Menu

الفنان التشكيلي غسان كنفاني أنشودة المحارب.. أنشودة الأرض والحرية.. " قراءة في سيرته ومسيرته التشكيلية " غازي انعــيـم ناقد وتشكيلي أردني (1-2)

غازي انعيم

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

يعد الكاتب والفنان المناضل والمحارب الشهيد ( غسان كنفاني ) أول شهداء الكلمة الفلسطينية، حيث استشهد مع ابنة شقيقته ( لميس ) التي كانت برفقته في صباح الثامن من شهر حزيران / يونيو 1972 ، عندما قام جهاز المخابرات الصهيونية ( الموساد ) بتفجير سيارته في بيروت." أي قدر هذا الذي قتل حالة إنسانية خلاقة، جمعت الضمير والخير، الجمال والإبداع الخالد، البراءة والبياض، الزهر والضوء الساطع.. إنسانية تساوي الولادة وتجربتها.. غسان كنفاني ولميس حسين نجم " ابنة أخته " التي كانت برفقته ذلك اليوم.. وكان يستمد من وجودها ياسمين العمر.. " ( 1 ). انشودة للأرض والحرية..

كان صاحب شعار " كل الحقيقة للجماهير " الذي رفعته " مجلة الهدف " كاتبًا، وصحفيًا، وقاصًا، وروائيًا، وكاتبًا مسرحيًا، وباحثًا، وناقدًا أدبيًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، وفنانًا تشكيليًا.. معتزًا بعروبته لا يعترف بالحدود السياسية بين بلدان الوطن العربي التي قسمها الاستعمار.

وبرحيله افتقدناه بل افتقدته فلسطين والأمة العربية في الوقت الذي كنا في أحوج ما نكون إليه، حيث غادر بعد رحلة قصيرة من العمر ولكنها رحلة طويلة شاقة حافلة بالنضال والمواقف.. كما عاش كثيرًا لحظات البطولة بين مواقف الانكسار؟ صارع خلالها بشجاعة العدو الصهيوني والتيارات الرجعية.. ولكنها كانت أيضًا رحلة طويلة غنية مليئة بمجهود أدبي وفني ضخم فريد في قيمته وأسلوبه.. وكان صادق في جميع أعماله الفنية التي تعبر عن آمال الشعب ونضاله. كما كانت لأعماله الفنية.. " معايير أخلاقية جلية متواجدة في وجدان الإنسان ويؤكد على نهجه الفني هذا.. وبلغة تشكيلية مؤثرة كان يحاول أن ينميها باستمرار.. وطموحه الدائم، هو طلبه الكمال الفني والغنى الموضوعي، ليوقظ ما يغفو من شعور داخلي لقارئ اللوحة.. وبهذا يستطيع أن يقيم قارئه الحوار بين إحساسه وهذا " التأثير " الذي يسكن لوحته ( 2 ).

لم يكن صوت صاحب " عائد إلى حيفا " " ورجال في الشمس " فلسطينيًا، إلا بمقدار قدرته على تكثيف تجربة الرؤية الثورية العربية في مجال تلك الأجناس في الثقافة والأدب والفن والسياسة.. داخل حقل ممارسة ثورية، رسمت خريطة الثورة وأجساد الأبطال الذي سقطوا وعيونهم تفيض بالحلم الثوري، حلم تأسيس رؤية جديدة لفلسطين والوطن العربي. لذلك التزم " غسّان كنفاني " الذي ترسخ في وجدانه منذ تشكل وعيه شموخ البطولة وقدسية الاستشهاد والجهاد ضد الظلم والطغيان، ونبل التضحية من أجل الوطن.. بأن يصوّر قضيته في جميع مستوياتها وبرؤية مستقبلية تسعى لتغيير هذا الواقع وبأن يكون قلمه إلى جانب ريشته سلاحًا للمحافظة على الذات. وقد أخلص " غسّان" لإبداعاته، ولم يكن نشاطه الفني التشكيلي إلا صلة وتكملة لنشاطه الثقافي.. من هنا تأتي أهمية إعادة تأمل أعماله الفنية التي تعكس رؤيته النابعة من واقعه الفلسطيني، حيث كان الاقتلاع والتشرد حقيقة ماثلة في ذهن " غسّان "، لذلك أصبحت القضية الفلسطينية بالنسبة له عنوان مرحلة ثقافية وفنية. فالأرض الفلسطينية هي مكان الصراع، وهي التي يجري من أجلها الصراع. من هنا بدأت تأخذ عند غسان كنفاني حجمًا مختلفًا عن الحنين " الثوري " لا سيما أنها هنا رمز وجودي حقيقي. لذلك كانت النبرة الوطنية تتوتر بمضمون البعد المكاني الذي هو لحظة انفجار الزمن داخل صراع لا رحمة فيه، هنا يعود " غسّان كنفاني " إلى ألوانه التي يرسم بها خريطة حركته الانفعالية داخل لهب الصراع. يعود إلى التراث وإلى نشيد الأرض، علامة بدايات الفن الفلسطيني وداخل هذه البدايات، كان تفرد " غسّان " هو تفرد الالتزام الكامل، الذي حول القصة والرواية والخطاب السياسي والفن إلى ممارسة الفعل الثوري، فكان يعطي هذا الالتزام في كل مراحل نموه الثقافي والإبداعي للفن.. وموهبته الفنية تؤكد ذلك ببروز شخصيته الإنسانية البحتة.. وكان يتمثل بهذا التعداد في كل مجاله الإبداعي.. فهذا هو صراع ينبثق عن طبيعة مبدعة خلاقة لها ركيزة ثقافية شاعرة بالالتزام.. " ( 3 ).

لذلك لم يكن " غسّان " امتداد بلا قدمين ثابتين. إنه الأرض وفلسطين التي رسم ملامحها حروف مبدع، فجاءت كلمة فلسطين وكأنها تلال مخضبة بالدماء وأصبح الفن مدخلًا إلى الشهادة.

إن صوت الفنان " غسّان "، هو صوت بداياتنا الثورية التي يجب دراستها بشكل متأن ومستفيض، فتلك المرحلة التي بدأت في بداية ستينيات القرن الماضي حتى لحظة استشهاده كانت مرحلة الألم، ففي صوت " غسّان " كانت بذور النمو للفن التشكيلي الملتزم من موقع الممارسة الثورية.. ممارسة فيها التزام في التعبير عن خصوصية التجربة الفلسطينية، حيث استطاع الانطلاق منها بتلقائية إلى رحابة العالم، ليحقق في ذلك اللقاء والتطابق بين الهم الفلسطيني بتفاصيله والهموم الإنسانية بعموميتها، حيث يمتلك الجزء قوة التعبير عن كلية المشهد.

وبهذا الخصوص قال " غسّان " : " إن فلسطين تمثل العالم برمته في قصصي.. " ( 4 ). وكذلك تمثل فلسطين العالم برمته في لوحاته التصويرية وملصقاته السياسية.. " لقد أراد غسّان كنفاني، بهذا القول أن يحرق المسافة بين الخصوصية والكونية، لكن الاحتراق الفعلي لم يتحقق إلا من خلال التقاط جوهر وتفاصيل رحلة الإنسان الفلسطيني وتجربته في شروطها التاريخية المتباينة، وإنسانية في آن واحد، فالكاتب لم يختزل العالم ليحصره في حدود قضيته، بل إنه، على العكس من ذلك يمسك بقضيته وإنسانها ليلامس بها التجربة الإنسانية الشاملة " (5) .

ولعل أبرز ما في حياة " غسّان " هو محاولته الربط بين الفن والمجتمع والقضايا الإنسانية: فهو يراها وحدة متكاملة، لا انفصال بين مكوناتها المختلفة. ولا يرى أي تناقض بين ممارسة الفنان لفنه، وبين اتخاذه موقفًا سياسيًا واضحًا بل يرى ضرورة في أن يحدد الفنان موقفه من المجتمع ومن الاتجاه السياسي الذي يختاره بوضوح ويدافع عنه بصدق وإخلاص.

اكتشاف المواهب ورعايتها

غير أن العامل الأكثر تأثيرًا في تأكيد وبلورة شخصيته الفنية، هو شخصيته الإنسانية التي فطر عليها، من حب للحياة والتواصل مع الناس بالإضافة إلى تواضعه ورقة مشاعره، وحبه للوطن حتى التوُّحد معه.. لم تكن تلك الصفات سمات بلاغية، بل كانت معان حية تجسَّدت في إبداعاته التشكيلية التي كانت حصيلة دراما إنسانية عاشها " غسّان " وكانت المؤثر الأول في تكوين عالمه الفني، ومهما اختلفت الآراء حول أسلوبه أو أفكاره، فلا جدال حول قيمته الفنية السامقة فلسطينيًا، أو حول دوره في التصميم والإخراج الفني، او اكتشافه وتقديمه للعديد من المواهب الفنية مثل الفنان الشهيد ناجي العلي ، الذي تعرف إليه في عام 1961 في معرض فني كان ناجي العلي مشاركًا فيه " وتحمس كنفاني كثيرًا لكل ما هو معروض. ووجد في هذه الرسومات التي تنادي معظمها بالثأر أرضــًا سوداء خصبة للحركة التي ينتمي إليها. وتوقف طويلًا أمام لوحة مُعلقة متميزة، كانت تُمثّل خيمة على شكل هرم ترتفع من رأسه قبضة يد تطالب بالثأر والتصميم والنصر... فابتهج الكنفاني، وسأل ناجيــًا عن صاحب هذه اللوحة، فقال له إنه صاحبها، فحيا كنفاني العلي بأن سلّم عليه، وشدَّ على يده، وأثنى عليه، وأبدى حماســًا شديدًا للوحة، وهو يبتسم ابتسامة الرضا والابتهاج.. وطلب كنفاني من العلي أن يأخذ هذه اللوحة لكي ينشرها في " مجلة الحرية ". وقال له إنه أحب هذه اللوحة لأنه هو نفسه رسام، ويعرف ما فيها من قيمة فنية " ( 6 ).

قام غسّان كنفاني بتقديم ناجي العلي للإعلام من خلال نشر ثلاث لوحات له تحت عنوان " ينتظر أن نأتي " في العدد (88) من مجلة " الحرية " وكان ذلك في يوم الاثنين 25 أيلول 1961 م، ومن بين اللوحات المنشورة، كانت اللوحة التي أُعجب بها غسّان كنفاني وهي لوحة " الخيمة " التي رسمها العلي على شكل هرم، وفي قمة الخيمة بركان ترتفع منه يد مصممة على الثأر والتحرير.

لم يصدق ناجي حين جاءه الأصدقاء يركضون وهم يحملون المجلة وفيها رسومه، وحتى لحظة التقائه بـ "غسّان كنفاني "، كان ناجي في المخيم يبحث عن فرصة للتغيير، وقد جاءت هذه الفرصة على يد " غسان كنفاني ".

يقول ناجي في معرض حديثه عن المفاجأة: "... لم تصدق عيني ما رأت، ولا كذلك قلبي الذي أخذ يتراقص فرح بهذا الإنجاز الكبير، شعرت بعد ذلك أن " غسّان كنفاني " هو أب من نوع استثنائي خاص.. أب للإبداع يكتشفه ويقدمه ويشجعه على المضي في المغامرة ".

كان " غسّان " معلم في فن الإخراج الفني " كان يعلم الذي لا يتعلم، ويجعل منه شيئًا مرموقًا، فمرة أتاه شاب من مخيم " برج البراجنة " اسمه " محمود الداورجي " وطلب منه عمل... سأله " غسان " وماذا تتقن من الأعمال؟ أجاب محمود " كرة القدم، ضحك حتى سمع ضحكته كل من في مكاتب المجلة... ثم هدأ... ونظر لمحمود نظرة محبة وقال له : " اسمع يا " محمود " أنت شاب فلسطيني من المخيم والحياة أمامك... سأعلمك عملاً لا تعرفه من قبل؛ أنت مستعد؟ أجاب " محمود " بتلهف الباحث عن عمل، نعم، مستعد... وكان له ما أراد وعلمه الإخراج وهو من المهن الصحفية المهمة. وأصبح " محمود " خلال سنة من أفضل مخرجي الصحافة ". وأصبح " محمود " إلى جانب الإخراج الفني لمجلة الهدف، يقوم بتصميم غلافها وكذلك تصميم ملصقات لمناسبات فلسطينية.

وقد أصبح ذكر اسم " غسّان كنفاني " – عند المتابعين للحركة التشكيلية الفلسطينية الحديثة – يستدعي إلى الذاكرة رعايته وتشجيعه للمواهب الشابة ويستدعي كذلك إبداعاته التشكيلية التي استطاعت أن تجسد نضال الشعب الفلسطيني، كما يستدعي إلى الذهن ذلك الصدق الفني الذي كان يشع من لوحاته مقدمًا الدليل على أن بلاغة الفن وقوة تأثيره لا تكمن في قوالبه الجمالية التقليدية، وإنما في شحنته التعبيرية وما تحدثه للمشاهد.

لقد كانت تجربة " غسّان " في الفن التشكيلي الفلسطيني في سورية ولبنان تمثل مرحلة مهمة في تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني حيث تم تجاهل هذه التجربة على صعيد الإعلام والتوثيق، وتم ذكر اسم " غسّان " في كتاب الفن التشكيلي في فلسطين للفنان الراحل " إسماعيل شموط " على استحياء وفي ذلك ظلم لإنجازات " غسّان كنفاني " الإبداعية والتي كانت حاضرة بقوة في المشهد التشكيلي.

ـــ مَن هو الفنان غسّان كنفاني؟

ـــ ماذا عن إنجازاته التشكيلية؟

ولد " غسّان كنفاني " في التاسع من نيسان عام 1936 في مدينة عكا عروس الساحل الشمالي الفلسطيني، لأب يعمل محاميًا، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة " الفرير " بمدينة يافا حيث كانت تسكن عائلته في حي المنشية، الذي شهد أولى الصدامات مع العصابات الصهيونية، التي بدأت إثر تقسيم فلسطين، لذلك عاد الوالد وعائلته إلى" عكا "، وفي عام 1948 اضطرت عائلته مغادرة عكا إثر سقوطها في أيدي العصابات الصهيونية، إلى لبنان واستأجروا بيتًا في الغازية بالقرب من مدينة " صيدا "، وبعد أربعين يومًا انتقلت عائلته بالقطار إلى مدينة حلب ثم إلى الزبداني وبعد ذلك إلى مدينة دمشق حيث استقر بهم المقام في منزل قديم في حي الميدان. وفي دمشق بدأت حياة الأسرة الصعبة، واضطرته حياة اللجوء للعمل في صناعة أكياس الورق، ثم عامل، ثم قام بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم كما عمل في مطبعة وفي توزيع الصحف ومن ثم في مطعم. بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح والده مكتبًا لممارسة المحاماة، وأخذ " غسّان " إلى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف، وأحيانًا يمارس التحرير، واشترك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطلبة..

يقول والد " غسّان " في مذكراته إنه : " بتاريخ 12 / 2 / 1950 أرسلت تحريرًا إلى وزير خارجية إيطاليا بشأن ميول " غسّان ". وأنا شخصيًا لا أشك بأن المستقبل باسم وزاهر أمام غسّان " خصوصًا في الرسم والخط والأدب العربي سواء في نطقه أو كتابته أو ارتجاله . " وأضاف: " عودنا غسّان " أن تكون هداياه لنا بالمناسبات أو الأعياد الدينية والوطنية رسائل أو لوحات يرسمها ".

كان يتابع غسّان دروسه نهارًا وليلًا إلى أن حاز على شهادة الدراسة الإعدادية عام 1953، بعد ذلك عمل معلمًا لمادة التربية الفنية في " معهد فلسطين " الاليانس، في حي الأمين بمدينة دمشق القديمة وكان المعهد يتبع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ). وأثناء عمله في التدريس التحق بجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي، وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي وكان معظم ما عرض فيه من جهد " غسّان " الشخصي. وذلك بالإضافة إلى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها.

ومما يذكر عن بدايات " غسّان " في عوالم الرسم، أنه ذات صباح وقد كانت الشمس تلقي بأشعتها السّنبلية لتلج غرفة الصف عبر النافذة، وقف " غسّان " أمام التّلاميذ الذين رأى فيهم قامة الوطن، ونظر إليهم متأملًا وقال: " ارسموا تفاحة، أخذ بضوء الشمس فرأى الحقيقة، تحول الوطن إلى خيام، تتبعها، أبصر ما يجب أن يبصر.

استدرك، قال بأعلى صوته: " لا، لا ترسمون تفاحة "، وأخفض من وتيرة صوته قائلًا: " بل ارسموا خيمة ". ومنذ تلك اللحظة رسم الخيمة... الثورة، وتعاقبت السنون عليه فرسم للوطن، للشعب والأرض.

وأثناء عمل " غسّان " بالتعليم في دمشق بدأت صلاته بالنشطاء العرب الذين قاموا بتأسيس " حركة القوميين العرب "، وصار يكتب في مجلة " الرأي " الأسبوعية التي أصدرها هؤلاء. كما عمل في أواسط عام 1955 في جريدة الأيام الدمشقية، وفي أواخر عام 1955 التحق بشقيقته في الكويت ، وفيها عمل مدرسًا للرسم والرياضة في مدرسة خالد بن الوليد، وانتسب خلال عمله في التدريس إلى جامعة دمشق، قسم الأدب العربي، كما واصل نشاطه السياسي والصحفي من خلال " حركة القوميين العرب ". وفي الكويت كان ينفذ الرسوم التوضيحية لقصصه التي كان ينشرها في صحيفة " الفجر " ومجلة " الرائد " التي كانت تصدرها جمعية المعلمين الكويتية.

في عام 1960 ، غادر " غسّان " دولة " الكويت " إلى " بيروت "، وانضم إلى أسرة تحرير مجلة " الحرية " التي كانت تصدرها " حركة القوميين العرب " ثم أصبح سنة 1963 رئيسًا لتحرير جريدة " المحرر " اليومية، ومحررًا لملحقها الشهري " فلسطين " وأثناء عمل " غسّان " في جريدة " المحرر " أنجز مجموعة من الأعمال الفنية بتقنية الفحم وقلم الرصاص والحبر، وكان ينشرها بمحاذاة النص القصصي أو القصيدة.

في عام 1967 انتقل " غسّان " إلى جريدة " الأنوار " رئيسًا لتحرير ملحق الجريدة الأسبوعي وفي نفس العام شارك في تأسيس " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "، وانتخب عضوًا في مكتبها السياسي، ثم أصبح ناطقًا رسميًا باسمها ومسؤولًا عن نشاطها الإعلامي، وتولى في عام 1969 رئاسة تحرير مجلة الهدف، بالإضافة إلى ذلك كان يقوم بإخراجها وتصميم غلافها كما كان يقوم برسم الرسومات الإيضاحية الداخلية المصاحبة لنصوص الشعر والقصة.. وبالنظر إلى نتاجه الفني من الرسوم الصحفية سنلاحظ أن له باع طويل في إنتاج العديد من الرسوم الرائعة التي تدل على دراية وحنكة حرفية مهنية بما يخدم الشخصية المراد التعبير عنها. فإخلاص كنفاني ووفاؤه سمتان من سمات الجودة والاتقان لرسومه الصحفية والفنية.. مع الأخذ في الاعتبار التصرف الواعي الذي تمليه عليه قيودات المهنة من حيث النص المكتوب والمساحة المتاحة وزمن الطباعة وشكل الإخراج الفني.. وتلك واحدة من ضوابط المهنة.

وأود الإشارة أن " غسّان كنفاني " لم يدرس في كليات الفنون ولم يتعلم في مراسم الفنانين، وليس بالضرورة كل رسام موهوب وبارع أن يكون رسامًا صحفيًا، وإنما قد يصادف من بين هؤلاء الفنانين التشكيليين من لديه موهبة ونزوع رمزي أو تعبيري يؤهله أن يكون رسامًا صحفيًّـا لو أتيحت له الفرصة أو شجعه أحد المدركين لقيمة الرسم.

لقد زاوج " غسّان " بين الرسم الصحفي وإبداعه لأنه كان في الأساس رسامًا موهوبًا، وصحيح أن " غسّان " لم يكن إنتاجه الفني ملحوظًا لقلته أو ربما لم يبال بالعرض، إلا أن ما لديه من رسوم عديدة ولوحات وملصقات شاهدتها تستحق التقدير والتسجيل والالتفات إليها بصورة جادة من باب الإنصاف. لا سيما أن " غسّان " عاش في ظروف وأوضاع شهدت تحولات سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية واجتماعية وفكرية.. كان لها أثرها المباشر على رسوماته وإبداعاته بصورة تتفق ونزوعه الفني الخاص به.

كانت مجلة " الهدف " التي برز فيها " غسّان " ككاتب ورسام، تمتاز بجرأة الكلمة، والتبشير بالفكرة، وفي عدد من أعدادها التي صدرت في نهاية عام 1970، كتب مقال اعتبر من قبل الدولة اللبنانية خارج عن قانون الصحافة اللبناني، وأدى ذلك إلى صدور حكم بحق " غسّان " وتم سجنه لأسبوعين وتغريم المجلة، وبسبب أوضاع " غسّان " الصحية بسبب داء السكري والنقرس، حوِّل إلى مستشفى في " بعبدا " تحت حراسة الشرطة وبقي حتى انقضاء فترة الأسبوعين، مارس " غسّان " خلال هذه الفترة هواية الرسم بأقلام الرصاص وأقلام الفلوماستر، وخلال طبابته أقام علاقات طيبة مع الحراس وعاملي وعاملات المستشفى. حتى أنه قام بإهدائهم رسوماته، ومن أجمل ما رسم وصمم آنذاك كلمة " فلسطين " وهذه الكلمة لا زالت متداولة وكانت تتصدر جدران البيوت والمكاتب والمجلات كما طبعت على القماش وعلى التشيرتات وعلى النحاسيات.

وتضمنت كلمة " فلسطين " خارطة فلسطين وقبة الصخرة إلى جانب توشيح الكلمة بألوان العلم الفلسطيني، وعكست أشكالها المجردة مثل الخطوط المستقيمة والمربعات والمستطيلات والدوائر والمقوسات بتنويعاتها الفروق الدقيقة والنغمات الموسيقية التي تستدعي من المشاهد التفكير والتأمل بتمعن في التصميم .

ويؤكد الفنان " غسّان " من خلال هذا التصميم المحكم البناء على أهمية الفراغ في مقابل الشكل، بالنفوذ عبر فضاءات الشكل، حيث تظهر العناصر الزخرفية مثيرة للشعور بالحركة كعنصر جوهري وحيوي يبعث شعورًا بدهشة ممتعة للمشاهدة. والفكرة الرئيسة للتصميم تتمحور حول إذابة الحدود التي تفصل بين الخطوط، بعدما منحت العناصر الزخرفية – نباتية وهندسية – المجردة من الزخرف صفات تعبيرية، وتحققت القيمة الجمالية للعمل الفني بفضل العلاقات الشكلية للحجوم والكتل والفراغات، مثلما تبرزها معطيات التركيب من الأشكال النباتية والهندسية ذات الزوايا والأقواس والسطوح المتماوجة.

كما سمحت الطريقة المميزة في ربط الخطوط والمساحات في كلمة " فلسطين " ببزوغ الطاقات الذاتية بحيوية وتدفق عاطفي، بل بدرامية مؤثرة عندما استعرض " غسّان كنفاني " موهبته من خلال تصميم كلمة " فلسطين " بالخطوط والألوان، ليمثل امتدادًا خارجيًا لما تتوق له روحه الخلاقة، ومعبرًا عن عواطفه وأفكاره في خلق شكل فني جديد.

لقد وجد " غسّان " ضالته في هذا التصميم؛ ضالته التي أتاحت له درجة أكبر من الحرية في التعبير لإشباع شغفه بفكرة تخليد الكلمة التي أصبحت رمزًا متداولًا على صعيد العالم وبذلك حقق غسّان الهدف المراد الوصول إليه.

إذا كانت الزخرفة من عوامل التزويق البصري، فهي كذلك من عوامل الطرب اللحني للعين وتعد عنصر جذب لغالبية الجمهور، لذلك عمل " غسّان "على إعادة تخطيط بناء الرموز البصرية الشعبية على نحو غير مسبوق في تلك المرحلة، فرسم لوحة " الحصان والبردة " على نحو بسيط يختزل فيه التفاصيل لصالح شكل زخرفي متماسك، يقوم على التنسيق الهندسي المتوازن للعناصر الفنية، الذي ينظم مساحة اللوحة المكونة من عناصر هندسية، وفي مساحات العناصر يضع " غسّان " مفرداته، ورموزه، كما في بردة الحصان، كما قام الفنان باستخدام الخطوط والمساحات الزخرفية، وجاء تلوينه لتلك المساحات بألوان مستمدة من البيئة الشعبية.. وظهر الضوء من خلال مساحات اللون.. فالضوء ينبع من مصدر واحد وهو السطح نفسه، كما أن التوازن بين كتلة البنفسجي والأخضر والأحمر يوحي بفضاء جمالي، ينتمي إلى مناخ شرقي عربي.

هكذا صنع " غسّان " من خلال ألوانه وخطوطه وحركة " الحصان " التي يوحي بخفة حركته الراقصة وحركة شعر رقبته وذيله ألحانًا بصرية بإيقاعات تطريبية تعادل ما نجده في النغمة الموسيقية من إيقاع منتظم ورتيب. ويرمز " الحصان " هنا للثورة الفتية وقد كرر هذا النمط في لوحة أخرى تمثل" انطلاقة حصان "... يتبع