في صباح مشؤوم من 28 يونيو عام 1910، سار شاب في الرابعة والعشرين من عمره نحو حبل المشنقة بخطى ثابتة، لم تخنْه فيها قدماه، ولم يخفت فيها قلبه. كان اسمه إبراهيم ناصيف الورداني، صيدلي مصري درس في سويسرا وإنجلترا، وعاد إلى وطنه ليحمل همّه على كتفيه.
قبل أشهر، وتحديداً في 20 فبراير 1910، أطلق الورداني خمس رصاصات على بطرس غالي باشا، رئيس وزراء مصر الذي كان - في عين الشعب - رمزاً للخيانة والتواطؤ مع الاحتلال البريطاني. كان غالي قد وقّع على تمديد امتياز شركة قناة السويس 40 عاماً إضافية، وساهم في محاكمة فلاحي دنشواي الظالمة عام 1906 التي أعدمت أربعة مصريين. رأى فيه الورداني "خائناً للوطن"، وأصرّ على أنه غير نادم على فعلته.
المفتي المصري رفض الإعدام، لكن القاضي البريطاني لم يتردد. حُكم على الورداني بالشنق. وفي يوم التنفيذ، خرجت الجماهير المصرية المحتشدة تودع بطلها بهتاف حزين ومرتجف:
"قولوا لعين الشمس ما تحماشي.. أحسن غزال البر صابح ماشي!"
كانوا يناشدون الشمس ألا تلفح جبينه في ساعة الوداع الأخيرة، وكانوا يطلقون على الورداني لقب "غزال البر" لحسن طلعته وجمال روحه.
من هتاف الشعب إلى أغنية خالدة
ظلت الكلمات عالقة في الذاكرة الشعبية لعقود، حتى جاء الموسيقار بليغ حمدي ليجوب قرى الصعيد بحثاً عن الموروث الشعبي. وفي لقاء جمع بينه وبين الشاعر مجدي نجيب في ستينيات القرن الماضي، حمله الحماس لتحويل ذلك الهتاف التاريخي إلى قصيدة غنائية.وهكذا ولدت الأغنية التي غنتها شادية عام 1966 بروحها العذبة وصوتها الشجي، لتتحول إلى واحدة من أعذب الأغاني العاطفية والوطنية في تاريخ الموسيقى العربية.
أغنية للعشاق والثوار والأمهات
اليوم، لم تعد "قولوا لعين الشمس" مجرد أغنية عن واقعة تاريخية. صارت أغنية الوجع والفقد التي يرددها العشاق الذين فرقتهم المسافات، والأمهات اللواتي رحل أبناؤهن، وكل من ودع حبيباً أو بطلاً.
كلماتها البسيطة تحمل في طياتها أسىً عميقاً:
"قولوا لعين الشمس ما تحماشي.. أحسن حبيب القلب صابح ماشي"
إنها دعوة للشمس أن تترفق، ونداء للحياة أن ترحم.
وهنا تأتي المفارقة الأعمق في هذا النص، وفي حياتي أنا شخصياً:
يوم 28 يونيو لا يخلد ذكرى إعدام البطل الورداني فقط، بل هو أيضاً تاريخ ميلادي أنا.
بينما كان إبراهيم الورداني يخطو خطواته الأخيرة نحو المشنقة تحت وهج الشمس الظامئ، كنتُ أنا - بعد عقود من ذلك اليوم - أخطو خطوتي الأولى في هذه الحياة تحت ذات الشمس. لم أمشِ نحو الموت كما مشى هو، بل مشيتُ نحو الضوء والبدايات.
لهذا، حين أسمع هذه الأغنية، لا أسمعها كرثاء للموت فقط، بل كـ ترنيمة للحياة. وكأن القدر أراد أن يجمع في هذا اليوم الواحد بين أقصى درجات الفداء (رحيل الورداني) وأعذب معاني الهدية (ميلادي). ربما هذا هو سر تعلقي العميق بهذه الأغنية؛ لأن شمس ذلك اليوم التي أحرقت جبين الورداني، هي ذاتها التي أضاءت لي الطريق إلى الدنيا.
إبراهيم الورداني مشى إلى المشنقة حافياً، ولكن اسمه بقي يخطو على القلوب. وأنا، بفضل ميلادي في هذا اليوم، أشعر أن جزءاً من روحه ووهج ثورته يسري في دمي. الأغنية ليست لهم وحدهم.. إنها لي أيضاً.

