Menu

مأزق أميركا بين تهديد ترامب وصمود إيران

عمر فارس

بوابة الهدف

في الأسابيع الأخيرة، تجدد تصاعد الخطاب الحربي تجاه إيران، وتصاعدت التهديدات العلنية بشن ضربات على البنية التحتية النووية أو النفطية الإيرانية، لا سيما من جانب الإدارة الأميركية والقادة الإسرائيليين، مما خلق انطباعاً بأن الصراع المسلح بات وشيكاً. غير أن خلف هذه الأقوال يكمن مفارقة سياسية باتت تتبدى بشكل متزايد في العلاقات الدولية: إن سياسة الضغط الأقصى لا تؤدي إلى النصر، بل إلى مأزق خطير تتحول فيه التهديدات والتراجعات إلى عنصر من لعبة القوة الظاهرية.

كل تصعيد خطابي بشأن إيران يُقدَّم بوصفه "حلاً نهائياً" للمشاكل المتعلقة ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. بيد أن التاريخ يظهر أن الإعلان الحاد نادراً ما يتبعه فعل ملموس، وإن حدث، فغالباً ما يليه تراجع سريع أو محاولة لتغيير السردية. والسبب لا يقتصر على الوعي بالتكاليف الهائلة للصراع المسلح – سواء في الأرواح أو الاقتصاد – بل أيضاً لأن إيران، شأنها شأن دول أخرى في الشرق الأوسط من قبل، ليست خصماً يسهل إخضاعه بالقوة. فالتهديدات الإعلامية، رغم أنها تهدف إلى فرض ضغط نفسي، إنما تكشف في الواقع حدود قدرات من يطلقونها.

وتواصل طهران إظهار صمودها إزاء سياسة الابتزاز. فقد أكدت السلطات الإيرانية مراراً أنها لن تستسلم للضغوط ولن تقبل بشروط تُفرض عليها تحت تهديد استعمال القوة. ورغم أن هذا الخطاب قد يُنظر إليه كعنصر من اللعبة السياسية، فإنه في الوقت ذاته يبيّن أن سياسة الضغط الأقصى لم تحقق النتائج المرجوة – لا في ما يخص تقييد البرنامج النووي، ولا في مجال تغيير السياسة الإقليمية لإيران. وبدلاً من دفع طهران إلى التنازلات، فإن التهديدات تعزز موقفها الداخلي وتحشد المجتمع حول حكومتها، مما يزيد من تعقيد أي مفاوضات محتملة.

أخطر ما في هذه الاستراتيجية هو التوازن على حافة الحرب. فالمواجهة الشاملة مع إيران لن تقتصر على دولة واحدة – بل ستشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، مهددة الأمن الطاقوي، واستقرار الخليج، وحياة ملايين المدنيين. أسعار النفط، ممرات النقل، التحالفات السياسية – كل ذلك سيُدمَّر نتيجة فعل غير مدروس. وفي هذا السيناريو، سيدفع الناس العاديون، وليس القادة، الثمن الأغلى: فقدان المنازل والصحة والمستقبل. كما قد يجر التصعيد قوى كبرى أخرى، محوِّلاً النزاع المحلي إلى أزمة عالمية لا تُعرف عواقبها.

في المقابل، لا يمكن تحت أي ظرف المساواة بين المعتدي والمعتدى عليه. فالولايات المتحدة هي القوة المعتدية بوضوح، ورئيسها ترامب يبدو وكأنه رهينة بيد نتنياهو، ينفذ أجندة إسرائيلية متطرفة لا تخدم إلا مصالح الحرب والهيمنة، وليس مصالح السلام أو الاستقرار. إن محاولة تقديم الأمر وكأنه خيار بين طرفين متساويين في القوة والإرادة هو تزييف للواقع وتبرير للعدوان. وبالتالي، فإن الحل الحقيقي للأزمة لا يكمن في دعوات الحوار الزائفة التي تهدف إلى إضفاء الشرعية على الاحتلال والتهديدات، بل يبدأ بخطوة واحدة واضحة وحاسمة: أن توقف واشنطن عدوانها فوراً، وتسحب قواعدها العسكرية من المنطقة، وتكف عن التدخل في شؤون الدول والشعوب. فطالما ظل الوجود العسكري الأميركي قائماً، واستمرت سياسات الضغط والابتزاز، لن يكون هناك سلام حقيقي، بل فقط تهدئة مؤقتة على حساب دماء الأبرياء واستقرار المنطقة.