عند الثانية فجراً بتوقيت ميشيغان، أعلنت شبكة NBC أن مرشحة إيباك، هايلي ستيفنز، في طريقها للبحث عن وظيفة جديدة. لم تكن هزيمتها في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ مجرد خسارة صغيرة، بل كانت ضربة مدوية للوبي الصهيوني، وربما المسمار الأخير في نعشه السياسي. فاللوبي الذي أرهب السياسيين الأمريكيين لعقود يغرق اليوم كحجر، شأنه شأن دولة الاحتلال، في قاع الرأي العام الأمريكي. ورغم إنفاق تجاوز نسبة ستين إلى واحد ضد عبد السيد، عجزت ستيفنز عن البقاء فوق سطح الماء. لقد حوّلت إيباك، ومعها أثرياء يهود يضعون إسرائيل أولاً، انتخابات ميشيغان إلى أغلى انتخابات تمهيدية ديمقراطية لمجلس الشيوخ في التاريخ الأمريكي، ورغم ذلك خسرت.
تأملوا المفارقة. لجنة عمل سياسي تدعم في ولاية ما مرشحاً جمهورياً محافظاً يدعو إلى تخفيض الضرائب على الأثرياء، بينما تموّل في ولاية أخرى مرشحة ديمقراطية ليبرالية تؤيد فرض ضرائب أعلى على الأثرياء. لا يجمع بين هذين الموقفين المتناقضين أي مشروع سياسي أمريكي، بل قاسم مشترك واحد: الولاء المطلق لدولة الاحتلال. وعندما يصبح هذا هو المبدأ الوحيد الثابت، فإن ما يحرك اللجنة ليس أيديولوجيا أمريكية ولا مصالح الناخبين، بل أجندة سياسة خارجية.
والآن، وبعد أن أنفقت ملايين الدولارات لدعم هايلي ستيفنز، تستعد إيباك على الأرجح لإنفاق ملايين أخرى لدعم الجمهوري مايك روجرز في نوفمبر. ليس دفاعاً عن مصالح ميشيغان ولا عن مصالح الأمريكيين، وإنما دفاعاً عن مصالح دولة الاحتلال. تلك هي فلسفة إيباك: الحزب لا يهم، والمبادئ لا تهم، ما دام المرشح يخدم تل أبيب.
في المقابل، بددت القيادات التقليدية للحزب الديمقراطي ما تبقى من مصداقيتها بانصياعها لأقوى لوبي أجنبي في واشنطن، مما عمّق الفجوة بينها وبين قواعدها الشعبية. لم تنفع أموال الايباك ستيفنز ، ولا تأييد قيادات الحزب التقليدية، من تشاك شومر إلى غريتشن ويتمر.
إسألوا الذين سقطوا في الانتخابات، أدريانو إسبايات. واسألوا دان غولدمان. واسألوا ديانا ديغيت، التي مثّلت دنفر في الكونغرس طوال (30 سنة) اي خمسة عشر دورة منذ الولاية الأولى لبيل كلينتون. جميعهم خسروا خلال ستة أسابيع فقط، وجميعهم كانوا مدعومين من إيباك، وجميعهم سقطوا للسبب ذاته: الوقوف إلى جانب دولة الاحتلال أو الامتناع حتى عن وصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، بينما كان ناخبوهم قد تجاوزوا هذا الموقف منذ زمن. وفي ميشيغان، لم تفشل فقط القيادات الديمقراطية التقليدية، بل فشل أيضاً ضغطها على عضوة مجلس الشيوخ في الولاية، مالوري مكمورو للانسحاب من الانتخابات بهدف توحيد الأصوات المناهضة لعبد السيد. وكانت النتيجة دليلاً إضافياً على أن قيادة الحزب وقاعدته الشعبية تعيشان واقعين سياسيين مختلفين تماماً فيما يتعلق بدولة الاحتلال.
على مدى سبعة عقود، كان الدعم غير المشروط لدولة الكيان بمثابة بوليصة التأمين لأي سياسي يطمح لخوض الانتخابات في أمريكا؛ فهو يضمن تدفق أموال إيباك والأثرياء اليهود الذين يضعون إسرائيل أولاً، ويحصّن المرشح من المنافسين في الانتخابات التمهيدية. لكن تلك المعادلة انهارت. فالصمت بينما تتضور غزة جوعاً وتحترق تحت القصف أصبح اليوم من أسرع الطرق إلى الهزيمة السياسية.
كان أدريانو إسبايات مدعوماً من إيباك عندما أطاحت به داريالايزا أفيلا شوفالييه، إحدى منظمات مخيم التضامن مع غزة في جامعة كولومبيا سابقاً، في الدائرة الثالثة عشرة بولاية نيويورك. أما دان غولدمان، الذي رفض طوال حملته وصف ما ترتكبه دولة الاحتلال في غزة بالإبادة الجماعية، فخسر أمام اليهودي الأمريكي براد لاندر، الذي جعل موقف غولدمان من غزة محور حملته الانتخابية. ثم جاءت ديانا ديغيت، إحدى أبرز الليبراليين في الكونغرس، لتخسر أمام الاشتراكية الديمقراطية ميلات كيروس، البالغة من العمر تسعة وعشرين عاماً، رغم تدفق الأموال المرتبطة بإيباك في اللحظات الأخيرة لإنقاذها. وكانت رسالة كيروس الأخيرة للناخبين واضحة: ارفضوا لجان العمل السياسي التابعة للشركات، مثل إيباك، ولا تقبلوا استمرار الإبادة الجماعية في فلسطين. فاستجاب الناخبون، ومنحوها الفوز بفارق يقارب عشر نقاط.
أما هايلي ستيفنز، التي تفاخرَت يوماً بأن إسرائيل “تزورها في أحلامها”، فقد تحولت تلك الأحلام إلى كابوس سياسي. حاولت في الأسابيع الأخيرة تشديد انتقادها لبنيامين نتنياهو لتقليص الفارق بينها وبين عبد السيد، لكن الوقت كان قد فات. وحتى رام إيمانويل، الذي خدم في جيش الاحتلال، وبنى مسيرته السياسية باعتباره أحد أكثر الديمقراطيين ولاءً لدولة الكيان، والمرشح المحتمل للرئاسة عام 2028، وقف في تل أبيب الشهر الماضي ليقول إن حكومة نتنياهو أوصلت البلاد إلى طريق مسدود، مشككاً لأول مرة في جدوى الدعم الأمريكي غير المشروط.
ولعل ولاية "مين" تقدم أوضح مؤشر على حجم التحول. فبعد انهيار حملة المرشح الديمقراطي غراهام بلاتنر، المعروف بمعارضته لحرب غزة، دخل عدد من الديمقراطيين السباق لخلافته، واضطر كل منهم إلى إثبات أنه سيواصل معارضة الحرب. حاول تروي جاكسون، في البداية، تجنب ذكر غزة أو دولة الاحتلال في خطاب إطلاق حملته، لكنه عاد في اليوم التالي، تحت ضغط واضح، فوصف الحرب بأنها “عديمة الضمير”، وتعهد بعدم التصويت لأي مساعدات عسكرية ممولة من دافعي الضرائب لدولة الاحتلال. واضطر نيراف شاه إلى نفي تلقيه أموالاً من إيباك، والتعهد بمعارضة جميع أشكال المساعدات العسكرية، الهجومية والدفاعية، حفاظاً على التحالف الذي بناه بلاتنر. وحتى شينا بيلوز وجدت نفسها مطالبة بتوضيح موقفها من غزة تحت ضغط الصحفيين ومنافسيها. لقد انتهى زمن تجنب الإجابة أو الخنوع لممولي الانتخابيات الصهاينة.
في المقابل، لا يزال الحزب الجمهوري، المتأخر دائماً عن قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية، يصف هذه الانتصارات بأنها انحراف يساري لن يصمد في الانتخابات العامة. يكرر الخطأ نفسه الذي ارتكبه الحزب في كل محطات التغيير الكبرى في التاريخ الأمريكي، من الحقوق المدنية، إلى حقوق المرأة، إلى حقوق المثليين. كانوا دائماً آخر من يدرك أن المزاج الشعبي قد تغير، ويبدو أنهم سيفعلون الأمر ذاته مرة أخرى.
ما نشهده اليوم ليس تعديلاً محدوداً في أولويات الناخب الأمريكي، بل إعادة اصطفاف سياسية عميقة. في الماضي، كان الخطر على السياسي يكمن في عدم إظهار الولاء لدولة الاحتلال، وفي تفويت رحلة التصوير الإلزامية أمام حائط البراق، مرتدياً القلنسوة اليهودية، واضعاً ورقة في شقوق الجدار الذي أعاد السلطان العثماني سليمان القانوني بناءه. أما اليوم، فأصبح الخطر الحقيقي هو الصمت، أو المراوغة، أو التمسك بخطاب الأمس. ولم تعد جماعات الضغط هي التي تحسم الانتخابات، بل الحركات الشعبية التي باتت قادرة على هزيمة المال السياسي مهما بلغ حجمه.
لقد حدث هذا لأن عامين من المجاعة المنقولة على الهواء مباشرة، والمستشفيات المدمرة، والأطفال المقتولين، والتقارير الأممية التي وصفت ما يجري بالإبادة الجماعية، غيّرت جذرياً نظرة الأمريكيين إلى دولة الاحتلال، وإلى ما يتوقعونه من ممثليهم المنتخبين. قرأ هذا التحول مبكراً سياسيون مثل ممداني، وبراد لاندر، وداريالايزا أفيلا شوفالييه، وميلات كيروس، فانتصروا. أما الذين تجاهلوه، فأصبحوا بلا وظيفه.
الرسالة لكل ديمقراطي الذي ما زال يحتفظ على المسافة التي ينبغي أن يبتعد بها عن إيباك وسياسات الفصل العنصري الصهيونية واضحة: الناخبون سبقوكم واتخذوا قرارهم. والسؤال لم يعد ما إذا كان الوقوف في وجه الإبادة الجماعية في غزة أصبح ضرورة سياسية، بل ما إذا كانت قيادة الحزب الديمقراطي ستلحق بناخبيها في الوقت المناسب لاستعادة الأغلبية في مجلسي الكونغرس في نوفمبر القادم.

