هنيئا لك كوزو أوكاموتو أو أحمد الياباني الاسم الذي يحلو لرفاقك في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مناداتك ... لقد تحقق حلمك وأصبحت فعلا نجما في السماء رغم قسوة ما تعرضت إليه من تعذيب تفنن جلادو المُحتل في تسليطه عليك في مسعى لانتزاع روحك المُقاتلة، وتبديد حلمك في التحول إلى نجم ساطع ينير درب الثوار الأمميين الذين مازالوا على عهد باقون.
هنيئا لك تدثرك بعلم فلسطين، وبراية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأنت تُشيع إلى مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية في بيروت بالقرب من مخيم شاتيلا، حيث يرقد بسلام قادة كبار بينهم غسان كنفاني وأبو ماهر اليماني ومروان الفاهوم ونضال عبد العال، وكذلك أيضا أبو حسن سلامة، وكمال عدوان وكمال ناصر، وأبو يوسف النجار، وغيرهم كثيرون.
هنيئا لك وقد رحلت في هذا الزمن الآسن الذي تكالبت فيه قوى الشر الإمبريالية والصهيونية على المقاومين في ساحات النضال المُمتدة على طول الخارطة العربية، ومع ذلك وجدت الكثير من رفاق دربك ليودعوك إلى مثواك الأخير، ليتحقق بذلك حلمك الذي راودك لأكثر من 50 سنة في التحول إلى نجم في السماء، وهو الحلم الذي سطعت به أمام المحكمة العسكرية الصهيونية بكل شجاعة وثقة في عدالة ومشروعية القضية الأممية التي آمنت بها.
في ذلك الوقت، وبالتحديد في شهر يوليو من العام 1972 أي بعد أقل من شهرين على اعتقالك بعد إصابتك بجروح بالغة أثناء تنفيذ عملية " باتريك أرغويللو " التي تُعرف على نطاق واسع باسم "عملية مطار اللد" (مطار بن غريون حاليا) في 30 مايو 1972، وقفت شامخا أمام قاضي المحكمة العسكرية الصهيونية ابراهام فريش لتقول "...إنني بصفتي جنديا في الجيش الأحمر الياباني، أحارب من أجل الثورة العالمية، وإذا متُ فسأتحول إلى نجم".
وتقول فوساكو شيغينوبو قائدة الجيش الأحمر الياباني في ذلك الوقت، والتي كانت تُعرف باسم مريم في ساحات النضال، "في العام 1972، وبينما كان أوكاماتو مع رفيقيه اليابانيين ياسويوكي ياسودا وأوكوديرا تسويوشي يتأملون السماء المرصعة بالنجوم فوق معابد بعلبك بلبنان، قبل تنفيذهم لعملية "مطار اللد"، قالوا "إذا استشهدنا في النضال، فسنغدو نجوما من نجوم الأوريون".
ونجوم الأوريون التي تُعرف أيضا باسم " كوكبة الجبار" هي إحدى ألمع وأشهر كوكبات سماء الليل، وهي تتميز بوجود حزام الجبار الذي يتكون من ثلاثة نجوم متناسقة تتصف بالضوء الشديد، هي النطاق، النظام، والمنطقة، وتبعد عن الأرض مسافات تتراوح بين 800 و2000 سنة ضوئية، إلى جانب ضمها لأجرام عملاقة مثل سديم الجبار الذي يُعتبر واحدا من أشد السدائم بريقا على الإطلاق.
وتُضيف مريم أن أوكاموتو استحضر تلك الكلمات لاحقا أمام المحكمة العسكرية الصهيونية، ليقول " ...إذا متُ فسأتحول إلى نجم"، مؤكدا بذلك عهده بأن يبقى، روحاً وموقفا، مقاتلا إلى جانب كل من يقاوم الاحتلال الإسرائيلي من أجل تحرير فلسطين".
رحل أوكاموتو ...رحل أحمد الياباني، ليتحول إلى نجم في السماء، إلى أيقونة للنضال الأممي المناهض للإمبريالية والصهيونية، الذي جمع الكثير من المناضلين من مختلف دول العالم تحت راية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي جسدت على أرض الواقع مفهوم النضال الأممي في أكثر من عملية نُفذت باحترافية وبشغف ثوري قل نظيره على امتداد جبهات القتال تحت شعار "وراء العدو في كل مكان " الذي أطلقه القائد الشهيد وديع حداد(أبوهاني) في سبعينيات القرن الماضي.
رحل أوكاموتو... لكن أسمه سيظل محفورا في سجل الخالدين من الثوار الأشاوس الذين مازال العديد منهم على قيد الحياة، وقد شاهدت بعضهم في جنازته التي بثت قناة "الميادين" مشكورة لقطات منها، حيث تسمرت أمام شاشتها لمُتابعتها بكثير من الأحزان وكثير من الذكريات الجميلة التي هاجت فجأة لتُعيدني إلى زمن جميل، زمن فيه رفاق ورفيقات ثوار وثائرات كتبوا أسطرا طويلة في صفحات ناصعة من تاريخ النضال الأممي.
تذكرت فوساكو شيغينوبو(مريم)، وماساو أداتشي (نبيل)، وقاسم الياباني، وكذلك أيضا مارك رودين (جهاد منصور)، والقائد الشهيد أبو علي مصطفى ، وأبو أحمد فؤاد ومروان الفاهوم، وغسان (الكويت)، حيث بدأت الصور تتوالى في مشاهد متلاحقة كأنها تندفع باتجاه إبراز ذلك الجزء من حياتك الذي تشتاق إليه والذي تركته في مكان آخر، وسط مناطق داكنة لا يمكن الاقتراب منها، تخومها مُحاطة بالأشواك، ولا يُسمح الاقتراب منها حتى وإن كان الشخص المعني رفيق سلاح.
تذكرت أوكاموتو والأسابيع القليلة التي عشتها معه داخل بيت واحد، كان ذلك في العام 1985 في دمشق وبالتحديد في منطقة الجسر الأبيض، حيث كان هناك منزل قد استأجره بسام أبو شريف (أبو عمر)، واتخذه الجيش الأحمر الياباني مكانا للإقامة فيه، وقد انتقلت للإقامة فيه أيضا مع نبيل وعدد آخر من الرفاق اليابانيين في العام 1984، تاركا بذلك المنزل الذي كان يُقيم فيه قاسم الياباني في مخيم اليرموك، وذلك لاعتبارات لا مجال لذكرها الآن.
قبل العام 1985، لم أكن أعرف أوكاموتو، بمعنى لم ألتق به باعتبار أنه كان قد نفذ "عملية اللد " في العام 1972، بينما لم أكن قد التحقت بالجبهة الشعبية بعد، لكنني كنت أعرفه من خلال الكتابات والصور والوثائق التي كانت بحوزة نبيل، بالإضافة إلى أغنية "أحبك يا أوكاموتو" التي أنشدتها فرقة ابن رشيق التونسية انطلاقا من قصيدة "رسالة حب إلى أوكاموتو" التي كتبها الشاعر التونسي، المختار اللغماني عام 1977 في تحية منه لأوكاموتو.
كان نبيل يُحب دائما التذكير بهذه القصيدة خلال الجلسات مع الرفاق في الجبهة حيث يقول مطلع القصيدة " أوكاموتو أحبك يا أوكاموتو***أحبك يا أخي الانسان، وتنتهي بـ "مات جميع الأبطال*** ومازال الإنسان أوكاموتو"، حتى أنه حاول ذات مرة أن يُغنيها أمام عدد من أنصار الجيش الأحمر الياباني أثناء زيارتهم لدمشق تحت غطاء وفد صحفي.
خلال العام 1985، نجحت المفاوضات غير المباشرة بين الجبهة الشعبية-القيادة العامة- بقيادة أحمد جبريل والسلطات الإسرائيلية في إبرام صفقة تبادل الأسرى التي أفرجت إسرائيل على أثرها عن1150 أسيرا فلسطينيا وعربيا وأمميا، مقابل إطلاق سراح ثلاثة جنود إسرائيليين أُسروا في لبنان أثناء الاجتياح في العام 1982.
في مايو 1985 تم نقل الأسرى المفرج عنهم إلى ليبيا ، ثم نقلوا بعد ذلك إلى دمشق حيث تم تنظيم حفل استقبال يليق بهم وبنضالهم داخل المطار الدولي بدمشق، وكان من بين المفرج عنهم أوكاموتو بطل عملية "مطار اللد"، بالإضافة إلى عدد من الأبطال الآخرين منهم أبو حنفي بطل عملية عنتيبي في العام 1976 التي شارك فيها عدد من الرفاق الألمان الأمميين.
قبل ساعات من وصول الطائرة التي كان على متنها المحررون الأبطال إلى مطار دمشق الدولي، طلب مني نبيل مرافقته إلى المطار لاستقبال أوكاموتو، ركبنا سيارة أمنها لنا بسام أبو شريف وكانت معنا مريم التي كانت تغطي شعرها بوشاح أحمر في محاولة لعدم لفت الانتباه خاصة وأن العديد من وسائل الإعلام الدولية بينها العديد من القنوات التلفزيونية اليابانية حاضرة لتغطية هذا الحدث التاريخي.
أمام مدخل المطار، إلتقينا بالشهيد أبو خليل المحتلة (محمد خليل وشاح) وجبريل عوض الذي كان وقتها يحمل كاميرا كبيرة وهو يحاول تجهزيها لتوثيق هذا الحدث، سلما علينا، ثم دخلا بسرعة إلى بهو المطار، بينما أخذنا نحن الثلاثة زاوية بعيدة عن الأضواء بانتظار استكمال الاحتفال بالمحررين الذي دام أكثر من ساعة، ليأتي إلينا مُسرعا أحد مرافقي الشهيد القائد أبو علي مصطفى قائلا "...هل سيارتكم جاهزة؟".
أومأ نبيل برأسه، ثم التفت نحوي فقلت"...كل شيء جاهز رفيق"، عندها قال المرافق "...تمام تمام اذهبوا إلى الزاوية اليمنى من باب خروج كبار الزوار... انتظروني سأكون هناك"، تمتم نبيل هامسا في أذن مريم التي تحركت بعدها مباشرة نحو السيارة التي لم تكن بعيدة عنها، بينما تحركت أنا ونبيل نحو المكان المُحدد، ولم تمضي دقائق معدودة حتى خرج رفيقنا ومعه شخص آخر لم يسبق أن رأيته، وفي وسطهما شخص مُقوس الظهر يرتدي بذلة عسكرية وموشحا بالكوفية الفلسطينية.
هرع نبيل ومسك بذلك الشخص، بينما تقدمت أنا خطوات نحو مخرج المطار نحو السيارة التي كان محركها يعمل، ... فتحت الباب وانتظرت قليلا حتى وصل نبيل ومن معه، فأدخل ذلك الشخص إلى جانب مريم في المقعد الخلفي، ثم ركب نبيل معهما قائلا "...أوكي"، عندها ركبت في المقعد الأمامي وطلبت من الرفيق السائق الانطلاق إلى دمشق.
في الطريق كان الصمت يلف السيارة، إلى أن خاطبني الرفيق السائق قائلا "إلى أين...حي التضامن أم الجسر الأبيض؟، همهم نبيل ثم قال "الجسر الجسر"، ثم ساد الصمت مرة أخرى، إلى أن وصلنا المنزل، حيث أسرع نبيل في النزول مساعدا مريم على إخراج ذلك الشخص الذي لم يكن سوى أوكاموتو، حيث دخلنا المنزل بسرعة، وهناك كان في الانتظار عدد من أعضاء الجيش الأحمر، بالإضافة إلى مُمرضة يابانية كانت مُتطوعة في مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني بالمزة بدمشق الذي يُعرف رسميا باسم مستشفى يافا الجراحي.
تم إدخال أوكاموتو إلى غرفة كانت مُعدة مسبقا له، ومنذ ذلك الوقت تغير الوضع في المنزل، حيث قلّت زيارات الرفاق، وأصبحت الحركة خفيفة، كما تراجع عدد الرفاق اليابانيين، حتى أصبحنا أربعة فقط، وخامسنا أوكاموتو، كنا نتقاسم الوقت لاعتناء به في ورديات رسمها نبيل الذي كان كثيرا ما يُردد "الرجاء لا تسمحوا له بالتدخين بكثرة".
كان أوكاموتو في ذلك الوقت نحيل الجسم، قليل الكلام، كثير التمتمة، والسيجارة دائما بين أصابعه، وعندما كنا نجتمع على طاولة الأكل في بعض الأحيان، كان دائما يُفضل تناول الحساء على غيره من الأطعمة الأخرى، ينظر إلينا بخجل، وبابتسامة خفيفة تحمل الكثير من المعاني، حتى أنني لم أسمع منه طيلة فترة مكوثه معنا سوى كلمتين أو ثلاثة أذكر منها " أليقاتو" بمعنى شكرا، ونانديسكا" بمعنى ماذا.
لم يمكث أوكاموتو طويلا في منزل الجسر الأبيض، حيث تم نقله إلى البقاع، ثم إلى بيروت، لكن أذكر أنه قبل أسبوع من نقله، نظمت مريم ونبيل حفل تكريم له داخل المنزل حضره عدد من قيادة الجبهة الشعبية أذكر منهم بسام أبو شريف وعبد الرحيم ملوح، وتيسير قبعة، ومروان الفاهوم، بالإضافة إلى عدد من الرفاق الأمميين، منهم هاكوب هاكوبيان (الجيش الأرمني السري)، وأبو حنفي، وأبو عبود الذي قدم نفسه كمندوب عن عبد الله أوجلان، بالإضافة إلى مارك رودين (جهاد منصور) وصديقته لميس.
في ذلك الحفل جلس أوكاموتو قليلا، ثم غادر لكنه قال "فلسطين فلسطين" ملوحا في نفس الوقت بشارة النصر بيده اليمنى بينما كانت سيجارة يتطاير دخانها بين أصابع يده اليسرى، لتكون تلك آخر صورة له بقيت محفورة في ذاكرتي، باعتبار أنه تم نقله بعد أسبوع من ذلك الحفل إلى البقاع، بينما كنت خارج سوريا في مهمة نضالية أخرى شاركني فيها مارك رودين (جهاد منصور)، الذي بمجرد أن رآني في مكان اللقاء المُحدد حتى قهقه ثم اقترب مني وقال بلغته الفرنسية الجميلة ما معناه " مرة أخرى أنت...سنشكل ثنائيا رائعا لصنع التاريخ".
ذلك جزء بسيط من تلك الذكريات التي هاجت وأنا أتباع جنازة تشييع أوكاموتو إلى مثواه الأخير، ليرقد بسلام إلى جانب رفاقه اليابانيين الذين وهبوا حياتهم لفلسطين التي تبقى بوصلة كل الثوار الأحرار في مختلف أنحاء لعالم.
وداعا أوكاموتو، ودعا أيها الثائر الذي جسد روح النضال الأممي، والعهد كل العهد أننا سنبقى على درب النضال الذي اخترناه بإيمان لا يلين رغم ادراكنا بأنه طويل ومتعرج، صعب ومتشعب، تضاريسه متنوعة، وشعابه خطيرة... وداعا أوكوماتو وداعا أيها النجم الساطع من بين نجوم الأوريون.

