حتّى نفهم المعنى الاقتصاديّ الذي ينطوي عليه الحضور المُتنامي لقطاع الخدمات الحديث في البنية الاقتصاديّة الفلسطينيّة، يجدرُ بنا أوّلا التمييز بين نوعين من القطاعات الاقتصاديّة، وهما القطاعات "كثيفة العمل" والقطاعات "كثيفة رأس المال". الفارق بين هذين النوعين واضح، فبينما تكون الكميّة المطلوبة من العمالة لتشغيل المشروعات في الأوّل أكبر من كميّة رأس المال، يكون العكس هو الصحيح بالنسبة للنوع الثاني.
مصنع الخياطة هو ربما أبسط الأمثلة على المشروعات التي تندرج ضمن النوع الأوّل. فأنت حين تفتح مشروعا كهذا، تدفع تكاليف وضع ماكنات الخياطة في العام الأوّل، لكنّك تستمرّ على مدار عمر المشروع بدفع أجور العمّال الذين يُشغّلونه، فتكون هذه الأجور في المُحصّلة أكبر من التكاليف الاستثماريّة الأوليّة.
أمّا الأمثلة على المشروعات التي تندرج تحت النوع الثاني فكثيرة، ومنها مشروعات الاتّصالات والإنترنت مثلا، والتي يتطلّب تأسيسها استثمارا مُكلفا لوضع بنية تحتيّة من الأجهزة التقنيّة ومحطّات الإرسال والحصول على تراخيص التذبذبات والبرمجيّات الرقميّة التي ستعمل عليها خطوط الهاتف والإنترنت، وهو ما يجعل تكلفة رأس المال المطلوبة لتشغيلها أكبر من تكلفة العمالة.
التمييز هذا مُهم، لأنّ صعود أحد القطاعين على حساب الآخر في أيّ اقتصاد يُرتّب نتائج مؤثّرة على الطريقة التي يُحقّق بها هذا الاقتصاد دخله وعلى شكل توزيع الثروة وطبيعة سوق العمل فيه. فما هي النتائج الاقتصاديّة الأوسع التي تتمخّض غالبا عن صعود قطاع الخدمات؟
إنّ حاجة مشروعات الخدمات الحديثة لنسبة كبيرة من رأس المال يجعلها تحت هيمنة مجموعة صغيرة من المُسثتمرين الكبار الذين يمتلكون هذه الموارد أو جزء مُهمّا منها. فقد يستطيع رجل أعمالٍ صغيرٍ من غزّة مثلا فتح مشغل خياطة أو مشروع مقاولات، لكنّه لن يقوى بالتأكيد على تأسيس شركة اتّصالات أو بنك. ولذلك، فغالبا ما يرتبط هذا النوع من المشروعات بالاحتكارات وتستفيدُ من عوائده مجموعة صغيرة من رجال الأعمال في أعلى الهرم الاجتماعي.
ولأنّ رأس المال المطلوب لهذه المشروعات لا يتوفّر بالكامل محليّا، فإنّ تأمينه يعتمدُ غالبا على استقطاب الاستثمارات الأجنبيّة، وهو ما يعني أن جزءا كبيرا من عوائد هذه المشروعات لن يُعاد استثماره في الاقتصاد المحليّ. فأنت حين تُجري مكالمة عبر شركة "جوال" لا تضع مالك في جيوب منيب المصري وشركائه فقط، بل في جيوب طائفة واسعة من المستثمرين والمساهمين في أماكن مُختلفة من العالم أيضا.
وعلاوة على ذلك، فإنّ اعتماد مشروعات الخدمات الحديثة على التكنولوجيا والبرمجيّات يعني أنّها تستوعب نسبة ضئيلة من العمالة في السوق، نظرا لأنّها تحتاج نوعا خاصّا من الكوادر البشريّة التي تمتلك خبراتٍ تقنيّة وهندسيّة مُحدّدة. لذلك، فقد تأتي هذه المشروعات بالكثير من الاستثمارات الخارجيّة لكنّها لن تأتي بالكثير من الوظائف للاقتصاد المحلّي.
كان الموقع المُعتبر الذي وصله قطاع الخدمات في عمليّة إنتاج القيمة في الاقتصاديّات الغربيّة نتيجة لمسارٍ طويل من التراكم الرأسماليّ الذي بدأ على حلقات مُتسلسلة من منجم الفحم مرورا بالآلة بالبخاريّة وسكك الحديد وصولا إلى الصناعة الثقيلة. لكنّ الموقع المتنامي الذي وصله هذا القطاع في البلدان النامية كان جرّاء عمليّة فُرضت عليه من الخارج، في لحظة عالميّة انهارت فيها كلّ الحدود وأجبر فيها الجميع بدون استثناء على الجلوس على طاولة المُقامرة. لذلك، وعلى عكس ما تروّج أدبيّات المؤسّسات الدوليّة والأكاديميا الغربيّة، لم يكن لصعود قطاع الخدمات في البلدان النامية علاقة بالتنمية ولا بالنمو، وإنما بصعود نمط إنتاجٍ رأسماليّ جديد في الغرب أصبحت التكنولوجيا قاطرته الرئيسيّة لاستخلاص القيمة من الاقتصاديّات الطرفيّة بغضّ النظر عن الشروط القائمة في هذه البلدان وعمّا ستتمخّض عنه هذه العمليّة من نتائج على قاعدتها الإنتاجيّة وعلى قدرتها على حلّ مشكلات التوظيف، فالمهم هنا إبقاء هذه الدول أسواقا لكلّ ما يُنتجه المركز من جديد ومثير. ونحن في فلسطين، شئنا أم أبينا، ركبنا القاطرة وأصبحنا مجرّد سوقٍ آخر، صغيرٌ نعم، لكنّه سوق استهلاكي حقيقي ولاشيء أكثر من ذلك، وفي هذا الأمر، لو تعلمون، الكثير من المعاني السياسيّة التي قد يأتي يومٌ قريب نستنطقها بالمزيد من الأسئلة.

