«الإنسان في نهاية الأمر قضية». لم تكن هذه العبارة عند غسان كنفاني مجرد تأملٍ فلسفي، بل تعريفًا للإنسان نفسه. فالإنسان لا يُقاس بأصله أو لغته أو دينه، وإنما بالقضية التي يختار أن يهبها حياته. وربما لم تجد هذه الفكرة تجسيدًا أصدق من كوزو أوكاموتو؛ الياباني الذي لم تربطه بفلسطين رابطة دمٍ أو أرض، بل رابطة عدالة. لم يأتِ إليها سائحًا ولا مغامرًا، بل جاء لأنه رأى أن الظلم، أينما وقع، يمس إنسانية الجميع. وهنا يولد السؤال الذي يختصر فلسفة المقاومة: لم لا؟
لم لا يصبح الإنسان ابنًا لقضية عادلة، حتى لو كانت خارج حدود وطنه؟
هذا هو المعنى الذي آمن به وديع حداد. لم يكن يرى فلسطين قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية الضمير الإنساني. لذلك سعى إلى تحويلها من جغرافيا محتلة إلى قضية أممية، فوجد في رفاق الجيش الأحمر الياباني صورةً للتضامن العابر للقارات. وفي الوقت نفسه، كان غسان كنفاني يخوض المعركة نفسها بلغة أخرى؛ مؤمنًا بأن تحرير الوعي شرط لتحرير الأرض، وأن الكلمة قد تؤسس لما تعجز عنه البنادق وحدها. وهكذا فتح وديع جبهة المقاومة، بينما فتح غسان جبهة الذاكرة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يكتب الشاعر التونسي مختار اللغماني، من داخل سجنه، قصيدته إلى أوكاموتو، لا لأنه ياباني، بل لأنه صار رمزًا لإنسان اختار العدالة وطنًا:
أحبّك يا أوكاموتو
أحبّك يا أخي الإنسان
ولست أخي في الدين
ولست بقارئ القرآن
ولست من “خير أمة قد أخرجت للناس”
فحين حبول البركان
تذوب جميع الأجناس
وتسقط كل الأديان
سقطت كل التيجان
مات أبطال الروم
ومات أبطال اليونان
ومات عنترة وعلي بن السلطان
مات جميع الأبطال…
وما زال الإنسان…
أوكاموتو.
ليست هذه القصيدة مديحًا لرجل، بل إعلانًا لانتصار الإنسان على الحدود الضيقة. ففي لحظة العدالة تتراجع الجنسيات، وتتلاشى الفوارق، ويبقى الإنسان وحده معيار البطولة.
واليوم، ونحن نودع كوزو أوكوموتو، لا نرثي مقاتلًا أجنبيًا قاتل من أجل فلسطين، بل نودع شاهدًا على زمنٍ كان يؤمن بأن القضايا العادلة لا تعرف جنسية، وأن الحرية قادرة على أن تجمع أبناء هيروشيما مع أبناء فلسطين في خندقٍ واحد. لقد التحق برفاقه الذين سبقوه، لكنه ترك وراءه سؤالًا لا يزال يقاوم الموت.
لم لا؟ لم لا يكون الإنسان أكبر من جواز سفره؟ ولم لا تصبح العدالة وطنًا؟ ولم لا تكون فلسطين مرآةً يختبر فيها العالم ضميره؟
ربما لهذا لم يكن كوزو أوكاموتو مجرد مقاتل، كما لم يكن غسان كنفاني مجرد كاتب، ولا وديع حداد مجرد قائد. كانوا جميعًا إجابات مختلفة عن السؤال نفسه. لذلك، فإن الكلمة التي كتبها غسان، والفكرة التي حملها وديع، والحياة التي وهبها كوزو لفلسطين، تقول الحقيقة ذاتها: إن التاريخ لا يُصنع بمن يسألون: لماذا؟ فقط، بل أيضًا بمن يملكون شجاعة أن يسألوا: لم لا؟

