرى أهلها نوراً، وسكانها هم ظلال وأخيلة، والإقامة فيها أبدية، والطريق إليها لا يقود إلى خارجها، وأرواح الأخيار تمضي إليها مثل أرواح الأشرار بما في ذلك أرواح الأنبياء. "قد شبعت من المصائب نفسي وحياتي إلى الهاوية دنت... وضعتني في الجب الأسفل، في ظلمات في أعماقي" سفر أيوب. "الهاوية من أسفل مهتزة لك، لاستقبال قدومك، منهضة لك الأخيلة" سفر إشعياء. "هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد ولا يرجع بعد إلى بيته" سفر أيوب. والهاوية مهما امتلأت لا تشبع بل تطلب المزيد. "الهاوية والهلاك لا يشبعان" سفر الأمثال. هذا العالم الأسفل عبارة عن مملكة مستقلة لا سلطة لإله التوراة عليها، وأهلها لا يعرفون الرب وهو من جانبه قد نسيهم. والإقامة في الهاوية ليست مقدمة لبعث الجسد الميت وعودة الروح إليه، لأن الميت يضطجع ولا يقوم على حد تعبير التوراة. وموت الإنسان كموت البهيمة كلاهما يؤول إلى الفناء، وبالتالي فلا قيامة عامة للموتى في اليوم الأخير ولا بعث ولا نشور، أما الثواب والعقاب ففي هذه الدنيا وليس في اليوم الآخر. وهذا المفصل جد مهم للعقل الصهيوني والممارسة الصهيونية، بل وحتى العقل والممارسة الغربية الراهنة المعاصرة. حيث أن من لا يؤمن بيوم العقاب والثواب الإلهي، ولا بالجنة والنار. ولا يأبه بكل ذلك. يرى مستقبله "النهائي" في هذا العالم المادي، وعلى هذا الكوكب. فإما يحقق "فردوسه" أو "جحيمه" هنا، وبكافة الطرق والوسائل اللاأخلاقية والبربرية والوحشية. فحيث لا يوجد في إيمانه "هناك" فلم يفكر بالعقاب الأخروي هذا؟!. الجدير بالذكر أن الهاوية كانت من الأسماء التي أطلقها النص القرآني على الجحيم. وقد ورد ذكرها مرة واحدة في سورة القارعة حيث نقرأ {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ* وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ* فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ* نَارٌ حَامِيَةٌ}.

ويوضح السواح بأن هذا الموقف من مسألة البعث والقيامة العامة للموتى، المذكورة في أسفار: أيوب وإشعيا والأمثال بقي السمة العامة للأيديولوجيا اليهودية حتى القرن الأول قبل الميلاد، عندما انقسم الربانيون اليهود إلى فرقتين هما: فرقة الصدوقيين المحافظين الذين التزموا بالتفسير الحرفي للنص وأنكروا قيامة الموتى، وفرقة الفريسيين الراديكاليين الذين قالوا بقيامة الموتى استناداً إلى شريعة مفترضة غير مكتوبة أنزلها الرب على موسى إلى جانب الشريعة المكتوبة، وجرى تداولها شفاهة عبر أجيال الحكماء. وفكرة الشريعة غير المكتوبة هذه هي التي التقطها فيما بعد حكماء التلمود وأسندوا إليها كل التجديدات التي قدموها إلى الفكر الديني. هذه المسألة مفصلية ومهمة لتبيان أن اليهودية التوراتية لم تكن تؤمن حتى القرن الأول قبل الميلاد بالبعث والقيامة واليوم الآخر. فعلى الرغم من هذا الموقف اللاهوتي الواضح من مسألة البعث والحساب، إلا أن بعض محرري الأسفار التوراتية تركوا لنا إشارات قليلة وغامضة عن قيامة الأموات، فتحت الباب فيما بعد لمؤلفي الأسفار غير القانونية للتوكيد تدريجياً على هذه المسألة، ومن ثم إلى صياغة لاهوت متكامل بخصوصها. ومن المعروف أن سفر دانيال الذي أشار فيه لأول مرة فكرة البعث واليوم الآخر، هو آخر الأسفار القانونية، ويرجع تاريخ تدوينه إلى القرن الثاني قبل الميلاد، أي إلى الفترة التي بدأت فيها الأسفار غير القانونية بالظهور. إن اللاهوت التوراتي الرسمي لم يحسم أمره بخصوص القيامة العامة حتى هذا الوقت المتأخر.

ماذا أخذت الصهيونية من هذه الأسطورة؟:

حكام الكيان الصهيوني، يتعاملون مع الشعب الفلسطيني خاصة، وعموم المحيط العربي من خلال الفكرة الأساسية اللاحقة والمرتبطة بأسطورة العالم السفلي (شئول) أي الهاوية. وهي الفكرة التي اعتبرها محمود درويش (الحتمية) التاريخية التي ينفذونها منذ أن وطئت أقدامهم أرض فلسطين ولغاية الآن، وهي الحتمية التي يؤمن بها مؤسسو وحكام وتوراتيو الكيان الصهيوني. وهي الفكرة (الإسكاتالوجيا التوراتية) التي أوضحها السواح بأنها ذلك التاريخ الذي (ينتهي بيوم الرب الذي يدمر العالم القديم ويفني شعوبه من أجل التأسيس لملكوت الرب. وهذا الملكوت ليس ملكوتاً سماوياً يعيش فيه الأخيار ويعاقب الفجار كما هو الحال في المسيحية والإسلام، بل هو مملكة أرضية - في المخيال الصهيوني، الكيان الحالي هو تلك المملكة - هذه المملكة الأرضية تخلف ممالك العالم البائدة، يحكمها الإله يهوه بشكل مباشر وتكون بمثابة نعيم أرضي لبني إسرائيل. أما البقية الباقية من الأمم التي عبرت محنة اليوم الأخير فيتحولون إلى عبيد وخدم لشعب الرب). بعد أن تتأسس مملكة الأرض هذه، يدعو رب اليهود (يهوه) شراذم شعب بني إسرائيل من كل مكان ويريحهم في أرضهم إلى الأبد، ثم يسوق إليهم من بقي من الشعوب ليكونوا عبيداً لهم. "ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه. ويجمع منفي إسرائيل ويضم مشتتي يهودا من أربعة أطراف الأرض. لأن الرب يرحم يعقوب ويختار إسرائيل ويريحهم في أرضهم، فيقترن بهم الغرباء، وينضمون إلى بيت يعقوب، ويأخذهم شعوب ويأتون بهم إلى موضعهم، ويمتلكهم بيت إسرائيل في أرض الرب عبيداً وإماءً، ويسبون الذين سبوهم ويتسلطون على ظالميهم". "قومي استنيري (يا أورشليم) لأنه قد جاءك نورك ومجد الرب أشرق عليك. لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس للأمم. أما عليك فيشرق الرب، ومجده عليك يرى، فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك. وبنو الذين قهروك يسيرون إليك خاضعين، وكل الذين أهانوك يسجدون لدى باطن قدميك". بعد ذلك تدخل الأرض في حالة فردوسية من السلام!. هذه الأسطورة منتشرة في اللاهوت اليهودي، وهي مأخوذة من الأسفار القانونية، وذلك قبل أن تقوم الأسفار غير القانونية التي تسمى معظمها بـ(الهاجاداه). وهي أسفار شعبية في الأصل، وليست رسمية، في إضافة قصص جديدة حول البعث والقيامة خارج هذه الأرض- أي نفس القيامة المذكورة في الديانتين: الإسلامية والمسيحية. ولذلك، فإن المقاربة بين الديانتين السماويتين: المسيحية والإسلام من جهة، واليهودية من جهة ثانية سوف تكشف الفرق الجوهري لمعنى الخلاص، والوجود والعدم. فهناك في الإنجيل والقرآن: الخلاص، والعقاب والثواب، والجحيم والفردوس، والعذاب والنعيم، كل هذه الثنائية المتعارضة تتحقق بعد هذه الحياة الأرضية. هناك في اليوم الآخرة، القيامة القادمة، وكل المؤمنين بذلك، يرون حياتهم الراهنة مجرد محطة تمهيدية للوصول إلى تلك المحطة الأخيرة. أما في الديانة اليهودية، وفي جميع أسفار التوراة القانونية المعتمدة- فيما عدا سفر دانيال، كما أشرنا أعلاه- لا يوجد ذكر ليوم (القيامة) ولا يؤمنون بيوم الآخرة. حيث جل الأحلام والتمنيات التي يقدمه رب اليهود (يهوه) هي أرضية ومكافآت مادية، كالحصول على أرض فيها من العسل واللبن، وما تشتهيه الأنفس. وحتى غضب الإله وتدميره للمدن والحياة والبشر، هدفه العقاب على الأرض. فهناك ذات التصاوير الموجودة في الإنجيل والقرآن، كعلامات يوم القيامة. ولكنها تختلف عن الديانتين اللاحقتين بأن المسألة ليست هي لحظة البعث الجديد في عالم ما ورائي وغير أرضي، بل كل هذه التصاوير تدور على الأرض، وترجع الحياة والسلام والأمان من جديد على الأرض نفسها للبشر الأحياء الصالحين.

إسقاطات الأسطورة التوراتية على القصيدة:

عصارة الأسطورة التوراتية هي إذن: مملكة أرضية تخلف ممالك العالم البائدة، يحكمها الإله يهوه بشكل مباشر-يمثله مرحلياً الكيان الصهيوني- وتكون بمثابة نعيم أرضي لبني إسرائيل-المستوطنات وتحويل غزة والضفة إلى (جنة) للصهاينة. أما البقية الباقية من الأمم فيتحولون إلى عبيد وخدم لشعب الرب- أي كل المحيط العربي، والشعب الفلسطيني على قمتهم، ولعل جميع دول العالم التي قامت عبر مراحل التاريخ القديمة والحديثة بطرد اليهود ونفيهم وقتلهم وعزلهم في غاتوهات مغلقة-. لذا، فالحركة الصهيونية التي تنتظر ذلك اليوم التوراتي (السعيد) على أرض فلسطين. ذلك الحلم الذي أشارت له التوراة، هو النتيجة النهائية لأسطورة (الهاوية) التي صرخ حولها محمود درويش في قصيدته، وبكل ثقة:

"لنذهبْ الى غدنا واثقين

بِصدْق الخيال، ومُعْجزةِ العُشْبِ"

ودعا، دون تردد، بالمقاومة والجهاد:

"لا غَدَ في الأمس، فلنتقدَّم إذاً!

قد يكون التقدُّمُ جسرَ الرجوع

إلى البربرية".

نعم، (قد) نعيش مراحل من (البريرية)، ولكن، نحن:

"ابن الإرادةِ: في وسعنا

أن نُغَيِّر حتميّةَ الهاوية!".

تلك (الهاوية) التوراتية التي لا تؤمن إلا بوجود (شراذم) من البشر، مشتتين في أصقاع العالم، هم بنو إسرائيل فقط، وباقي شعوب العالم عبيد وخدم وسبايا وإماء لديهم. ودرويش هنا، أصبح فيلسوفاً ونبياً تنبأ بأن قوماً لا يعرف في حياته إلا أنهم (ضد) بقية الأقوام، هم بالأساس قوم ميتون في الأصل، لا حياة فيهم. وهذا جوهر مستقبل الكيان الصهيوني الذي يعيش حياة لا تعرف إلا أن الجميع ضد بني إسرائيل، وعليهم أن يكونوا عبيداً وسبايا لهم أو الموت مصيرهم. هذه الحياة هي الموت وليست الحياة. وهكذا توصل درويش إلى هذه الرؤية المصيرية لهذا الكيان:

"هل يقولون لي: لا مكان لحلمين

في مَخْدَعٍ واحدٍ؟".

"أقولُ: الحياةُ التي لا تُعَرَّفُ إلاّ

بضدٍّ هو الموت… ليست حياة!".