Menu

الضفة التي تُسرق في وضح النهار

موسى جرادات

بوابة الهدف

 

أمام الهجمة الاستيطانية التي تعم الضفة الغربية، تتكشف الخطط التي تعدها حكومة الاحتلال، التي لم تعد تكترث إلى أي ضوابط كانت قائمة في الماضي، بعد أن تحللت من كل الاتفاقات التي عقدتها مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وباتت تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها مساحة مفتوحة لمشروعها الاستيطاني، من دون أن تجد في الواقع الفلسطيني أو العربي أو الدولي ما يجبرها على التراجع.

المسألة لم تعد تقتصر على بناء مستوطنة هنا أو توسيع بؤرة هناك، وإنما باتت تتخذ شكلًا متكاملًا يقوم على مصادرة الأرض، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق، وتقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية، وتحويل الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر منفصلة، بحيث يصبح التواصل بين المدن والقرى الفلسطينية خاضعًا لإرادة الاحتلال. وهنا تحديدًا تكمن خطورة المشروع؛ فالاستيطان لا يلتهم الأرض فقط، وإنما يعيد تشكيل المكان بما يخدم مشروعًا سياسيًا طويل المدى.

في المقابل، المشهد السياسي الفلسطيني يسير في متاهة لا قرار لها؛ فلا وحدة وطنية في المدى المنظور، ولا تصور عام فلسطيني لكيفية الخروج من هذا المأزق الوجودي التاريخي الذي يصاحب هذا التمدد الاستيطاني الذي يلتهم أراضي الضفة. ويبدو أن الخلاف الفلسطيني لم يعد مجرد اختلاف طبيعي بين قوى سياسية حول البرامج والوسائل، وإنما تحول إلى حالة من العجز المزمن عن إنتاج رؤية وطنية قادرة على التعامل مع اللحظة الراهنة.

أمام هذا التحدي المصيري، يجد الفلسطيني نفسه في فراغ كلي؛ فلا حوامل موضوعية تحمي مشروعه التحرري، ولا حتى بوادر بناء تصور عام يعيد الاعتبار لهذا المشروع. وكما هو معلوم، فإن المقاومة المسلحة أصيبت في مقتل، ولم تعد قادرة على المواجهة بالفعل بفعل عوامل ذاتية وموضوعية فرضتها المرحلة الراهنة. لكن هذا الأمر لا يمنع من البحث عن حلول، فالنضال الوطني الفلسطيني كان ولا يزال فعلًا تراكميًا؛ صحيح أنه تعرض لزلزال عنيف، لكن هذا الأمر لا يعفي من مهمة البحث عن إجابات حقيقية لهذه التحديات المصيرية.

وربما البداية لا تتم دون أن توضع النقاط على الحروف، وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. فالمشكلة في الحالة الفلسطينية تكمن في أن المؤسسات الفلسطينية، وعلى مختلف تسمياتها وإلى أي فكر انتمت، تعيش لحظة موت سريري، دون بوادر أي اعتراف بذلك. والمشكلة هنا ليست في وجود المؤسسات من حيث الشكل، وإنما في قدرتها على إنتاج فعل سياسي يتناسب مع حجم التحديات التي يواجهها الفلسطينيون.

كل الحلول المطروحة اليوم هي حلول ترقيعية لا تستجيب لعمق المسألة. فكلنا يعرف أن الديمقراطية الفلسطينية تُدار بشكل عكسي، أي من القمة إلى القاع، بحيث أصبحت أي دعوة إلى انتخابات هدفها تثبيت الواقع، بدلًا من فتح الباب على مصراعيه لدخول قوى وطاقات جديدة إلى مسرح الفعل، فتتحول تلك الانتخابات إلى أداة تمديد لحالة الجمود والموت السريري الذي يعيشه الواقع السياسي الفلسطيني.

والانتخابات، في أي تجربة ديمقراطية حقيقية، ليست مجرد عملية تقنية لاختيار أشخاص، وإنما وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية وتجديد النخب وفتح المجال أمام أفكار وقوى جديدة. أما حين تتحول إلى آلية لإعادة تدوير الواقع ذاته، فإنها تفقد معناها السياسي وتصبح جزءًا من الأزمة بدل أن تكون مدخلًا للخروج منها.

بينما الضفة الغربية تواجه كل تلك التحديات القديمة والمستجدة، وهي تعيش نكبات داخلية، في ظل ضغط معيشي متواصل من قبل الاحتلال، هدفه الأول والأساس تحويل الحياة في الضفة الغربية إلى بيئة طاردة، وتشكيل وعي فلسطيني يقول إن الخلاص بالهجرة خارج حدود الوطن، للبحث عن مقومات الحياة.

فالترانسفير بأدوات ناعمة من قبل الاحتلال أصبح امتدادًا للهجمة الاستيطانية وجزءًا لا يتجزأ من هذا المشروع الهادف إلى تفريغ الضفة من السكان. وقد لا يأتي التهجير دائمًا في صورة قرار مباشر بإجبار الناس على الرحيل؛ فقد تكون له أدوات أخرى أكثر هدوءًا وأشد خطورة، تبدأ من مصادرة الأرض، وتمر عبر الحواجز وتقييد الحركة، وتهديد مصادر الرزق، وهدم المنازل، وتضييق المجال الاقتصادي والاجتماعي، وصولًا إلى جعل الإنسان الفلسطيني يشعر أن البقاء في أرضه أصبح عبئًا يفوق قدرته على الاحتمال.

وقد يقول البعض إن هذا التصور سوداوي ولا يصف الواقع بعين الحقيقة، لكن لا يوجد تفسير آخر لكل ما يجري اليوم في الضفة الغربية. صحيح أن المشروع الاحتلالي يواجه هو الآخر عقبات ذاتية وموضوعية، لكننا لم نرَ حتى اليوم مشروعًا فلسطينيًا إنقاذيًا يهدف إلى التصدي له، ويبقى الشعب الفلسطيني، باللحم الحي، هو الذي يواجه ويتصدى.

لكن السؤال: إلى متى يبقى هذا الشعب قادرًا على الصمود؟

فالصمود ليس موردًا لا ينفد، والشعوب مهما امتلكت من القدرة على الاحتمال تحتاج إلى مؤسسات سياسية تحمي هذا الصمود وتحوّله إلى فعل وطني منظم. والفلسطيني الذي يواجه الاستيطان في قريته وبلدته، ويحمي أرضه وبيته، لا ينبغي أن يُترك وحيدًا في هذه المواجهة، بينما المؤسسات التي يفترض أن تمثله تقف عاجزة عن بناء أدوات حماية سياسية واقتصادية واجتماعية لهذا الصمود.

بعد أن تحولت كل مؤسساته التي تمثله إلى شهود زور على ما يجري، هذا إذا لم تكن أدوات ضبط له في عملية التصدي الملحمي، أخشى ما أخشى أن يصل الأهل في الضفة إلى استنزاف كل رصيدهم في تلك المواجهة، بعد أن يتمكن الاحتلال من كسر كل أنساق المقاومة الشعبية ببعدها المادي والثقافي والمعنوي.

والمواجهة هنا ليست فقط مواجهة على الأرض، وإنما هي أيضًا معركة على الوعي. فالاحتلال لا يريد الأرض خالية من أصحابها فقط، وإنما يريد أن يصل الفلسطيني إلى قناعة بأن لا مستقبل له في أرضه، وأن الهجرة هي الطريق الأسهل للخلاص. ولهذا فإن حماية الفلسطيني من اليأس، وحماية الأجيال الجديدة من فقدان الأمل، لا تقل أهمية عن حماية الأرض نفسها.

وحتى لا نصل إلى تلك النقطة، لا بد من صرخة عامة يصل صداها إلى الجميع، فالضفة التي تُسرق أراضيها في وضح النهار باتت أمام هذا الوحش الاستيطاني وجهًا لوجه. ولا يمكن للفلسطيني أن يكتفي بعدّ الخسائر أو انتظار ردود الفعل الدولية، لأن الأرض التي تُصادر اليوم لن تعود بمجرد بيان إدانة، والبيت الذي يهدم لن تعيده لغة الاستنكار، والمستوطنة التي تتوسع لن تتراجع لأن جهة دولية أصدرت بيانًا جديدًا.

وبالمناسبة، كل التصريحات الأممية والعربية التي تدين هذا الفعل الاستيطاني هي مجرد أدوات تخدير، لأنها غير قادرة على بناء فعل سياسي يمنع المحتل من مواصلة عملياته الاستيطانية. وكل تلك الإدانات لا تخرج عن سياق آلاف الإدانات السابقة التي لم توقف ولم تمنع الاحتلال من مواصلة هجمته التوسعية، وعلى الأغلب لن تتمكن تلك الإدانات، بالتجربة التي يعرفها الفلسطيني، من إيقاف بناء جدار أو توسيع مستوطنة جديدة.

المشكلة إذن ليست في معرفة العالم بما يجري؛ فالعالم يعرف، ويرى، ويصدر البيانات، لكن المشكلة في غياب الفعل الذي يجعل لهذا العلم ثمنًا سياسيًا على الاحتلال. وما لم تتحول المعرفة الدولية إلى ضغط حقيقي، ستظل البيانات جزءًا من المشهد، بينما تستمر الجرافات في العمل على الأرض.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا الواقع إلى مبرر للاستسلام. فالفلسطيني يعرف ذلك، ويعرف أيضًا طريقه في المواجهة، وهو القادر على إدارة الصراع حتى تتغير موازين القوى أو يستنزف المشروع المقابل.

لكن إدارة الصراع تحتاج قبل كل شيء إلى إعادة بناء الذات الفلسطينية؛ إلى استعادة السياسة من حالة الجمود، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفتح المجال أمام الطاقات الجديدة، وبناء وحدة وطنية لا تقوم على توزيع الحصص، وإنما على مشروع سياسي قادر على حماية الفلسطيني وأرضه ومستقبله.

فالضفة الغربية لا تحتاج اليوم إلى مزيد من البيانات التي تصف الخطر، وإنما إلى مشروع فلسطيني يرى الخطر كما هو، ويسميه باسمه، ويبحث عن أدوات مواجهته. والوقت ليس في صالح الفلسطيني؛ لأن الأرض التي تُسرق في وضح النهار لا تنتظر اكتمال النقاشات، والمشروع الاستيطاني لا يتوقف ريثما تنتهي خلافات الفلسطينيين.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا يريد الاحتلال؟ فهذا بات معروفًا إلى حد كبير، وإنما: ماذا يريد الفلسطيني لنفسه، وكيف يستطيع أن يحول إرادته في البقاء إلى مشروع وطني قادر على الفعل؟

تلك هي المعركة التي لا يمكن تأجيلها.