Menu

"سكرولينج" ترامب مع القضية الفلسطينية!

د. محمد عياش

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية بعيد تأسيسها في الرابع من يوليو/تموز من كل عام، وهو اليوم الذي يُعرف بـ “يوم الاستقلال". يُخلد هذا التاريخ اعتماد وثيقة إعلان الاستقلال عام 1776، التي بموجبها أعلنت المستعمرات الثلاث عشرة انفصالها عن بريطانيا وتأسيسها لدولة مستقلة بقيادة الآباء المؤسسين. بدأت القصة في أواخر القرن الثامن عشر عندما رفضت المستعمرات الأمريكية في أمريكا الشمالية الخضوع للضرائب والسياسات البريطانية دون تمثيل لها في البرلمان. أدى ذلك إلى اندلاع حرب الاستقلال، وتُوّجت الجهود بصياغة "إعلان الاستقلال"، الذي كتبه توماس جفرسون وصدّق عليه الكونغرس القاري في 4 يوليو / تموز 1776. يُعد جورج واشنطن - القائد العسكري للثورة وأول رئيس للبلاد - الأب الروحي للأمة لدوره الأساسي في تحقيق هذا الاستقلال.

قصدتُ في المقدمة؛ الإشارة إلى يوم الاستقلال، واحتفال الولايات المتحدة الامريكية من كل عام؛ ضرورة المراجعة والشعور بالشعوب التي تنادي بالاستقلال وحق تقرير المصير، من شأن ذلك أن يتولد تصور لدى الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين، وضرورة مساعدة الشعوب المقهورة على وجه الأرض، وأولها الشعب العربي الفلسطيني الذي لم ينل إلى هذه اللحظة استقلاله وحريته، بينما تتغول الوحشية الصهيونية بانتهاك الأعراف والتقاليد وحتى المجتمع الدولي وقوانينه.

أنشئت ما تسمى «إسرائيل» بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947، والذي نص على تقسيم فلسطين تحت الانتداب البريطاني إلى دولتين، عربية ويهودية. بناءً على ذلك، أُعلن قيام «إسرائيل» في 14 مايو / أيار 1948، ثم قُبلت رسمياً كعضو كامل في الأمم المتحدة بموجب القرار رقم 273 في 11 مايو/ أيار.

 

اعترف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بدولة «إسرائيل» في 14 مايو/ أيار 1948 بعد دقائق من إعلان تأسيسها، ولعب دوراً محورياً في دعمها سياسياً ومالياً. كان ترومان يفخر بهذا القرار، حيث اعتبر في مذكراته أن ولادة إسرائيل قد تحققت في عهده، وهو ما مهد لبناء علاقة استراتيجية قوية بين الولايات المتحدة و«إسرائيل».

منذ الاعتراف الأمريكي بهذا الكيان الغاصب، والرؤساء الأمريكيين يلعبون على حبل التاريخ مع العرب بالمخادعة والمكر والوعود الكاذبة الزائفة، مع الحرص تماماً على عدم قيام الحرب بين العرب و«إسرائيل»، وذلك لأمور لوجيستية وإدارية واقتصادية للتمكين والقدرة على التكيف وسط محيط معاد وكاره، وبالتالي وبالرغم من حرص الولايات المتحدة من منع الحروب إلا أنها قامت وعلى فترات سجلها التاريخ بين مد وجزر احتلال أراضي إضافية وتحرير منها بالاتفاقات المبرمة فيما بعد.

صحيح أن الحروب قامت مع «إسرائيل»، والدعم اللامتناهي الأمريكي ومده بجسر جوي كلما اقتضت الحاجة، إلا أن الرؤساء الأمريكيين من هاري ترومان إلى جوزيف بايدن، كانوا يخشون الغضبة الإسلامية والعربية، ودعوة الأطراف للتهدئة وضرورة العودة إلى المفاوضات أو ما يسمى التفاهمات والاتفاقيات الموقعة، أي أنهم لم يقدموا على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، ولم يتجرأوا على منظمة الأونروا التي أقيمت بالأساس لمساعدة وتشغيل اللاجئين الفلسطيني غداة الاحتلال.

في حقيقة الأمر، هناك ما يسمى عوامل وعناصر ساهمت في تمرير الخديعة الكبرى وتقوية «إسرائيل» وإضعاف العرب، والتأكيد على الذهنية الانهزامية في عقول العرب وربما الإسلامية. من هذه العناصر ما يسمى المشروع الإيراني وطبيعة التخادم الوظيفي وتأسيسها لمبدأ الوكلاء والميليشيات التي تغولت على الدولة المركزية وفاقتها عدة وعتاداً، وتوسيع الشرخ الوطني كما حصل في لبنان وسوريا و اليمن والعراق وبصورة أقل وضوحا في الساحة الفلسطينية الذي لم يقتل أي إيرانيا في سبيل القضية!

على كل حال ومن منطلق تحليلي لا كيدي أو بناء الأمور على عواهنها، الميدان أكبر دليل والمقياس الرئيس للأفعال لا الأقوال والشعارات المزيفة والاحتفالات الخادعة والكاذبة كيوم القدس العالمي وخروج الملايين في الساحات احتفالا وابتهاجا في الوقت الذي تتقلص مساحة القدس عاما بعد عام وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاتل في كل مكان إلا القدس، وماذا نقول عن الانتهاكات اليومية للحرم القدسي والمقدسات الأخرى والقرارات التعسفية التي تنتظر الأئمة والعاملين في الشؤون الدينية والمقدسات.

عود على بدء، الظاهرة التي جاء بها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب وتقلباته السريعة والقفز في العذابات والأوجاع الفلسطينية والإبادة الجماعية التي لا تزال مستمرة بقطاع غزة والضفة الغربية وكأن شيئا لم يحصل، حيث تبنى بنفسه قيادة مجلس السلام الخاص بالقطاع، بينما أطلق العنان للمجرم الصهيوني نتنياهو بالتوسع في سوريا ولبنان وغزة، والملاحظ أن ترامب لم يتصل بالقيادة الفلسطينية الحالية في حالة فهمت على السماح للكيان الصهيوني في استكمال المشروع الصهيوني على الأقل في عهده وما تبقى له من سنوات.

إن هذا الوضع الراهن أخطر بكثير من الأوقات التي كانت فيه الحرب دائرة والتكلفة عالية جدا، لأن الهدف الرئيس هو تخدير الجهود الفلسطينية ووضعها في غرفة الإنعاش أو الانتظار دون الاتصال أو السماح للفلسطينيين من شرح قضيتهم بالمنابر الدولية، ورأينا رفض التأشيرات للوفود الفلسطينية والسماح بالوصول إلى المنابر الدولية كمجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحتى رئيسها أنطونيو غوتيرس تم تحجيمه ومؤسسته التي كان لها الوزن السياسي قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

يدرك ترامب عدالة القضية الفلسطينية، وفضّل عدم الاتصال بالفلسطينيين، لأنه رئيس صفقوي، يفضل الحلول السريعة، وحسم الأمور بكلمة أو محاولة خطف سريعة، هذه العناصر لا يمكن تجربتها والقضية الفلسطينية التي تقوم على فرز العالم، ونتائج الفرز بازدياد ولا أبالغ بأن القضية الفلسطينية بدأت باقتلاع رؤساء ومسؤولين من مناصبهم، وعامل مهم بوصول شخصيات كبرى إلى مناطق حساسة، إضافة إلى مواقف دول عدة وتقدمها بالأفعال واتخاذ إجراءات ضد الكيان الصهيوني.

يتفاخر ترامب باستقباله رؤساء وزعماء في البيت الأبيض، وقدرته على إنهاء الحروب، لكنه إلى هذه اللحظة لم يجرب الخوض في القضية الفلسطينية كما يجب، وبالتالي فإن هذا التقصير العمد، يعتبر بمثابة ضوءا أخضر للكيان الصهيوني. لم يحاول الاتصال برئيس السلطة الشرعية محمود عباس ودعوته للبيت الأبيض، حيث باتت ظاهرة «Turning» تقليب سريع لصفحات العذابات الفلسطينية وجروحها الغائرة وعدم التوقف عندها ما تميز بها هذا الرئيس التنكري والإقصائي.

 

ترامب المهووس بالأضواء والتغريدات والظهور شبه الدائم، تلقى ضربة موجعة عام 2019 عندما لم تمرر «صفقة القرن» في العاصمة البحرين ية المنامة ومن الفلسطينيين حصرا عندما غابوا عنها، والتي أشرف عليها صهره جاريد كوشنر، منذ ذلك الوقت صب جام غضبه على الفلسطينيين أولياء الدم، وبالتالي استشعر مدى تعقيد هذه القضية بالرغم من حضور بعض الدول العربية التي وقعت معاهدة سلام مع الكيان ودول كانت تنتظر نتائج المؤتمر للحاق بالسلام الإبراهيمي فيم سمي آنذاك.

 

هذه جذور الدوافع التي جعلت ترامب يتعامل مع القضية الفلسطينية بطريقة التقليب السريع والقفز فوق الحقائق والقرائن «Turning»، إلى الصفقات الكبرى والتهديد المباشر للدول التي تقف في وجه الأطماع الصهيو- أمريكية، وتأجيل الحسم أو ما يسمى مجلس السلام الذي يرأسه ويشرف بنفسه عليه، الأمر الذي يكشف مدى ضعف رؤيته لهذه القضية المعقدة والمتشابكة.. وصرف النظر لإيجاد ما يسمى حلا عادلا ينصف الفلسطينيين.

 

من مساوئ التقليب السريع والقفز إلى الماورائيات، عدم ضمان تكرارها وبالتالي تعود وتتكرر وتفرض نفسها بأحداثها وحقائقها والجرائم التي لا يمكن غض الطرف عنها سيما وأن الأطفال هم من يسقطون في غالبية الشهداء.. توبيخ وصراخ مع نتنياهو ووصفه بالمجنون والمكروه من غالبية الأمريكيين والإسرائيليين كل ذلك يعكس الحالة التي يعيشها الكيان الصهيوني ومشاغبته وخروجه عن النص الأمريكي في ظل الحكم الصفقوي المادي الذي يرى بالمصلحة فرصا قد لا تتكرر بعيدا عن المبادئ والشعارات وحتى الاستراتيجيات، وبالتالي فإن التقليب السريع وعدم الإنصات والتفلت من المساءلة والمحاسبة قد لا تأتي بنتائج ترضي الولايات المتحدة مع عالم بدأ يلتف خلف الرغبات الشعبية بالتغيير والامتعاض من الممارسات الوحشية الصهيونية المرتكبة بحق الشعب العربي الفلسطيني.

 

  • ما يخشاه ترامب فقدان الحلفاء كبريطانيا التي تغيرت لأجل فلسطين وفرنسا التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، وشجاعة اسبانيا وجرأتها باتخاذ مواقف مشرفة غير مسبوقة لصالح القضية الفلسطينية والتغيير التكتوني في عموم القارة الأوروبية التي تشهد تطورا ملموسا يهدد الوضع المزيف بالتعامل مع القضية الفلسطينية وخصوصا الشعارات المضللة كـ «معادة السامية» والتطرف الديني الإسلامي ظلما وبهتانا.. وأخيرا اعتبار الكيان الصهيوني دولة مارقة وخارجة عن إرادة المجتمع الدولي وتشكل وسياستها خطرا حقيقيا وسط جيل الشباب، جيل «زد» بالتحديد الذي يزداد يوما بعد يوم مع القضية الفلسطينية ونتائج الجيل الملموسة أصبحت واضحة وجلية.