لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالمدافع والطائرات والصواريخ وحدها؛ فهناك حرب أخرى أكثر خفاءً وعمقاً:
"حرب الوعي".
في عصر الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل أيضاً: من يملك القدرة على التأثير في وعي الإنسان، وفي نظرته إلى نفسه وعدوه ومستقبله؟
وفي غزة تبدو المسألة أكثر قسوة، فغزة لا تتعرض للدمار وإعادة الهندسة العمرانية فحسب، بل تتعرض، تحت وطأة الحرب والنزوح والفقر والحصار والاستغلال، لإعادة تشكيل عميقة للمجتمع: في وعيه، وقيمه، وعلاقاته، واقتصاده، وحتى في مفهومه للكرامة والانتصار والهزيمة والمقاومة.
فحين يُهدم البيت يمكن إعادة بنائه، وحين تُدمر الطرق والمصانع والمؤسسات يمكن إعادة إعمارها.
لكن ماذا يحدث عندما يُعاد تشكيل الإنسان الذي سيبني كل ذلك؟
هنا أجد نفسي أمام مفهوم يستحق التوقف عنده طويلاً:
احتلال الحاجة ... من لا يملك قوته لا يملك قراره
فالاحتلال لا يحتل الأرض وحدها، وقد لا يحتاج دائماً إلى أن يقول للإنسان ماذا يفعل؛ يكفي أحياناً أن يسيطر على شروط حياته، بحيث تصبح حاجته هي التي تدفعه إلى اتخاذ القرار.
الإنسان الجائع يفكر بطريقة مختلفة عن الإنسان الآمن، والنازح يفكر بطريقة مختلفة عن صاحب البيت، ومن يبحث عن الماء والدواء والمأوى لا يملك المساحة النفسية نفسها التي يملكها من يعيش في ظروف مستقرة.
وهنا تصبح الحاجة أداة ضغط، ويصبح السؤال ليس: "ماذا نريد؟" بل: «كيف نعيش؟»
أن يصبح الإنسان مضطراً إلى اتخاذ موقف لأنه محتاج، لا لأنه مقتنع؛ وأن يتحول القبول بالأمر الواقع إلى نتيجة للخوف من فقدان الضروريات، لا إلى قناعة سياسية.
ولهذا فإن استعادة الإنسان الفلسطيني لقدرته على التفكير الحر ليست قضية ثقافية مؤجلة إلى ما بعد الحرب، بل هي جزء من معركة التحرر نفسها.
نحن بحاجة إلى استعادة المسافة بين حاجتنا وقرارنا، وبين خوفنا وخياراتنا، وبين ما نضطر إليه اليوم وما نريده غداً.
ومن هنا يأتي السؤال عن الانتخابات الفلسطينية.
أنا لا أجادل في حق شعبنا في الانتخابات، ولا أضع الديمقراطية في مواجهة النضال الوطني. فالانتخابات الحرة والنزيهة جزء أصيل من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
لكن المشكلة ليست في الانتخابات، بل في شروطها وتوقيتها والبيئة التي تُجرى فيها.
ماذا يعني أن نخوض استحقاقاً سياسياً في مجتمع أنهكته الحرب، وشُرد مئات الآلاف من أبنائه، ودُمرت مؤسساته واقتصاده، وأصبح البقاء نفسه معركة يومية؟
هل يمكن أن نفصل قرار الناخب عن الخوف والنزوح والفقر والحاجة؟
فالانتخابات ليست مجرد صندوق، والديمقراطية ليست مجرد ورقة اقتراع؛ إنها أيضاً بيئة حرة، وإعلام مستقل، وحقوق سياسية، وحريات عامة، وتكافؤ في الفرص، وقدرة الناخب على اتخاذ قراره بعيداً عن الإكراه والحاجة والخوف.
وربما تكون المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط حول الانتخابات، بل حول من سيحصد سياسياً ثمار المرحلة التي أنتجتها الحرب.
فالحرب تغير المجتمع، والدمار يغير الأولويات، والحاجة تغير السلوك، والخوف يعيد ترتيب القيم، والنزوح يعيد تشكيل الجغرافيا الاجتماعية، والفقر يعيد تشكيل العلاقات، و"الفضاء الرقمي يعيد تشكيل الوعي".
ثم يأتي المرسوم الرئاسي ليطلب من هذا المجتمع المنهك أن يصوت.
لكن السؤال الذي يجب أن يسبق ذلك كله هو:
أي مجتمع سيصوّت؟ وما الذي تغير في وعيه؟ ومن ساهم في صناعة هذا التغيير؟ ومن سيستفيد منه؟
نحن نبحث عن الماء، بينما يعاد رسم الاقتصاد.
نبحث عن مأوى، بينما يعاد تشكيل الجغرافيا.
نبحث عن لقمة العيش، بينما تتغير بنية المجتمع.
نحاول النجاة من اليوم، بينما تُزرع تصورات الغد.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: كيف نخرج من الحرب؟
بل أيضاً:
ماذا ومن نريد أن نكون بعد الحرب؟
هل سنخرج منها أكثر قدرة على التفكير والاختيار، أم أكثر تبعية لمن يملك الغذاء والمال والمأوى؟
هل سنخرج أكثر تمسكاً بالحرية والكرامة، أم سنصبح مستعدين للتنازل عن جزء من حريتنا مقابل تأمين حاجاتنا الأساسية؟
وهذه ليست أسئلة افتراضية.
فنحن نسمع اليوم، في ظل القتل والدمار والفقر والحصار، من يقول: "أنا مستعد لتأييد الشيطان، أو المنسق، أو الإمارات و قطر ، أو أي جهة أخرى إذا كانت ستوفر لي الطعام والمال والعمل والأمان."
لا ينبغي أن نتعامل مع هذه العبارات فقط باعتبارها تبدلاً في المواقف السياسية أو تخلياً عن المبادئ؛ فهي أيضاً تعبير عن واقع أكثر قسوة: حين تصبح الحاجة أقوى من القدرة على الاختيار.
فالإنسان الذي لا يعرف من أين سيأتي طعام أطفاله غداً، أو أين سيعيش، أو كيف سيؤمن دواء مريضه، قد يجد نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب أولوياته، وربما إلى القبول بما كان يرفضه في ظروف أخرى.
وهنا تكمن خطورة احتلال الحاجة.
فالأمر لا يبدأ بالضرورة بالتخلي عن القناعات دفعة واحدة، بل بتغيير سلم الأولويات: يصبح البقاء أهم من المبدأ، والخبز أهم من الموقف، والمأوى أهم من السياسة، والأمان أهم من الحرية.
ومع استمرار الحاجة، قد يتحول الاضطرار المؤقت إلى قناعة، ثم تتحول القناعة إلى موقف، وربما يصبح الموقف لاحقاً جزءاً من صناعة المستقبل.
لذلك علينا أن نسأل أنفسنا بصدق:
إذا كان الإنسان يختار تحت ضغط الجوع والخوف والحاجة، فإلى أي مدى يكون اختياره حراً؟
وهل يجوز أن نلوم إنساناً دفعته الحاجة إلى التفكير بهذه الطريقة، أم أن مسؤوليتنا الحقيقية هي أن نبني مجتمعاً لا يُجبر فيه الإنسان على المقايضة بين كرامته ولقمة عيشه؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب ليس أن تجعل الإنسان فقيراً فقط، بل أن تجعله يعتقد أن الفقر قدر، وأن التنازل ضرورة، وأن من يملك القدرة على إطعامه يملك بالتالي حق تحديد موقفه ومستقبله، "أو كما يقول المثل العامي: اللي بيوخذ أمي بيصير عمي".
لهذا فإن التحرر من الاحتلال لا يكتمل فقط باستعادة الأرض، بل يحتاج أيضاً إلى استعادة القدرة على الاختيار.
فالاحتلال قد يصادر الأرض، لكن لا ينبغي أن نسمح له بأن يصادر القرار.
والحرب قد تدمر المكان، لكن لا ينبغي أن نسمح لها بأن تدمر قدرتنا على التفكير.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط:
من سيحكم غزة بعد الحرب؟
بل السؤال الأعمق:
من سيصنع الإنسان الذي سيختار من يحكم غزة؟
وهنا تبدأ المعركة التي لا يجوز أن نخسرها.
وماذا عن دور الفصائل في حماية الإنسان من «احتلال الحاجة»؟
هنا تبرز مسؤولية الفصائل الفلسطينية بوضوح، فإذا كانت الحاجة الإنسانية يمكن أن تتحول إلى أداة للضغط على الإنسان، فإن حماية المواطن من استغلال حاجته يجب أن تكون مسؤولية وطنية، لا هامشاً عليها.
فالحاجة قد يستغلها العدو من الخارج، حين يجعل الغذاء والدواء والمأوى والعمل ثمناً للقبول بشروطه، وقد تُستغل من الداخل حين تتحول المساعدات إلى وسيلة لاستقطاب الناس أو شراء الولاءات أو التأثير في خياراتهم السياسية.
ونحن، في الحالة الفلسطينية والعربية، اعتدنا تشخيص المشكلات ونقد الواقع دون تقديم حلول عملية، لذلك فإن السؤال هنا ليس فقط: كيف نشخص؟ بل: ماذا يجب أن نفعل؟
مسؤولية الفصائل التاريخية أن تمنع تحويل معاناة الناس إلى سوق سياسية تُشترى فيها المواقف، فلا ينبغي أن تكون المساعدة مقابلاً للولاء، ولا الغذاء بطاقة انتخابية، ولا المأوى وسيلة لاستقطاب سياسي.
وعلى الفصائل أن تتوافق على قواعد واضحة تضمن وصول المساعدات والخدمات إلى مستحقيها باعتبارها حقوقاً لا مِنَحاً حزبية، وأن ترفض احتكارها أو توزيعها على أساس الانتماء السياسي، وأن تستخدم نفوذها السياسي والشعبي لضمان الغذاء والدواء والمأوى والعمل لكل محتاج.
الفصيل الذي يريد أن يكون جزءاً من مستقبل فلسطين عليه أن يسأل نفسه: ماذا نقدم للناس كي يبقوا أحراراً في خياراتهم، لا ماذا نقدم لهم كي يصوتوا لنا؟
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى فصائل تحمي استقلال المواطن، لا تستثمر في حاجته؛ وتساعده على استعادة قدرته على الاختيار، لا تصادر هذا الاختيار.
وربما يكون أهم اتفاق وطني اليوم هو ألا تتحول لقمة العيش إلى بطاقة انتخابية، ولا المساعدة إلى وسيلة ولاء، ولا المال السياسي إلى بديل عن الإرادة الشعبية.
فالانتخابات في مجتمع أنهكته الحرب قد تكون قانونية ونزيهة من حيث الإجراءات، لكنها لا تكون بالضرورة في بيئة تضمن حرية الاختيار.
ومن هنا، فإن مسؤولية الفصائل ليست فقط الاستعداد للفوز بالانتخابات، بل تهيئة الظروف التي يستطيع فيها المواطن أن يقول "نعم" أو "لا" دون أن يخاف على خبزه أو بيته أو دوائه أو مستقبل أطفاله.
عندها فقط يصبح صوت الناخب تعبيراً عن إرادته، لا عن حاجته؛ ونكون قد بدأنا فعلاً إعادة إعمار غزة، ليس فقط بالحجر، بل بالإنسان القادر على اختيار مستقبله بحرية.

