Menu

غسان كنفاني: إعادة كتابة

وفاء حميد

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

في صباح يوم مشرق، يخفي بين طياته سكوناً عاصفاً، وفي عام 1948 لم يدر غسان أن قدميه الصغيرتين كانتا تخطوان الخطوات الأخيرة على تراب عكا، لترسما بعدها خريطة الغياب التي عاشها بقية حياته، بدت شوارع المدينة ترتعش بحزن خفي، وتحولت ليغطيها سحب مغبرة غطت وجه المدينة، وغسان يمسك يد أمه المرتعشة ويسأل: (ماما، لوين رايحين؟ صوري ودفاتري تركناهن بالبيت،) تدفق دمع على خدي أمه، وضمته إلى صدرها قائلة: (راجعين يا طفلي، راجعين بعد شوي).

وعيناه البريئتان تريان آخر نافذة تغلق أمام حياته الجميلة التي عاشها بطفولة وعنفوان، ليسجل رواية الهجرة، وتحمله يد القدر إلى عالم بعيد، ويرسم في فكره طريقاً حفره فكان طريق حياته، أغلقت نافذة الحياة خلفه، ويد العدو أغلقت آخر نور جميل في أرضه، لكن عشقه ل فلسطين من الانتداب إلى الاحتلال زاده تعلقاً بأرضه، فتفتح ذهنه ووعيه ليتخذ القلم والكلمة سلاحاً يقاتل به عدوه الغاصب، بدأت رحلة غسان ليعيش مغامرات السفر والترحال والاطلاع والدراسة، فكان هدفه منذ أغلق الباب خلفه خارج الوطن، العودة إليه، ولكن بطريقته التي ألهمت كل من حوله بعقله وفكره النير أن يكون مرجعاً لهم، فكان الأديب الذي اخترقت كلمته صدر عدوه، لتكون شوكة في حنجرتهم.

توجه غسان وعائلته إلى لبنان بعد رحلة طرد وعذاب لامس كل عائلة فلسطينية، فقال حينها: "صرنا مهجرين"، استأجرت عائلته بيتاً متهالكاً لترتاح أجسادهم المنهكة من تعب الهجرة في بلدة الغازية قرب صيدا، على عتبات بدايات صعبة، غادرها صوب دمشق ليزاول والده مهنة المحاماة من جديد، وتنتعش الأسرة قليلاً في أحوالها المادية، طلب غسان من والده أن يمد كتفاً آخر لمساعدة العائلة ورفع العبء عنهم، فعمل محررا في بعض الصحف البيروتية، وشارك في برنامج "فلسطين" وبرنامج الطلبة، وكتب غسان الشعر والمسرحيات والمقطوعات الموسيقية.

أنهى غسان مرحلته الثانوية، وتابع دراسته الجامعية في قسم الأدب العربي، والقضية لا تغيب عن ذاكرته، فالتقى برجل حكيم وطبيبا للأطفال وسياسيا يدعى جورج حبش ، وهو مؤسس حركة القوميين العرب، وجد في الشاب غسان فكراً متقدماً ونظرة ثاقبة، ورأى فيه شعلة نضال يضيء فيها اسم فلسطين.

قال جورج لغسان: قرأت عنك، وأعجبت بنظرتك وفكرك السياسي المتوقد، فأجابه غسان أريد أن أسلك طريقاً أصنعه بنفسي يوصلنا إلى فلسطين، فرد عليه جورج: تعال نصنعه معا، القلم والسياسة يعطيانها اتجاهاً ومعنى.

سافر غسان إلى الكويت عام 1955، وهناك قضى أربع سنوات بين دراسة وعمل وتدريس واطلاع، خاصة على الأدب الروسي، وساعات طوال قضاها مع جورج حبش الذي أصبح رفيق دربه فيما بعد، وقد ظهرت عنده موهبة الصحافة والأدب، وكتب أولى قصصه القصيرة "القميص المسروق" ولاقت صدى كبيراً ونالت عدة جوائز أدبية.

طلب جورج من رفيق دربه غسان أن يعود إلى لبنان ويترأس صحيفة "الحرية"، فاستجاب لصديقه وانتقل إلى لبنان حاملاً معه عبء قضيته ومرضه السكري، كانت بيروت حاضنة حلمه النضالي، فجمع فيها المقاومين والفدائين والثوار والأدباء، والتف حوله العديد منهم.

وبينما غسان ومحمود درويش يحتسيان فنجان القهوة في أحد مقاهي لبنان، قال محمود لغسان: أشعر بأن أشعاري كلما أكتبها تذهب دون معنى.

فأجابه غسان: لأنك تكتب ليحزن العالم، أما أنا فأكتب لأوجع؛ الكلمة سلاح وسكين تحز رقاب الأعداء، فقال درويش: علمني كيف أمسك السكين في كلماتي، ابتسم غسان وقال لصديقه: أنت تمسك السكين يا صديقي، لكن وجهها بقوة.

في لبنان عاصمة الثقافة، تفاعلت فيها مختلف التيارات، ليعيش غسان حراكاً أدبياً سياسياً كثيفاً، حيث عمل في مجلة "الحرية" (1961) التي كانت تنطق باسم حركة القوميين العرب، ثم أصبح رئيس تحرير جريدة "المحرر" اللبنانية، وأصدر فيها ملحق "فلسطين"، ثم انتقل للعمل في جريدة "الأنوار" اللبنانية، وأسس لاحقاً مجلة "الهدف" الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وترأس تحريرها.

تزوج غسان من (آني) الدنماركية، وأنجب منها طفلين هما فايز وليلى، وعاش حياة أسرية هانئة، لكن غسان استمر بكلمته التي ازدادت يوماً بعد يوم غصة في قلب العدو.

وفي صباح يوم جديد، وهو يودع عائلته، أمسك يد ابنة أخته، وركبا السيارة، قال لها: (بدك آخدك على مدرستك ولا تيجي معي على الجريدة؟)

فأجابته: (بدي روح معك، شوف روح فلسطين بالجريدة)، ضحك غسان وقال لها: (اليوم سأطرز اسمك بالجريدة)، ليدوي صوت انفجار لم يكمل فرحتهما، وأنهى العدو حياته بعبوة ناسفة في سيارته أثناء توجهه لمتابعة عمله النضالي، لتخضب دماؤه مع دماء حبيبته الصغيرة ابنة أخته، واعتقد العدو أنه أنهى بذلك مسيرة نضال وقفت عائقاً في وجهه، ولكن لم يعلم أن كلمات غسان وفكره النضالي ما زالت وقوداً يحفّز الأجيال إلى يومنا هذا ...