لم يعد السؤال اليوم: هل تقبل المقاومة الفلسطينية بخارطة الطريق التي وضعها "مجلس السلام"؟ فالسؤال الآن الأكثر إلحاحًا هو: ماذا يعني أن ترفض إسرائيل نفسها الخطة التي رسمها حلفاؤها، التي تصب في مصلحة إسرائيل، ويفترض أنها جاءت لإنهاء الحرب، وفتح الطريق أمام المرحلة الثانية؟
إنّ رفض بنيامين نتنياهو، لوثيقة النقاط الخمس عشرة التي طرحها ما يسمى "مجلس السلام" بشأن غزة، وإعلانه أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب قبل نزع سلاح حماس والفصائل، ليس مجرد تفصيل تفاوضي يمكن تجاوزه في الجولة المقبلة. إنه مؤشر سياسي بالغ الدلالة على أن الحكومة الإسرائيلية ما زالت تريد إعادة تعريف الاتفاق بما يتناسب مع شروطها التعجيزية، حتى عندما تكون قد وافقت الأطراف الأخرى على مسار يفترض أن يقود إلى إنهاء الحرب.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية
فإذا كان الاتفاق يحتاج إلى موافقة إسرائيلية في كل مرحلة، وإذا كان الاحتلال يستطيع عند كل استحقاق أن يضع شرطًا جديدًا، فكيف يمكن الحديث عن اتفاق ملزم أو عن مرحلة ثانية أو عن انسحاب متبادل؟
لقد قبلت الفصائل، وفق ما أعلنته حركة حماس والفصائل، صيغة تتضمن مسارًا لنزع السلاح وتخزينه تدريجيًّا ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة، بينما جاء الرفض الإسرائيلي ليعيد وضع نزع السلاح الكامل شرطًا مسبقًا على الانسحاب. وهذا يغيّر جوهر المعادلة: فبدل أن يكون نزع السلاح جزءًا من عملية سياسية متبادلة، يتحول إلى شرط إسرائيلي أحادي يسبق أي استحقاق إسرائيلي. وهنا ينبغي أن يتحمل (الوسطاء) مسؤولياتهم؛ لأن وظيفة الوسيط لا يمكن أن تكون في الضغط على الطرف الأضعف وحده، ومطالبة الفلسطينيين في كل مرة بمزيد من المرونة كلما رفضت إسرائيل التزاماتها.
فالوساطة الحقيقية لا تعني إدارة التنازلات الفلسطينية، بل ضمان تنفيذ الاتفاق من جميع الأطراف.
لقد قدم الفلسطينيون مرونة مؤلمة من أجل وقف الحرب، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة الناس، وفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة، لكن هذه المرونة لا ينبغي أن تتحول إلى مورد مفتوح لاستنزاف الموقف الفلسطيني وانتزاع تنازل جديد بعد كل تنازل.
فإذا كانت هناك قاعدة تفاوضية اسمها "التبادلية"، فإن معناها واضح: ما يقدمه الفلسطينيون يقابله استحقاق إسرائيلي، وما يلتزم به الفلسطينيون يقابله التزام من الطرف الآخر
.أما أن يُطلب من الفلسطينيين نزع سلاحهم، وإعادة تشكيل بنيتهم السياسية والأمنية، والقبول بترتيبات دولية لإدارة القطاع، بينما يبقى الاحتلال محتفظًا بقواته ومواقعه وشروطه، فهذه ليست تسوية متوازنة، بل إعادة إنتاج لعلاقة القوة تحت عنوان جديد.
أخطر ما في اللحظة ليس الرفض الإسرائيلي وحده؛ فالأخطر هو أن يتحول الرفض الإسرائيلي إلى مدخل لإعادة صياغة الاتفاق كله. أي أن يجري تقديم خطوات جزئية باعتبارها تنفيذًا للاتفاق، بينما يجري عمليًّا تثبيت واقع جديد في غزة: تقسيم القطاع، تكريس مناطق السيطرة الإسرائيلية، إبقاء مئات الآلاف أو أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة محدودة، ثم تحويل الوضع المؤقت إلى واقع دائم.
وهنا يجب أن يكون الفلسطينيون والوسطاء أكثر حذرًا من أي وقت مضى، فـالخطوة الجزئية ليست بالضرورة خطوة نحو الحل. أحيانًا تكون الخطوة الجزئية أخطر من الرفض الصريح، لأنها تُوهم الجميع انطباعًا بأن الاتفاق يتحرك، بينما يجري على الأرض تثبيت واقع يناقض روحه.
وقد كشفت التقارير السابقة حول «خارطة مالدينوف» أن الخلاف لم يكن تقنيًّا فقط، بل طال قضايا جوهرية مثل الانسحاب الإسرائيلي والسلاح وصلاحيات الإدارة في القطاع.
ولهذا، فإن القلق الفلسطيني من تماهي بعض الوسطاء مع الرؤية الإسرائيلية لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام شخصي، بقدر ما يجب أن يكون سؤالًا سياسيًّا مشروعًا: هل يعمل الوسيط على تقريب مواقف الأطراف، أم أصبح يعمل على تقريب الموقف الفلسطيني من الشروط الإسرائيلية؟
الفرق بين الأمرين كبير
لا يجوز أن تتحول غزة إلى تجربة هندسة سياسية، فالمشكلة ليست فقط في السلاح. فالقضية الفلسطينية ليست مشكلة أمنية تحتاج إلى حل أمني، وليست غزة كتلة سكانية تحتاج إلى إعادة هندسة سياسية، لأن غزة جزء من الشعب العربي الفلسطيني، وما يجري فيها يجب أن يكون جزءًا من حل سياسي فلسطيني شامل، لا مشروعًا لإدارة قطاع منفصل، منزوع السياسة، منزوع القدرة على التأثير، ومحكومًا من الخارج تحت عناوين الإعمار والاستقرار والسلام.
نعم، غزة تحتاج إلى الأمن، وتحتاج إلى إعادة الإعمار، وتحتاج إلى إدارة مدنية ذات كفاءة، وتحتاج إلى مؤسسات قادرة على حماية الناس وإدارة حياتهم، لكنها قبل ذلك وبعده تحتاج إلى أفق سياسي. فالأمن بلا سياسة يتحول إلى إدارة للأزمة، والإعمار بلا حقوق سياسية يتحول إلى إعادة بناء للركام فقط، والهدنة بلا ضمانات قد تصبح مجرد استراحة بين حربين.
ماذا ينبغي أن يفعل الوسطاء العرب والأتراك تحديدًا؟
المطلوب اليوم ليس إصدار بيانات جديدة تطالب الفلسطينيين بالمزيد من المرونة.
المطلوب أن يقول الوسطاء بوضوح للحكومة الإسرائيلية: الاتفاق لا يُنفذ من طرف واحد. إذا كان هناك اتفاق، فهناك التزامات متبادلة. وإذا كانت هناك مرحلة ثانية، فلابد أن تكون لها معايير واضحة وجداول زمنية وضمانات وآلية رقابة مستقلة. وإذا كان الانسحاب الإسرائيلي جزءًا من الاتفاق، فلا يجوز استبداله بوعود غامضة أو إعادة تعريفه في كل مرحلة.
كما أن المطلوب عربيًّا وإسلاميًّا ليس مجرد بيانات تضامن، بل موقف سياسي موحد يرفض تحويل غزة إلى مساحة تجريبية لمشاريع سياسية لا يشارك الفلسطينيون في تحديد مستقبلها. وكذلك على الفلسطينيين أيضًا مسؤولية، وهي لا تقع على الوسطاء وإسرائيل وحدهما، فالفلسطينيون أنفسهم أمام لحظة تاريخية تتطلب الانتقال من ردود الفعل إلى صناعة القرار.
لا يكفي أن نقول "نرفض" أو "نقبل".
المطلوب أن تكون لدينا رؤية فلسطينية واضحة لما بعد الحرب: من يحكم غزة؟ كيف يعاد بناء مؤسساتها؟ ما شكل العلاقة بين غزة والضفة؟ كيف يعاد بناء النظام السياسي الفلسطيني؟ وما هي الضمانات التي تمنع تحويل المرحلة الانتقالية إلى فصل دائم لغزة عن باقي الوطن؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتهي الحرب العسكرية لتبدأ حرب سياسية على شكل فلسطين ومستقبلها. وهذه الحرب لا يمكن مواجهتها بالخطابات وحدها.
لحظة اختبار حقيقية
ربما يكون رفض نتنياهو لخطة "مجلس السلام" قد كشف شيئًا بالغ الأهمية: المشكلة ليست دائمًا في غياب الخطط، بل في غياب الإرادة السياسية لإلزام الطرف الأقوى بتنفيذها.
فإذا كانت "إسرائيل" تستطيع رفض الخطة بعد طرحها، ووضع شروط جديدة، وربط الانسحاب بنزع السلاح وفق تعريفها الخاص، فإن السؤال يصبح: ما قيمة كل الوساطات والخرائط والاتفاقات إذا لم توجد آلية تجعل الاتفاق ملزمًا للجميع؟
هذه هي اللحظة التي يجب أن يتوقف فيها الفلسطينيون والعرب والمسلمون عن التعامل مع السياسة بمنطق انتظار ما سيقرره الآخرون، فغزة ليست ورقة تفاوضية، والشعب الفلسطيني ليس تفصيلًا في ترتيبات إقليمية، والسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على مطالبة طرف واحد بالتنازل المستمر، بينما يحتفظ الطرف الآخر بحق الرفض وإعادة التفاوض إلى ما لا نهاية.
لقد أنهكت الحرب غزة، لكن ما بعد الحرب قد يكون أكثر خطورة إذا لم ننتبه.

