Menu

ما بين الفيلم السنيمائي (السكين) لخالد حمادة وغسان كنفاني في (ما تبقى لكم)

موسى مراغة

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

يعد الأديب والسياسي الشهيد غسان كنفاني واحداً من أكثر أدباء العربية، من غير المصريين ممن اهتمت السينما بنتاجهم الأدبي وحولته إلى أفلام سينمائية. وعلاقة الشهيد غسان كنفاني بالسينما أخذت مستويين أولهما علاقته الشخصية المباشرة بالسينما من متابعات للأنشطة والنشرات وحركة النقد السينمائي وتأسيسه لقسم السينما في الجبهة الشعبية لتحرير فلسكين. أما المستوى الثاني لعلاقة الأديب الشهيد بالسينما تتبدى من خلال أعماله الأدبية التي نهلت منها السينما، وحولتها إلى أفلام روائية طويلة، وروائية قصيرة وأخرى أفلام وثائقية.

وفي هذا المقام نعرض للفيلم الروائي (السكين) والمأخوذ عن رواية (ما تبقى لكم) و من انتاج المؤسسة العامة للسينما في سوريا في العام 1972 ومن اخراج خالد حمادة.

والفيلم من تمثيل كل من بسام لطفي – سهير المرشدي – ورفيق سبيعي – وناجي جبر. ..وغيرهم ومن تصوير جورج لطفي الخوري والمونتاج قيس الزبيدي. والموسيقا ل صلحي الوادي.

بداية نشير هنا أن فيلم (السكين) كان أول فيلم للمخرج السينمائي خالد حمادة الذي أنهى دراسة السينما وتخرج من المعهد الوطني بباريس في العام 1955، وهو أحد الرواد الذين حرصوا على ادخال السينما إلى سوريا بشكل علمي وأحد الذين أوصوا بتأسيس مؤسسة للسينما في سوريا.

وفي لقاء صحفي مع المخرج حمادة يقول: " كانت قصة غسان كنفاني (رجال في الشمس) قد أسرتني من أول قراءة لها. فعزمت على تحويلها إلى عمل سينمائي، وفعلاً كتبت لها السيناريو وصورت العديد من المشاهد في العام 1963. إلا أن بعض العقبات الإدارية والظروف السياسية حالت دون متابعتي العمل". ويضيف خالد حمادة: " في العام 1970 قرأت (ما تبقى لكم) بعجل، وتركتها شهوراً ثم عدت لها، إن عمل فيلم سينمائي من تلك الرواية كان يتطلب جرأة فهي ليست بالرواية السهلة، إنها مليئة بالرموز والأفكار".

وفي نظرة متفحصة للفيلم السينمائي (السكين) نحن هنا أمام ثلاث شخصيات محورية، هي حامد ومريم وزكريا إضافة إلى بطلين آخرين في هذا العمل وهي ساعة الحائط في منزل مريم، والصحراء التي قطعها حامد في طريقه من غزة إلى الأردن.

ونحن هنا أمام الشاب حامد والذي يصدم في بداية حياته عندما يكتشف أن هناك علاقة عشق بين شقيقته مريم وبين زكريا وهو شخص متعاون مع الاحتلال الصهيوني. حيث أنه قدم نفسه واشياً عن أحد المناضلين الفلسطينيين. وأما هذه الصدمة( علاقة مريم مع زكريا) يقرر حامد الذهاب إلى أمه التي تقيم في الأردن، فيترك مقر إقامته في غزة مخلفاً وراءه شقيقته والرجل العميل الذي تزوجها. ويمضي الفيلم مصوراً رحلة حامد في الصحراء الفاصلة بين قطاع غزة في طريقه إلى الضفة الغربية ومنها إلى الأردن. وأثناء رحلته تلك يلتقي بجندي إسرائيلي كان قد ضاع عن مجموعته أثناء إحدى المناورات العسكرية، وفي جانب آخر وموازي لتلك الأحداث التي مر فيها حامد قدم لنا المخرج الصراع الي كانت تعيشه مريم من خلال قلقها على شقيقها حامد. إضافة إلى حالتها النفسية جراء الجنين الذي تحمله في أحشائها من خلال العلاقة الغير شرعية التي أقامتها مع زكريا قبل زواجها. ذلك الجنين الذي بدأ يرسل إشارات لقدومه بعد 5 أشهر من اعلان زواج مريم وزكريا.

ومن خلال سير أحداث الفيلم التي كانت تنتقل ما بين حامد ورحلته في الصحراء، وبين ما يدور في غزة من أحداث تخص زكريا ومريم والأحداث السياسية والاجتماعية التي يعيشها القطاع تحت الحكم العسكري الصهيوني.

إن المخرج أغرق فيلمه بأحداث (الفلاش باك) العودة إلى الماضي، وبشكل متعاقب وعفوي معتمداً على المنطق الزمني، ندر اعتماده على المنطق العاطفي، إن هذا الأسلوب الفني والذي اعتمده المخرج أحال الفيلم إلى مجموعة غير مترابطة من المشاهد يصعب على المتفرج العادي الالمام بها وفهمها وبالتالي متابعتها.

ومن الأمور التي يمكن أن تأخذ على المخرج، هو اهتمامه الجمالي بالصورة، خاصة أن المصور الفنان الذي كان له اليد الطولى في ذلك الجمال في التكوين والتنفيذ هو جورج لطفي الخوري والذي كان في بداياته، والذي حقق فيما بعد إبداعات كثيرة ومهمة في تصوير الكثير من الأفلام السينمائية.

ذلك الاهتمام الجمالي جعل المخرج يهمل تأسيس الصراع الحقيقي بين أبطاله، تأسيساً جيداً ومقنعاً. إضافة إلى ذلك يؤخذ على المخرج أمر غاية في الأهمية وهو ما أثر على العمل الفني بشكل عام، ألا وهو أداء الممثلين وانعدام احساسهم الدرامي في الأداء والتعبير الصوتي. حيث أن أداء الشخصيات أصابها البرود والأداء المدرسي، حيث طغت اللهجة الفلسطينية عند حامد (بسام لطفي) والسورية عند زكريا (رفيق سبيعي) والمصرية عند مريم (سهير المرشدي). خاصة إذا علمنا أنه في ذلك الزمن لم يكن الصوت يسجل مباشرة مع الأداء التمثيلي. بل كان يسجل بطريقة (البلاي باك). فأتى الأداء الصوتي فاقداً الإحساس الدرامي، مما حرم المشاهد النفاذ إلى داخل أعماق ونفسيات الشخصيات التي تتحرك أمامه على الشاشة.

إن ذلك الأداء التمثيلي للشخصيات رغم تلك المثالب والهفوات ظلت تشعرنا بشكل دائم بأنها شيء منا وأنها تمثلنا في مرحلة ما من مراحل حياتنا. وكل واحد منا يمكن أن يتصور نفسه أن يكون ذلك الشاب الذي يحلم بالهرب إلى عالم تتحقق فيه كرامته. أو هذه الفتاة التي لم تستطع أن تهرب من عارها إلا بالقتل.

إن (السكين) والتي حمل الفيلم عنوانها، هي السكين التي كانت بحوزة حامد والتي خلصها من الجندي الصهيوني الذي التقاه في الصحراء. وهي نفسها السكين التي تخلصت فيها مريم من زكريا عندما طعنته بها عدة طعنات أودت بحياته مخلصة نفسها من العار الذي لحقها جراء العلاقة التي حصلت بينهما والذي نتج عنه جنين زرعته الخيانة.

إن النهاية الدرامية في الصحراء عندما قتل حامد الجندي وأجهز بعدها على الدورية العسكرية التي جاءت تبحث عنه. تلك النهاية شابها الكثير من الضعف في الأداء والتمثيل مما شكل سلبية أخرى لمسيرة الفيلم وتنفيذه.

وفي الختام ورغم ما قد قيل عن الفيلم وما واجهه من انتقادات، إلا أن تلك المحاولة من المخرج والذي كان أول أفلامه والذي أراد أن يكون فيلمه الأول مميزاً ومغايراً ومختلفاً عن باقي الأفلام التقليدية والتجارية والتي كانت سائدة في تلك الفترة. وتعد تلك تجربة رائدة أسست لنهضة سينمائية قادمة رأينا نتائجها في كثير من الأفلام السينمائية الرائدة والتي حمل لوائها نخبة من المخرجين الشباب الذين شكلوا إضافة وقيمة نوعية لمفهوم السينما الرائدة التي حملت فكراً وفناً في خدمة المجتمع والقضايا الإنسانية الرائدة التي حملتها مضامينها.