Menu

الجزء الاول

لماذا يستثمر الأفارقة في فلسطين؟

رامي خريس

قرأتُ قبل فترة قصيرة خبرا اقتصاديّا محليّا لافتا يقول متنه المليء بالأرقام أنّ الاستثمارات الأجنبيّة في سوق فلسطين للأوراق الماليّة بلغت خلال العام الماضي 1.43 مليار دولار. وأنّ هذه الاستثمارات جاءت من مُستثمرين أردنيّين وأفارقة وخليجيّين وأوروبيّين وأمريكيّين على التوالي، وأنّها ازدادت بنسبة 43% عن مستوياتها في العام 2014. 

الخبر هُنا يبدو عاديّا وهامشيّا جدا، لكنّك حين تتأمّل فيه مُجدّدا لا تمنع نفسك من طرح السؤال: ما الذي يدفع برجال أعمالٍ من أفريقيا والخليج العربيّ وأوروبا للاستثمار في البورصة الفلسطينيّة بينما يشكو غالبيّة الفلسطينيّين من أعلى مُعدّلات البطالة والفقر في العالم، وفيما يرزح الاقتصاد الفلسطينيّ بأكمله تحت سلطة الاحتلال وقيوده؟ ولماذا لا يُؤثّر تصاعدُ عدد الشهداء وارتفاع منسوب الاشتباك مع الاحتلال في شوارع الضفّة الغربيّة على مُؤشّرات البورصة الفلسطينيّة التي يقبع مقّرها في قلب نابلس؟ 
الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بفهم طبيعة البورصة وطريقة عملها. حين يُقرّر أحدهم تسجيل شركته في البورصة حتّى يصبح تداول أسهمها مُتاحا لأيّ شخص، فإنّ عليه الالتزام بمجموعة من المعايير المُحاسبيّة والتنظيميّة وعلى رأسها معيار "الإفصاح"، والذي يُلزم هذه الشركة بالكشف عن كامل تفاصيلها الماليّة مثل استثماراتها ونفقاتها وأرباحها السنويّة، وذلك حتّى تتوفّر للمُساهمين فيها ولغيرهم من المضاربين، المعلومات الكافية التي تؤهلهم لاتخاذ قرارات بيع وشراء الأسهم بما يحقّق لهم أعلى العوائد. 
في البلدان النامية التي لم تكتمل فيها البيئة القانونيّة والمؤسّساتيّة المُنظمة لهذا النوع من الأنشطة، والتي لا تتوافر على "ثقافة" الإفصاح في البزنس والتي تفتقر لقطاعٍ بنكيّ حديث ويحتلّ فيها القطاع غير الرسمي وزنا مُعتبرا في توليد الدخل، تكون البورصات ضعيفة وذات قيمة سوقيّة متواضعة ولا تتوافر على الكثير من الشركات المُدرجة. ولذلك، وعلى العكس من البورصات الغربيّة التي تعكس مُؤشّراتها أوضاع "الاقتصاد الحقيقي" بشكلٍ جيّد، فإنّ انخفاض مؤشّرات البورصة بشكلٍ حادّ في أحد البلدان النامية لا يعني بالضرورة دخول اقتصاده في أزمة كبيرة (في منطقتنا مثلا، تتأثّر البورصات العربيّة غالبا بالتغيّرات في اقتصاديّات الخليج العربي أكثر ممّا تتأثّر بعوامل داخلية وذلك بسبب الدور المركزي للخليج كمصدر للاستثمارات للعالم العربي). 
هذه الأسباب تُرتّب نتيجة هامّة: في البلدان النامية تعتمدُ قيمة البورصات السوقيّة وفاعليّتها كمصدرٍ من مصادر التمويل على مجموعة صغيرة من الشركات التي تتركّز في قطاع الخدمات غالبا. والتركّز حول هذا القطاع سببه أنّه أكثر القطاعات "حداثة" في هذه البلدان، لأنه يرتبط برؤوس أموال خارجيّة، ولأنّه بارتكازه على شركات الاتّصالات والتكنولوجيا والبنوك بشكلٍ خاص يخضع لمعايير ولوائح واتفاقيّات دوليّة إلزامية تجعله يمتلك الثقافة والأدوات والبنى التنظيميّة والماليّة التي تُؤهّله ليكون جزءا طبيعيا من مجتمع المال والأعمال المُعولم .. لكن ما علاقة كلّ هذا الكلام بالأسئلة التي طرحناها في البداية؟ للحديث بقيّة.