Menu

الصحفي والصحافة (غسان والهدف)

بسام سفر

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

يسلك فيلم "الهدف" للكاتب والمعد والمخرج محمد أبو شريفة, وفريقه الفني وضيوفه نقيض الأفلام السائدة في عالمنا العربي حيث يقدم الفيلم الصحافة موضوعاً سياسياً فكرياً فنياً يقارب واقعا سياسيا عاشته الساحة السياسية الفلسطينية بداية عقد السبعينات من القرن العشرين, حيث هيمنتا وظهرت الحالة الوطنية، والأيديولوجية اليسارية في العالم, من تظاهرات الطلاب في فرنسا1968, إلى المرحلة اليسارية في أمريكا الجنوبية, وهزيمة أمريكا وفرنسا في فيتنام.

يعبر هذا النقيض من خلال الصحافة ذاتها ورجالاتها الذين يتحدثون عن مجلة الهدف ورمزها الأبرز الشهيد الراحل غسان كنفاني , إذ شكلت فلسطين والقضية الفلسطينية في ذلك الحين أساساً وأرضية لأي حراك سياسي ثقافي وفكري ونضالي ملتزم بخط وقضايا التحرر الوطني والقومي والإنساني والاجتماعي والنضال ضد قوى الهيمنة الاستعمارية وتوابعها وملحقاتها في العالم العربي وقوى الرجعية العربية, فالقضية الفلسطينية كانت ومازالت محور نضال القوى السياسية وفصائل العمل الوطني الفلسطيني والعربي التي ترى القضية الفلسطينية قضية مركزية.

الصحافة أصل الحكاية:

ينطلق الفيلم من عملية اغتيال غسان كنفاني، إذ نرى جزءاً وخبراً عنها صحيفة الحياة اللبنانية على الصفحة الأولى, ليسرد عدنان بدر حكاية شراء الهدف بعد الصراع بين الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية على مجلة الحرية التي أصبحت جزءاً من الجبهة الديمقراطية, وذهبت قيادة الشعبية لتأسيس مجلة الهدف بإشراف الشهيد غسان كنفاني الذي عمل في الإشراف ورئاسة التحرير وتحرير الملف الفلسطيني في المجلة, والأشراف على الإخراج.

ويذكر أبو علي حسن أن الهدف في تلك المرحلة كانت تعتمد على تبرعات الأصدقاء والداعمين, وإنها كانت تنشر أسمائهم في كل عدد جديد من أعداد الهدف, ولعبت (دار الصياد, غسان فريحة) دوراً مهماً في تعزيز علاقة الهدف, والجبهة الشعبية مع الفرنسي أريك( الذي أصبح سفير فرنسا بتونس).

بينما يؤكد ابوحسن أن الشهيد غسان أراد الهدف مجلة فكرية ثورية ناطقة بالموقف الثوري رقم (1)، في حين يرى مروان عبد العال أن الهدف لعبت دوراً كبيراً في التأريخ للحالة الفلسطينية, وتفكيك السردية الصهيونية.

ويشير مدير تحرير الهدف محمد أبو شريفة إلى أن الهدف ضمت الكثير من الكتاب والمثقفين الفلسطينيين والعرب حسب الموضوعات التي يكتبون بها, ملتزمين بالقضايا القومية والثقافية والوطنية.

ويذكر عدنان بدر عدد من الذين تطوعوا بالعمل بالهدف مثل (أمين معلوف وسليم نصر, وماجد نعمة رئيس تحرير مجلة فرنسية), وأن غسان عمل على أن تكون كل الحقيقة للجماهير, والمقال موقف, والكلمة رصاصة.

ويوضح الآلية التي كانت تعمل عليها المجلة الشؤون الدولية عند رضا سلمان, والعربية عند عدنان بدر, والفلسطينية بكافة أبوابها عند الشهيد غسان, والثقافة عند عدد من المثقفين الذين رافقوا الهدف, والعدد كان يصدر صباح كل سبت, واجتماع هيئة التحرير نهار كل سبت لتقيم العدد والتحضير لعدد جديد.

ويؤكد ماهر الطاهر على كفاءة المشرفين على التحرير الذي عملوا في الهدف بعد الراحل غسان كنفاني من( طلال عوكل, صابر محي الدين, ماهر الطاهر، جواد عقل, وكايد الغول)، ومعاون رئيس تحرير( نصار إبراهيم) ومدراء التحرير( وسام الفقاوي, ومحمد أبو شريفة).

ويركز عدنان بدر على توزيع الهدف السري في العديد من الدول العربية بسبب منع تلك السلطات مجلة الهدف الدخول إلى أراضيها.

فيما تحدث الناقد أحمد هلال في شهادته عن زمن الكتابة في الهدف بوصفها مشروعا يستأنف ما أسسه الكتاب والمفكرون في معركة بناء الوعي وتصليب الهوية

ويعبر الدكتور ثائر عودة عن فرصة الكتابة في الهدف إلى جانب أسماء مثل "حمد موعد, منير شفيق, أحمد سرساوي, الدكتور فيصل دراج, والمسرحي السوري سعد الله ونوس, جمال باروت, وعبد الرحمن منيف".

ويعود بدر ليؤكد أن العاملين في الهدف لم يكونوا فلسطينيين فقط, وإنما وجود العرب جزء من كادر الهدف كان أمراً طبيعياً, لكن القرار النهائي في صلاحية كل مادة كانت عند الشهيد غسان, وعندما تحتاج مادة إلى تعديل كان يعدلها بالتشاور مع الكاتب, ويتابع الإخراج مع المخرج القدير محمود داورجي الذي كان يعمل في إخراج الهدف تطوعي.

ليختم بدر حديثه بسردية اغتيال غسان, واستمرارية الهدف, والعمل على عدد استشهاد غسان.

غسان في عيون رفاقه (وعدوه):

عندما حطت رحال القائدين "أبو ماهر اليماني, ووديع حداد" عند غسان كنفاني كصحافي يرسم مسار مجلة الهدف, ويخط طريقها كمجلة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كان الاختيار الصائب للشخصية القيادية الصحيفة التي تعمل بالإقناع لإيجاد معادل مهني, وإعلامي لهذا الوجود المباشر ما بين التنظيم والعمل العسكري شاغل الشارع الفلسطيني في الشتات وفلسطين نحو إن تكون القضية الفلسطينية محط أنظار العالم الذي كاد أن ينسى فلسطين والاستعمار الصهيوني لها.

لعب غسان والهدف دوراً في التفاوض زمن خطف الطائرات, وهذا ما يذكره عدنان بدر, إذ يقول:" اتصل الرئيس اللبناني شارل الحلو مع غسان كنفاني كزميل صحفي في نقابة الصحفيين اللبنانيين, والطائرة المخطوفة في سماء بيروت, ليأخذ وعداً من غسان أن الطائرة سوف تتزود بالوقود فقط, وتغادر مطار بيروت, ودخل إلى الطائرة خبير متفجرات, ورحلت الطائرة إلى القاهرة حيث فجرت هناك".

وأضاف بدر أن" غسان بابه مفتوح لكل الزوار يستقبلهم، ويتابع عمله في كتابة الموضوعات والتركيز الذي يشغل تفكيره بوجود الزوار".

ويوضح بدر موقف غسان من الثورة بأن جيله ليس جيل الثورة, وإنما الجيل القادم هو جيل الثورة. ورأى في ثورة غزة بوجود جيفارا غزة هي الثورة الشعبية التي يرغب بها, إذ يحض المقاتلين على استمرار فعلهم المقاوم.

وعن ذلك قال (شارون) القائد العسكري الإسرائيلي حينذاك "أنهم كانوا يسيطرون على غزة في النهار, بينما المقاتلون الفلسطينيون يسيطرون على غزة في الليل".

ويتضح موقف العدو الصهيوني من غسان كنفاني, عندما قالت رئيسة وزراء الكيان غولدا دمائير عند اغتيال غسان" اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح يشكل خطر على إسرائيل, أكثر مما يشكل لواء مسلح".

الوثيقة الصحفية في الفيلم:

حضرت الوثيقة الصحيفة في الفيلم كجزء من حالة التدليل على دورها فيه، يتحدث عن مجلة الهدف الصحفية, منذ البداية تظهر هذه الوثيقة من خلال عملية اغتيال غسان كنفاني في جريدة الحياة اللبنانية, وليس عبر مجلة الهدف.

بينما يتحدث عدنان بدر عن العدد الذي وثق عملية الاغتيال، ونشاهد آثار عملية الاغتيال.

وتستخدم الوثيقة الصحفية من مجلة الهدف عندما يتحدث أبو علي حسن عن تبرعات الأصدقاء والمحبين للجبهة الشعبية والهدف (تظهر وثيقة أسماء بعض المتبرعين)، وإلى جانب ذلك تظهر عدد من المقالات في أعداد مختلفة من مجلة الهدف عليها توقيع عدنان بدر, بينما لا يظهر الفيلم أسم رضا سلمان على أي مقال, رغم أن رضا هي من ساعد عدنان بدر في العمل بالهدف, وتأتي الكتابة التوضيحية لافتتاحية الهدف التي كانت أول مقال يكتبه عدنان جزء من التركيز على الوثيقة الصحفية في الافتتاحية.

ويتحدث كاتب السيناريو والمخرج ومدير تحرير الهدف عن الكثير والكثير من الكتاب في مجلة الهدف دون أن يرافق الحديث أسماء وأسماء من كاتب الهدف في أي مرحلة من مراحل إصدارات الهدف.

ويذكر أبو علي حسن أن الحرية كانت ناطقة باسم الماركسية ال لينين ة أو الشيوعية الأوروبية, وهذا الفهم غير الدقيق للمفهومين؟!

وتظهر جريدة الأنوار كوثيقة صحفية, ودار الصياد كمؤسسة, والعمل الفدائي ودور الطلاب في الواقع الفلسطيني والتركيز على دور غسان بالوثيقة الصحفية.

وعند حديث الدكتور ثائر عودة توثق كلمتي (الثقافة والأدب) ومقال عن غسان كنفاني, وهذا الرابط اللماح بين الحديث والوثيقة الصحفية في الفيلم, واستمرار هذا الربط لحديث أبو علي حسن مع ملف عن هوشي منه وغيره, وإعادة ربط بين الوثيقة الصحفية في الحديث عن الأدب يشير إليه عودة في مجال الفلسطيني الخاص.

بينما يذهب الحزبي الجبهوي مروان عبد العال إلى التأكيد أن الافتتاحية لعب دوراً حزبياً في توضيح الموقف السياسي للجبهة, ويوثق الفيلم كلمة (موقفنا, افتتاحية الهدف), والانتقال إلى الغلاف الأخير, والعودة إلى القسم الثقافي في المجلة، واهتمامه به كروائي ومثقف.

ويظهر الفيلم كيفية إخراج المجلة من خلال الحروف وتركيبها للوصول إلى عملية إخراج كل صفحة من صفحات الهدف في السبعينيات, وثمانينيات القرن الفائت.

تتالى( الأسماء التي في رئاسة تحرير المجلة مع صورهم كجزء من عملية التوثيق), وتوثيق الشخصيات التي جاءت على رئاسة التحرير ومديري التحرير بينما لم يوثق سكرتير تحرير.

ويوثق الفيلم كشف الكثير من الملفات السرية ونشرها إلى العلن كجزء من الموقف السياسي للجبهة.

خاتمة:

نادراً ما يدرك المشاهد العذاب الذي يوضع به صانعوا الفيلم الوثائقي, إذ أن كل ثانية في الفيلم تحتاج إلى معادل بصري قابل للقراءة وفق إستراتيجية الفيلم, فالحديث عن الصحافة تحتاج معادل بصري يقارب كل كلمة تقال فيه من قبل الضيوف الموجودين في الفيلم، وتناسب موضوع الفيلم.

ويقاس نجاح أي فيلم في مدى وصوله إلى المشاهد المعني، وهذا يؤكده فيلم الهدف في وصوله إلى شرائح واسعة من الصحفيين الفلسطينيين والعرب بعيداً عن العصبوية الحزبية.

أن فيلم الهدف يتضمن خطان غير متوازيان هما (غسان كنفاني، والهدف), والتدخل بينهما غلب خط غسان كنفاني على حساب الهدف كمجلة, لذا ينبغي إعادة بناء فيلم الهدف إلى جزئين جزء خاص بغسان كنفاني والهدف, والجزء الثاني لمجلة الهدف.

أخيراً لابد من توجيه تحية على الجهد المبذول الذي وثق لغسان كنفاني صحفياً والهدف كمجلة في فيلم وثائقي طويل, فكل التحية للمخرج والكاتب محمد أبو شريفة وضيوفه فرداً فرداً, والمصور والمونتير محمد عمر العبد.