Menu

سيزيف في الجهة الأخرى من الجبل .. هل نريد فعلا أن نصل ..؟

يونس العموري

بوابة الهدف

 

كان سيزيف يدفع صخرته إلى أعلى الجبل، يعرف أنها ستعود، ويعرف أنه سيعود معها إلى السفح، ومع ذلك كان يواصل الدفع. لم يكن غبيا كما حاول بعض الفلاسفة أن يصوروه، ولم يكن بطلا كما تحب الحكايات أن تصنع من الذين يكررون عذابهم. كان فقط رجلا وقع في المصيدة الأكثر قسوة .. أن يتحول التكرار إلى قدر، والقدر إلى عادة، والعادة إلى شيء يشبه الحقيقة... ولعل مأساة سيزيف الحقيقية لم تكن في الصخرة، بل في أنه لم يسأل، طوال قرون اللعنة، السؤال البديهي .. ماذا لو كانت المشكلة ليست في عجزه عن دفع الصخرة، بل في إصراره على دفعها بالطريقة نفسها .. ؟

نحن أيضا لدينا صخرتنا... لكن صخرتنا أكثر تعقيدا من صخرة سيزيف. صخرته حجر واحد، أما صخرتنا فهي وطن مجزأ، وذاكرة مثقلة، وأرض تتناقص، وناس يزدادون، وقيادات تتبدل، وشعارات تبقى، وخرائط تتغير، ومؤسسات تتضخم، وانقسامات تتكاثر، وأمل لا يريد أن يموت، حتى حين لا يجد من يرعاه... منذ عقود ونحن ندفع هذه الصخرة. وكل جيل يصل إلى السفح وهو يحمل آثار الجيل الذي سبقه على كتفيه. نغير أسماء المراحل، ونغير اللغة، ونغير الوجوه، ونغير موازين القوى، ثم نكتشف في النهاية أن الصخرة ما زالت في المكان نفسه، وأن الجبل لا يزال أعلى مما ينبغي، وأن الذين وعدونا بالقمة صاروا خبراء في شرح الطريق أكثر من كونهم قادرين على الوصول... المفارقة أننا لم نعد نختلف على الصخرة نفسها، بل على من يملك حق حملها... وهنا بدأت الكارثة... تحولت القضية من مشروع تحرر إلى مجال واسع للتنافس على تمثيل التحرر. صار لكل طرف صخرة خاصة به، وكل صخرة تحمل تاريخا وشهداء وتضحيات وشرعية. وكل طرف يريد من الناس أن يصدقوا أن صخرته هي الأصل، وأن الصخور الأخرى أما مزيفة أو ناقصة أو منحرفة عن الطريق... وبينما يتجادل حاملو الصخور حول من كان أكثر إخلاصا، كانت الأرض نفسها تتآكل تحت أقدامهم...

لم تكن المشكلة يوما في غياب التضحيات. هذه الأرض دفعت من دمها أكثر مما تستطيع الذاكرة أن تحصي. المشكلة أن التضحية، حين لا تتحول إلى مشروع، يمكن أن تتحول إلى رصيد سياسي. والشهادة، حين تتحول إلى مادة للمزايدة، تفقد شيئا من قدسيتها. والذاكرة، حين تستخدم لاحتكار الحقيقة، تصبح سجنا جديدا بدل أن تكون جسرا إلى المستقبل... ولذلك صار لدينا مشهد غريب .. الجميع يتحدث عن فلسطين، لكن فلسطين نفسها تكاد تختفي من الكلام... يتحدثون عن الشرعية، عن التمثيل، عن البرنامج، عن القرار المستقل، عن المقاومة، عن الدولة، عن الوحدة، عن الثوابت، عن الاعتراف الدولي، عن المجتمع الدولي، عن اللحظة التاريخية، عن الظروف الإقليمية، وعن كل شيء تقريبا باستثناء السؤال الذي يطارد الناس في بيوتهم .. إلى أين نحن ذاهبون؟ .. ليس السؤال .. من المخطئ ..؟؟ ولا .. من كان أكثر وطنية.. ؟؟ ولا .. من يملك التاريخ الأكثر نظافة..؟؟ السؤال أبسط وأكثر قسوة.. هل نحن نقترب ..؟؟ لأن القضية الوطنية لا تقاس فقط بعدد البيانات التي تصدر باسمها، ولا بعدد المؤتمرات التي تعقد حولها، ولا بعدد الصور التي ترفع في المناسبات، ولا بعدد الكلمات التي يقال فيها إن الوحدة الوطنية ضرورة تاريخية. تقاس أيضا بقدرتها على إنتاج أفق للناس، وبقدرتها على تحويل التضحيات إلى قوة سياسية، والقوة السياسية إلى انجاز، والانجاز إلى خطوة أخرى... أما أن نبقى نعيد شرح فشلنا بلغة النجاح، فهذه ليست مقاومة للزمن، بل استسلام له...

ولعل أكثر ما يؤلم في حكايتنا أن الذين يجلسون قرب الصخرة صاروا أحيانا أهم من الذين يدفعونها. صار هناك من يتولى إدارة الصخرة، ومن يتولى الحديث باسمها، ومن يتولى حراستها، ومن يتولى تفسير تاريخها، ومن يتولى توزيع شهادات الوطنية على الذين يقتربون منها، حتى أصبح السؤال عن جدوى الدفع نفسه يبدو أحيانا أكثر خطورة من سقوط الصخرة... وهنا تتساوى أشياء كثيرة رغم اختلاف شعاراتها... فالسلطة التي تخاف من السؤال، والقوة الوطنية التي تخاف من المراجعة، والنخبة التي تخاف من الاعتراف بالفشل، كلها تقع في الخندق نفسه، حتى لو اختلفت راياتها. لأن الخوف من النقد هو في النهاية خوف من انكشاف المسافة بين ما نقوله وما نفعله...

ولا أحد معصوم من هذه المسافة... لا الذين جعلوا من الواقعية السياسية مذهبا يبرر الانتظار إلى ما لا نهاية، ولا الذين جعلوا من المقاومة إجابة تصلح لكل سؤال، ولا الذين اكتشفوا فجأة أن الانقسام يمكن أن يصبح نظام حياة، ولا الذين يكررون أن الوحدة ضرورة ثم يضعون لها كل يوم شرطا جديدا، ولا الذين يتحدثون عن الشعب بوصفه مصدر الشرعية ثم لا يتذكرونه إلا حين يحتاجون إلى شرعية جديدة... الشعب نفسه صار صخرة في بعض الخطابات... يستدعى حين نحتاج إلى صورته، ويغيب حين نحتاج إلى صوته...يطلب منه الصبر، والتحمل، والتضحية، والانتظار، والثقة، ثم لا يسأل بما يكفي .. ماذا يريد هذا الشعب من حياته، لا من قضيته فقط ..؟ فالناس لا يعيشون على المجد وحده. يريدون بيتا آمنا، وعملا، وتعليما، وكرامة، وعدالة، ومؤسسات لا تعاملهم كمتهمين، وقيادات تستطيع أن تقول لهم الحقيقة حتى حين تكون الحقيقة مؤلمة. يريدون أن يشعروا أنهم شركاء في المستقبل، لا وقودا في الطريق إليه... وهذا هو السؤال الذي تهرب منه السياسة كثيرا .. ماذا يحدث للقضية حين يتعب أصحابها ..؟

سيزيف لم يكن يتعب من الصخرة فقط. كان يتعب من المعرفة المسبقة بأنها ستعود. وهذه ربما هي أكثر نقاط التشابه قسوة بينه وبيننا. أن تعرف أنك ستعود إلى المكان نفسه، ثم تقنع نفسك كل صباح أن اليوم مختلف... نقول إن المرحلة مختلفة... ثم نفعل الشيء نفسه... نقول إن الظروف تغيرت... ثم نعيد الخطاب نفسه...نقول إن الانقسام يجب أن ينتهي... ثم نكتشف أن لكل طرف مصلحة في أن يبقى الانقسام تحت السيطرة لا أن ينتهي فعلا... نقول إن المشروع الوطني يحتاج إلى تجديد... ثم نخاف من كل فكرة جديدة لأنها قد تهدد ترتيب المقاعد القديمة... وهكذا لا تعود المشكلة أننا لا نعرف ماذا نفعل، بل أن كثيرا من الذين يملكون القدرة على الفعل اعتادوا النظام الذي يجعل عدم الفعل ممكنا... وهنا تصبح صخرة سيزيف أقل قسوة من صخرتنا... فسيزيف كان يعرف أن الآلهة تعاقبه... أما نحن، فنعاقب أنفسنا ثم نختلف حول اسم العقوبة... وربما حان الوقت لكي نتوقف عن تمجيد الصخرة... ليست كل صخرة مقدسة لمجرد أننا حملناها طويلا. وليست كل عادة ثابتا وطنيا. وليست كل قيادة تاريخية صالحة إلى الأبد، ولا كل شعار قديم صالحا لمواجهة عالم تغير، ولا كل نقد مؤامرة، ولا كل اختلاف انشقاقا، ولا كل مراجعة خيانة... الوطنية التي لا تسمح لنفسها بالمراجعة تتحول في النهاية إلى طقس... والثورة التي لا تعرف كيف تنتج مؤسسات عادلة تتحول إلى ذاكرة... والسلطة التي لا تقبل النقد تتحول إلى جدار... والقوة التي لا تعرف متى ولماذا تستخدم قوتها قد تتحول، من حيث لا تريد، إلى جزء من أزمة شعبها... أما فلسطين، تلك التي نتحدث باسمها جميعا، فهي أكبر من كل هذه الترتيبات... أكبر من حزب، وأكبر من سلطة، وأكبر من فصيل، وأكبر من قائد، وأكبر حتى من الأجيال التي ظنت أنها تملك حق احتكار تفسيرها... فلسطين ليست صخرة نرثها ثم نطلب من أبنائنا أن يدفعوها بالطريقة التي دفعناها بها... فلسطين سؤال مفتوح... وإذا كانت الأجيال السابقة قد حملت الصخرة لأنها لم تجد خيارا آخر، فإن من حق الجيل الجديد أن يسأل .. هل ما زال هذا هو الخيار الوحيد ..؟ قد يكون السؤال مؤلما... وقد يثير غضب حراس الجبل... وقد يقال لمن يطرحه أنه لا يعرف التاريخ، أو أنه يسيء إلى التضحيات، أو أنه ضعيف الإيمان، أو أنه يخدم خصمه دون أن يدري... لكن التاريخ نفسه لا يتقدم بالإجابات الجاهزة. يتقدم حين يجرؤ أحدهم على السؤال في اللحظة التي يصبح فيها السؤال أخطر من الصمت...

كان سيزيف، في الأسطورة، محكوما بدفع الصخرة... أما نحن فلسنا ملزمين بأن نكون شخصيات في أسطورة كتبها لنا غيرنا... نستطيع أن نضع الصخرة أرضا... نستطيع أن نغير موقعنا... نستطيع أن نعيد تعريف الطريق... نستطيع أن نكتشف أن القمة ليست بالضرورة حيث قيل لنا إنها تكون... وربما تكون الخطوة الفلسطينية الأكثر شجاعة اليوم ليست أن يدفع كل طرف صخرته بقوة أكبر، بل أن يتوقف الجميع لحظة، وينظروا إلى الجبل، ثم إلى الناس، ثم إلى الصخرة، ويسألوا السؤال الذي تأخر كثيرا .. هل نريد فعلا أن نصل ..؟ أم أننا، في مكان ما من هذا الطريق الطويل، تعلمنا كيف نعيش من دون الوصول .. ؟