Menu

عائِـد إلى حَيفـا رواية خلدت غسان كنفاني في السينما والتلفزيون والمسرح

د. عبداتي بوشعاب

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

 

استهلال:

من المعروف أن " غسان كنفاني " 1936 – 1972 كان مناضلا ومدرسا وصِحافيا قبل أن يُعرف أديبًا[1]، ومما لا شك فيه أن رواية عائد إلى حيفا[2]، تعد من عيون الأدب العربي والفلسطيني الحديث، فما تزال تُنسخ في طبعات جديدة داخل فلسطين وخارجها منذ طبعتها الأولى سنة 1969. الروايةُ التي تُرجمت إلى الروسية بقلم "ماجد علاء الدين" عام 1974[3]، وإلى الفارسية بقلم "يوسف عزيزي بني طرف" عام 1991[4]، ثم إلى الإنجليزية واليابانية أيضا. وقد توسعت دائرة الاهتمام بهذه الأيقونة فلم تقتصر دراستها على نقاد الأدب ومُتَرْجميه، بل ألهمت كذلك صناع السينما والدراما التلفزيونية والمسرح، شأنها في ذلك شأن معظم أعمال "كنفاني" السردية.

  1. بين دفتي النص الروائي:

بعد عشرين سنة من التهجير والغياب، يُقرر الزوجان الفلسطينيّان "سعيد" و"صفية" العودةَ إلى ’’حيفا’’ الأرض الطيبة والمدينة الشمّاء الكريمة التي اجتاحتها ميليشيات الوكالة اليهودية ومرتزقتها في نيسان أبريل 1948. عودةُ الزوجين حدثت بعد فتح الحدود بين المناطق التي استولى عليها الكيان الصهيوني وبين الضفة الغربية في الظرفية التاريخية التي عُرفت بنكسة 67.

يستهل السارد الحكي بالتوقف عند حديث الزوجين في طريق الرحلة التي انطلقت بالسيارة من مدينة ’’رام الله’’[5]، وكلامِهما عن الحرب والهزائم وكل ما وقع ويقع منذ رحيلهما مُرْغَمَيْنِ عن بيتهما تاركيْن خلفهما ابنهما "خلدون" الذي تنظرهما مفاجأة بشأنه، واستمرا في الحديث رابطيْن حاضرهما بالماضي، مرورا بــ’’ القدس ’’ فمنطقة ’’المرج’’ ثم ’’الطريق الساحلي’’ إلى مشارف ’’حيفا’’ التي ما إن وصلا إليها، حتى أطبق عليهما الصمت[6]، فقد تبدلت ملامح المدينة وزواياها وتغيّر مكان بوابتها الرئيسة، وقد تغيرت أشياء كثيرة عدا رائحة الحرب؛ إذ بقيت صامدة جاثمة على الأرض والأجواء[7].

فجأة يرجع السارد إلى يوم 21 نيسان عام النكبة[8] ليصف أحداثه الدامية أين كان "سعيد" في قلب المدينة المرعوبة وسمع أصوات الرصاص والقنابل، فحاول الذهاب مُسرعا إلى بيته المتواجد في ’’حي الحَلٍيصَة’’ ليطمئن على ابنه الرضيع وزوجته الريفية الصغيرة، فلم يمض على زواجهما سوى عام وبضعة أشهر[9]. لكنّ الرجوع استحال بواسطة السيارة، مما دفعه إلى المضي نحوَ المنزل المستأجَر عبر الشوارع الفرعية ولم يفلح في ذلك أيضا، لأن الطرقات اكتظت بالجنود الإسرائيليين الذين لم يتركوا مكانا إلى وتواجدوا فيه. وكلما تأخر في دخول الحي ازداد شعوره بالريبة والتذمر والفزع عليهما، لقد ضاع تماما وهو يحاول سلك طريق آمن أو شبه آمن يؤدي به إلى أهله.

وبالتزامن مع ضياع "سعيد" ومحاولاته اليائسة كي يصل، طال انتظار "صفية" واشتد قلقها عليه، فخرجت غيرَ واعية باحثةً عنه، تاركةً وراءها "خلدون" ذي الخمسة أشهر بالبيت؛ الزوج ضائع والزوجة حائرة والولد آل وحيدا، وفي لحظات تفتيش كل منهما عن الآخر عثر عليها هو ورافقها محاوليْن العودة إلى المنزل، غير أنّ ما سيقع لم يتخيلاه قبل ساعات فقط من تصاعد الأحداث، فقد حوصرت الشوارع وأُغلقت المعابر ويتم إعدام أي فلسطيني أو عربي يلقى عليه القبض، مما اضطرهما إلى النزوح مع عشرات الآلاف والاستقرار في ’’رام الله’’ التي رُزقا فيها بولد وبنت "خالد" و"خالدة"[10] وفي الاسمين تعيش ذكرى "خلدون" بِكرهما وسبب كسرتهما وألمِهِما والذّكرى الأكثر مأساوية بالنسبة لهما، بالرغم من فعلهما أكثر مما في وسعمها لاستعادته أو معرفة ما أصابه بعد مغادرتهما مُكرهين مُرغمين في زورق بريطاني نحو مدينة ’’عكا’’[11].

وهاهُما يُقرران بعد عشرين سنة العودة إلى ’’حيفا’’ فعليًّا للبحث عنه وعدم الاكتفاء بأخبار موظفي الصليب الأحمر ورجال الهدنة والأصدقاء الأجانب[12]. وعندما أدركا ضاحية منزلهما الصغير في الحَلِيصَة وأسكت "سعيد" محرك السيارة، بدأت "صفية" في البكاء بصوت عالٍ! إنها الذكريات المبكية المحزنة؛ العُمر الضائع في الشتات والتشرد والبعد عن الموطن والمنشأ. وكل شيء في السُّلم المؤدي إلى الباب يُذكرهما بشيء من الماضي[13]. تَفتح العجوز البولونية "ميريام" الباب وهي يهودية لا تؤمن بالفكر الصهيوني لأنها تعتبر الصهاينة غير مختلفين عن النازيين الذين عذبوا والدها وقتلوا أخاها الصغير. وبعد أن سمحت لهما بالدخول اكتشفا أن أكثر الأغراض لم تتبدل، وهي تخبرهما أنها تعرفهما وكانت تنتظر قدومَهما لرؤية ابنهما "خلدون" أو "دوف" كما تمت تسميته[14] وقد استلمته مع البيت كهدية من الوكالة اليهودية ولا شك أن "دوف" الآن قد تم تهويده.

تحكي "ميريام" في فصل كامل أحداث ما جرى يوم التهجير وتمكين آل ’’إفرات كوشن’’ من بيت الأسرة الحيفاوية وابنها[15]. يدور الحوار بين الأبوين الحقيقيين وبين الأم المتبنّية غَصْبًا حول مصير الولد، إذ عرضت الأخيرة على "سعيد" أن يتركوه يختار مع من يُريد العيش فهو راشد ويمكنه تمييز مصلحته. وبالرغم من تفاؤل "صفيه" إلا أنه سيبدأ وصلةً من جلد الذات والندم على مغادرة حيفا الحبيبة وإن كانت المغادرة لابد منها[16]، ففي لحظة الانتظار المُرّة المخزية هذه، كأنه تمنى الاستشهاد في حيفا بدل الهروب منها، وهي الأحداث نفسها تقريبا التي مر منها "فارس اللبدة" جارهم القديم وأحد أبناء ’’يافا’’ الذين عانوا التهجير والشتات والفقدان، فقرر الانضمام إلى كتائب المقاومة والعمل المسلح ضد العصابة الصهيونية[17].

يُقبل "دوف" منتصف الليل، قادمًا من عمله ليجد الضيوف في انتظاره، يرغبان في رؤيته كما أفصحت البولونية[18]، دخل عليهم الصالون بزيه العسكري حاملا قبعته، وفي علمه أن يوما ما سيأتي لمقابلة والديه الأصليّين، لكنه يُنكر الانتماء إليهما ويخبرهما أنه لا يعرف أُمًّا غير "ميريام" وأبًا غير "إفرات" المقتول في ’’سيناء’’ قبل أحد عشر عاما، أي خلال العدوان الثلاثي على مصر. وبعد أن خَيّم الصمت على المكان للحظات، توجه بالسؤال إلى أبيه: ماذا تريد يا سيدي؟ فكان هذا السؤال حارقا، وبادر الأب المتردد إلى التهرب من الإجابة بسؤال الابن: أنت في الجيش؟ من تحارب؟ ولماذا؟ وهنا ينتفض "دوف" ضده معتبرا إيّاه على الجانب الآخر بمعنى أنه عدو[19] مخبرا عن تربيته ومدرسته وديانتهِ اليهودية ووظيفته بالجيش كاحتياطي وهي صفة يعتز بها لأنه على أهبة الاستعداد لخوض معركته الأول، فضلا عن أنه لم يعلم إلا قبل أربع سنوات عن كونه من أبوين عربيَّين[20]. لكنَّ الأب يقاطعه ليُخبره - كذبا - أن أخاه "خالد" قد انضم إلى الفدائيين وهذا يعني أن مواجهةً ممكنةً بينهما في المستقبل إذ هو اختار الاستمرار يهوديا. تستمر الأسئلة الوجودية الثقيلة المطروحة من الجانبين: من أنت؟ هل تفهم؟ إذا قَبلتنا، هل نقْبلك نحن؟ ساعة وراء ساعة ويوما بعد يوم وسنة وراء سنة؟ هل الإنسان قضية وأي قضية؟ ما الوطن وما المواطن[21]؟ أما صفية فمكثت بين توجس وبكاء وحسرة وندم وغيظ.

يقف الولد أمام والديه منفجرا أمامهما بأقوى عبارات الشجب والاستنكار[22]، منددا بتخليهما عن طفل لم يتجاوز عمره الخمسة أشهر، وعدم محاولتهما المجيء إليه طيلة تلك السنوات، واليوم يحاولان استرجاعه ببساطة عبر إقناعه بندمهما وبكائِهما على فراقه، ناعتا إياهما بالعجز والجبن والاستسلام لأمر واقع كان بالإمكان تغييره. ولمّا بدا لهما أنهما قد خسرا "خلدون" إلى الأبد همَّا بالانسحاب من المنزل بكل ثقة وبأقل الخسائر النفسية الممكنة[23]، وفي قلب "سعيد" شوق أبوي جارف نحو ابنه "خالد"[24].

  1. أمامَ الفُرجة الفنّية في السينمَا والتلفزيُون والمَسرح:

كتب الناقد السينمائي الفلسطيني الراحل "بشار إبراهيم" (1962-2017)، في مقاله المطول ’’عائد إلى حيفا بين فيلمين’’[25]، أنه إذا كان للسينما الفلسطينية أن تبدأ حياتها ومسيرتها في إنتاج فيلم سينمائي روائي طويل، فلن يكون هناك أهمُّ وأفضل من أن يكون بناءً على عمل للأديب الشهيد "غسان كنفاني". فذاك هو المنطقي والمُفترض. الأمر الذي تحقق فعلا من خلال فيلمين سينمائيين؛ ’’عائد إلى حيفا’’ و’’المتبقي’’.

أولا – شريط عائد إلى حيفا:

حافَظ هذا الفيلم السينمائي المنتَج سنة 1981 من قِبل مؤسسة الأرض للإنتاج السينمائي وبدعم من منظمة التحرير، ومن إخراج العراقي "قاسم حَوَل" على معطيات النص الروائي الأصلي من ألفها إلى يائها، حيث العنوان نفسه والشخصيات عينها وطريقة السرد ذاتها. فيبدأ السيناريو الذي جسده "پول مطر" في دور سعيد و"حنان الحاج علي" في دور صفية و"كريستين شورن" في دور ميريام و"جمال سليمان" في دور خلدون.

كان يوم الواحد والعشرين من نيسان 1948، تاريخا لا يُنسى، ففيه اجتاحت العصابات الصهيونية مدينة حيفا، واستطاعت ببطشها أن تطرد السكان الأصليين، الذين فرّوا مستخدمين زوارق صغيرة عبر البحر أو مركبات عبر البر بحثاً عن الأمان من أذى القتلة المغتصبين الهمج، وقد تزامن مخطط التهجير، بتلك الأخبار المخيفة عن مجزرة ’’دير ياسين’’ وعن استشهاد القائد "عبد القادر الحسيني" مما ترتب عنه زعزعة استقرار الفلسطينيين وثباتهم في القرى والبلدات والمدن، وكانت من بينهم العائلة الحيفاوية المكونة من أبٍ وأمٍّ ورضيعها "خلدون". وكما قرأنا في الرواية نُشاهد في الفيلم أنَّ الحكيَ تأرجحَ بين التصاعد والاسترجاع الزمني لاستكشاف الوقائع وملابساتها، منذ أن قرّر سعيد وصفية التوجه إلى حيفا لاستكشاف مصير ابنهما، الذي تركاه قسراً قبل نحو عشرين سنة، آمِلَيْن العثور واستعادته. لكنَّ التحولات ستذهب بهما إلى غير ما توقعاهُ في أسوء الحالات، بعد أن يلقيا الرفض من طرف خلدون الذي أصبح دوف المعتز بانتمائه إلى الجيش الإسرائيلي بالرغم من عدم تبنيه الفكر الصهيوني لأنه تربى داخل أسرة قد عانت من عنصرية النازيين المتطابقة مع عنصرية الصهاينة والتي حاول "قاسم حَوَل" تبيان حقارتها ودناءتها بالاعتماد على مشاهد دامية صُورت باللونين الأبيض والأسود منها ما هو حقيقي من الأرشيف ومنها ما هو تمثيلي أنجزه بالكاميرا السينمائية كمشهد رمي الطفل الفلسطيني المقتول في الشاحنة ومشهد قتل الجنود الألمان لأخ المرأة اليهودية.

ثانيا – شريط المتبقي:

بإنتاج وإخراج إيراني وأداء تمثليلي سوري من لدن "سلمى المصري" في دور الجَدة صفية، "علاء الدين كوكش" الجَد راشد، "جمال سليمان" الابن سعيد، "جيانا عيد" زوجة الابن لطيفة، "غسان مسعود" مرتزق يهودي شمعون، "بسام كوسا" و"صباح بركات" في دوري يورام وهانا الزوجان البولونيان اللذان سيتبنيان الرضيع فرحان، وبالإضافة إلى أسماء أخرى يُنْجَزُ فيلم ’’المتبقي’’ سنة 1995 عن الرواية الأيقونة المتعددة الأبعاد إنسانيا وسياسيا واجتماعيا ودينيا؛ وفي هذا التعدد وجد المخرج "سيف الله داد" مساحة تفكير يسيرة لطرح مسألة الصراع العربي الإسرائيلي برؤية مختلفة لم يلتزم فيها بالنص الأصلي لا من حيث السرد ولا من حيث الموضوع عدا فكرة ترك الطفل الرضيع بالبيت ومحاولة العودة لاستعادته والهروب به نحو برٍّ آمن.

أضاف المُخرج شخصية أساسية في السيناريو، وهي الجدّة البطلة - غير الموجودة في الرواية - والتي ستُنقذ الحفيد من اليهود المتصهينين، ومن خلالها وخلال زوجها والشاب المقاوم غسان يُركز "داد" على فكرة الكفاح المسلح للدفاع عن النفس وعن الأرض، مبرزا تضحيات أبناء وبنات الشعب الفلسطيني في سبيل الحفاظ على العزة والكبرياء وشموخ النفس العربية، كما فعل راشد الذي سوف يُصاب خلال عمل كفاحي ويُستشهد وكما فعل الابن سعيد الذي تشبث بعيادته وعمله كطبيب حتى آخر لحظة وإسراره مع زوجته على العودة إلى المنزل لاصطحاب الولد فتلقفتهُمَا أيادي العار برصاص الغدر.

فنيًّا لابد من التوقف عند الإمكانات الإنتاجية التي وفرتها مؤسسة الفارابي العالمية للإنتاج السينمائي، خصوصا في مشاهد الاجتياح المنجَزة بإبداع عالٍ ومقنع، ومشهد عملية القطار المجسَّد بمهارة واحتراف وبلا أي تكلف أو سذاجة قد تنقص من قيمة الأداء الفني، حيث استطاعت إدخال حقيبة ممتلئة بالمتفجرات إلى القطار المُستخدم في نقل المزيد من المهاجرين الملتحقين بالمنظمة اليهودية التي توفر لهم المسكن والعمل بأرض فلسطين. وخلال مشهد اجتياح العصابات الصهيونية مدينة ’’حيفا’’ بمساعدة البريطانيين الذين سهلوا عملية إقامة وطن لليهود حسب وعدهم لهم عام 1917، استُشهد الزوجان سعيد ولطيفة وهما في طريقهما نحو بيتهما لجلب فلدة كبدهما، فتنتهي رحلة زواجهما ويعطى بيتهما للزوجين اليهوديين مع هدية صغيرة تمثلت في الرضيع فرحان الذي اعتبراهُ هبة سماوية لأنهما لم يُنجبا بعد. الأمر الذي لن تستسيغه الجَدة ولن يقبله الجَد فحاولا أولا خطف الطفل بمساعدة المناضل غسان لكن بدون جدوى، فتم اللجوء إلى حيلة أخرى وهي تقرب لطيفة من الأسرة البولونية كعاملة في البيوت لتتمكن من تنفيذ خطتها لاسترجاع حفيدها حتى لا يكبر ويعلم أن أهله الفلسطينيين تركوه وحيدا فقام اليهود بالإحسان إليه كما سيجعلونه يعتقد. وسوف تنجح الجدة أخيرا في إنقاذ حفيدها بمخاطرةٍ تتأسس على مبدأ تكون أو لا تكون عبر القفز من القطار الذي ستنفجر فيه حقيبة المتفجرات التي تمكنت من تمريرها عبر حاجز المراقبة.

يمكن استخلاص أن المشترك بين الفيلمين هو الاستناد إلى نص "كنفاني"، أما الفرق بينهما هو حجم ذلك الاستناد، فــ "قاسم حَوَل" تبنّى الرواية كما هي بلا تغيير مؤثر على سير الحكي أو المضمون. بينما "سيف الله داد" غيّر كل شيء، إلا فكرة بقاء الرضيع في البيت ومحاولة وصول أبويه إليه.

الإبداع الحقيقي الذي يفيد الإنسانية، يعيش للأبد، وهذا بالضبط ما ينطبق على رواية الأديب الفلسطيني المناضل ضد الظلم والطغيان، كلما مضى عليها الزمن علت قيمتها الأدبية وازداد الطلب على قراءتها واستثمارها في إنجاز أعمال فنية جديدة ومختلفة. فوصلت إلى الدراما التلفزيونية عام 2004 مع الثنائي الفلسطيني "باسل الخطيب" مُخرجًا و"غسان نزال" سيناريستًا بمسلسل يحمل العنوان عينَه في ثلاثين حلقة من إنتاج مؤسسة عرب للإنتاج الفني. وأدّى الأدوار الأساسية فيه كل من: "سلوم حداد" في دور سعيد، "نورمان أسعد" في دور صفية، "سامر المصري" في دور قاسم، "تاج حيدر" في دور خالدة، "محمد رافع" في دور خالد. إضافة إلى فريق لامع من الممثلين السوريين من بينهم "تيسير إدريس" و"صباح الجزائري" و"ناهد حلبي" وآخرين.

يُصور المسلسل على نحوٍ أوسع مأساة القرن العشرين المتمثلة في النكبة، من خلال البناء الدرامي المبني على سيناريو محكم مستند إلى نص روائي مكتمل أدبيّا وفنيّا، قائم على أحداث تاريخية حقيقية. إذ يرى الناقد "عادل سالم"[26]، أن الممثلين قد أبدعوا في نقلها سواء الذين مثلوا الجانب الفلسطيني، وتقمصوا دور الضحايا والمقاومين، أو الذين مثلوا الجانب اليهودي، ومثلوا دور الجلاد، والمجرمين. وبكمٍّ هائل من الأدوار الأساسية والثانوية والعابرة والأحداث المؤثرة، تنجح الدراما السورية في طرح القضية الفلسطينية كاشفة عن الوقائع الحقيقية التي واكبت التهجير القسري للحيفاويين وغيرهم من موطنهم. وبالرغم من فقدان الأمل في قرب العودة إلى ’’حيفا’’ بعد مغادرتها إجبارا وإكراها، آمن الزوجان سعيد وصفية بنجاة ابنهما خلدون وبقائه على قيد الحياة، فظلًّا يحاولان معرفة أي خبر عنه مهما كان بسيطا، ولم يستسلما للشكوك وتقبل فكرة أنهما قد فقداه إلى الأبد، فشخّصا بحق حالة الكثير من الآباء والأمهات الفلسطينيين بعد النكبة تشخيصا أسهم في تصاعد التوتر الدرامي واستثارة المشاهدين لمواصلة متابعة الحلقات. وتظهر كذلك المقاومة والكفاح المسلح ضد الصهاينة وداعميهم الإنجليز من خلال دور قاسم ورفيقيه في النضال، وهذا خيار موضوعي على أية حالٍ ركز عليه السيناريست ولم يتجاوزه المخرج تنفيذا للرؤية الكنفانية في النص الأصلي.

بالرغم من أن المسلسل لم يلتزم بالتفاصيل الروائية إلا أن "غسان نزال" توسع في التعريف بالسياق العام لاندلاع أحداث نيسان 48 كاملة، حينما سقطت ’’حيفـا’’ بعد أن دمرها مرتزقة منظمة ’’الهاغانا’’ التي تأسست في القدس عام 1921 وكان هدفها الأساسي حماية اليهود وتنفيذ عملية تطهير عرقي شامل في فلسطين، فارتكبت عصاباتها فظائع يندى لها جبين الإنسانية ضد الفلسطينيين بواسطة المدافع التي قصفت وقتلت أعدادا لا تُحصى منهم، لإجبار من تبقى على الهرب بالسفن التي أحضرت اليهود ليقيموا في ’’حيفا’’، وبالمقابل تنتظرهم في الميناء كي تذهب بهم بعيدا عنها نازحين ومشردين في المخيمات والبلدان المجاورة ك الأردن ولبنان وسوريا. والعمل الدرامي يعرض هذه الرحلة الطويلة الشاقة والمضنية من التشرد والمعاناة والغربة والفقر وقلة الحيلة، والبحث عن المأوى بعد أن سُرقت أرضهم وأُخذت منهم قراهم وبلداتهم ومدنهم بالقوة فحدث الشتات الذي أنهكهم.

  • العرض المسرحي:

لم تتوقف ’’عائد إلى حيفا’’ عند السينما والتلفزيون، وإنما ألهمت كذلك عددا من المسرحيين العرب، ومنهم المخرج الفلسطيني "يحيى البشتاوي" والمخرجة اللبنانية "لينا أبيض" حيث قدم كل منهما عرضا مسرحيا بالعنوان نفسه، وباختلاف في طريقة الإعداد والرؤية الإخراجية.

أولا – مسرحية يحيى البشتاوي:

أعد "يحيى البشتاوي" من رواية ’’عائد إلى حيفا’’ عرضا مسرحيا مونودراميا (فرديا) سنة 2009 تزامنا مع الذكرى الواحدة والستين للنكبة، أنتجته فرقة طقوس الأردنية - وهو متاح على موقع يوتيوب[27] - وأدّاهُ الممثل الفلسطيني "غنّام غنام" مُشخّصا تسعة أدوار لتسع شخصيات. مع مراعاة المستجدات الطارئة على آخر قضايا إنهاء الاستعمار بالعالم، وإظهار الفرق بين المساحة التي كانت تشغلها القضية بالنسبة للهيئات الديبلوماسية العربية وعند المثقفين العرب خلال القرن العشرين، وبين ما آلت إليه في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين حيث تراجعت قوة الترافع العربية عن القضايا القومية وبالتحديد قضية الأرض المقدسة.

بُنيت المسرحية على حوارات قصيرة توزعت بين الشخصيات التسعة؛ فجسّد الممثل أصواتها بمهارة لم تخلُ من مجهود أدائي ملحوظ، حيث قَلّد أصوات كل من: الأب، الأم، الجدة العجوز، الابن الشاب (خلدون)، المستوطن البولوني وزوجته وابنه المجند في جيش الاحتلال (دوف). وذلك بواسطة التناوب وحُسن التخلص من كلام شخصية ثم الانتقال إلى أخرى بمرونة وهوادة يسرها الإعداد الدراماتورجي الذي برع "البشتاوي" في إنجازه، كما نجح في اختيار ديكور وتصميم سينوغرافي ملائم للموضوع بالرغم من بساطته إلا أنه ذو مغزى قومي نضالي، كما عملت المؤثرات الصوتية التي وظفها "مراد دمرجيان" من أغانٍ ومعزوفات على إبراز مشاعر معاناة عرب ثمانية وأربعين تحت وطأة الاحتلال والتخريب الذي ألحقته الشرذمة الصهيونية بالبلاد والعباد.

ثانيا – مسرحية لينا أبيض:

عرضٌ من إعداد وإخراج اللبنانية "لينا أبيض" سنة 2010، تم تطويره سنة 2013 ليُعرض بمسرح بابل في بيروت تزامنا مع الذكرى الخامسة والستين للنكبة، وقد تمت مسرحة الأحداث كما جاءت في الرواية من خلال التجسيد الجماعي للأدوار من قِبل فريق ممثلين محترفين هم: "غنام غنام" في دور سعيد و"رائدة طه" في دور صفية و"علية الخالدي" في دور ميريام و"حسين خال" في دور دوف. من إنتاج مؤسسة "غسان كنفاني" التي أتاحته للمشاهدة على موقع يوتيوب في ثلاثة أجزاء[28]. والظاهر أن العرض أوفى لروح النص الأصلي بالمحافظة على بنيته الحكائية الأساسية، لكنه قدمها بطريقة مكثفة ومثيرة للنوازع التاريخية والنفسية والتفكر في الماضي البئيس الذي توالت فيه الهزائم ما بين النكبة والنكسة. كما أخلصت "أبيض" لمقاصد الأديب فأظهرت الفلسطيني مساوياً لليهودي؛ الأول بريء قبل الهزيمة، والثاني بريء قبل الصهيونية. فــ "كنفاني" أظهر اليهودية البولونية ميريام على أنها ليست من العصابات الصهيونية بل يهودية عادية، حيث جعل لقاء العائلة الفلسطينية معها موعدًا بين الضحايا. في هذا الصدد يرى الكاتب الفلسطيني "رائد وحش"[29]، أن "غسان كنفاني" كان له قصب السبق لأول مرة في الأدب العربي الحديث في مسألة إظهار اليهودي كضحية من جهة والربط بين عذاب المضطهدين في كل مكان. غير أن الفلسطيني سعيد سيتوصل في نهاية المسرحية بقناعة مفادها مشروعية قيام حرب جديدة لاستعادة وطنه ومدينته وبيته المسلوب.

أما على المستوى الفني نجد المخرجة قد اختارت ديكورا بسيطا لبيت سعيد وصفية، وسيارة مركونة جانب الخشبة، فتوزعت المشاهِد بين السيارة كوسيلة لعودة الأبوين إلى ’’حيفا’’ وبين أرجاء البيت الذي مثّل فضاء المواجهة المنتظرة مع محتلّيه ومع الابن المفقود / الموجود كرمز لماضي الهزيمة وعلامة دالة على حاضر التقهقر. أما الابن الآخر خالد الراغب في الالتحاق بصفوف الفدائيين فهو السبيل إلى نسيان النكبة وتجاوز الحاضر واستشراف المستقبل المأمول في الانتصار والانعتاق والتحرر. والملاحظ أن المنظر العام للتصميم السينوغرافي لم يكن على قدر قيمة العمل المُمَسرح والقضية المعالجة؛ حيث إن الرسومات والزخارف لا ترمز بأي صلة مباشرة أو غير مباشرة للقضية الفلسطينية، فبدت مجرد أشكالٍ للاستهلاك البصري تؤدي وظيفة تزيينية بلا مغزى ثوري أو نضالي أو إنساني. ولم يحمل العرض أي اختلاف عن الرواية، لكنه تأكيد على استمرار تفاعل المسرح العربي مع أيقونة الأدب الفلسطيني الداعية في كل زمان إلى العودة إلى القضية العربية الأولى والأخيرة.

 

ختامـــا:

لم تغب "عائد إلى حيفا"، عن التناول الفني منذ شيوعها كإحدى جواهر السرد العربي عموما وأدب المقاومة على وجه التحديد، فشكلت أولًا باكورة أعمال السينما الفلسطينية عام 1981 مع المخرج قاسم حوَل ثم مع المخرج سيف الله دادْ سنة 1995، ووجدت لنفسها طريقًا للظهور عبر الشاشة الصغيرة سنة 2004 مع المخرج باسل الخطيب، ثم رأت النور في المسرح مع المخرج يحيى البشتاوي سنة 2009 والمخرجة لينا أبيض سنة 2013. ففرضت الرواية بناءها الموضوعي والسردي على فيلم واحد ومسرحية واحدة، فيما كانت منطلقًا لإنجاز فيلم آخر ومسرحية أخرى، بينما زاوج المسلسل بين الالتزام بالنص والاعتماد على الخيال لتوسيع دائرة الأحداث. إلا أنَّ كل هذه الأعمال الفنية تعيد المتلقي العربي إلى أربعينيات القرن العشرين ليعيش النكبة بتفاصيلها التي نسجها "غسان كنفاني" في الرواية وأخرجها هؤلاء المبدعون كلٌّ حسب ما يوفره له الفن الذي يبدعه من سُبل تعبيرية بصرية وسمعية، كما أجمعت الأعمال على تبني فكرة رفض الأمر الواقع من خلال الاستسلام، بل دعت إلى تجديد المقاومة الفكرية والسياسية والعسكرية لتحرير الأرض المقدسة وعودة أبنائها من الشتات إليها، وهكذا يتجلى خُلود حق العودة بين أبناء سعيد وصفية خلدون وخالد وخالدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراجع وهوامش:

[1] - حيدر توفيق، غسان كنفاني: الكلمة والجرح. دار الكتب العلمية، ط 1، لبنان 1995، ص 11.

[2] - غسان كنفاني، عائد إلى حيفا. منشورات دار الرمال، قبرص، طبعة 2015.

[3] - حوار مدونة وطن مع الناقد والمترجم ماجد علاء الدين، منشور بموقع المدونة الرقمي على شبكة الويب:

د-ماجد-علاء-الدين-المترجم-الفذ-والناقل-الأمين/ www.esyria.sy/2017/08

 

[4] - يوسف عزيزي بني طرف، بازگشت به حیفا. منشورات جكامة إيران، ط 1، 1991.

[5] - غسان كنفاني، عائد إلى حيفا. مرجع سابق، ص 5.

[6] - نفسه، ص ص 6 – 26.

[7] - نفسه، ص 8.

[8] - نفسه، ص 11.

[9] - نفسه، ص 12.

[10] - نفسه، ص 22.

[11] - نفسه، ص 37.

[12] - نفسه، ص 23.

[13] - نفسه، ص 28.

[14] - نفسه، ص 34.

[15] - نفسه، ص 37 وما بعدها حتى ص 46.

[16] - نفسه، ص 50.

[17] - نفسه، ص 51 وما بعدها حتى ص 60.

[18] - نفسه، ص 62.

[19] - نفسه، ص 65.

[20] - نفسه، ص 68.

[21] - نفسه، ص 71.

[22] - نفسه، ص 74.

[23] - نفسه، ص 76.

[24] - نفسه، ص 79.

[25] - موقع شبكة الجزيرة الإعلامية على الويب، عبر الرابط: عائد-إلى-حيفا-ما-بين-فيلمين/www.aljazeera.net/follow-up/2015/8/6

 

[26] - موقع ديوان العرب على الويب، عبر الرابط: مسلسل-عائد-إلى-حيفا-أكبر-من-رواية/www.diwanalarab.com

 

[27] - موقع منصة يوتيوب على الويب عبر الرابط: watch?v=17KZ_LNquEk/ www.youtube.com

 

[28] - موقع منصة يوتيوب على الويب عبر الرابط: www.youtube.com/watch?v=JRHtaFdy3bg&t=326s

 

[29] - موقع مركز الدراسات الإعلامية الإماراتية على الويب، عبر الرابط: مسرحية-عائد-إلى-حيفا--46-عاماً-على-العودة-الناقصة/24. www.ae/article/23435