Menu

ربما...

يونس العموري

بوابة الهدف

 

هكذا تبدأ الحكاية دائما، بكلمة صغيرة لا تبدو في ظاهرها قادرة على حمل كل هذا التعب، لكنها كانت تكبر في افواهنا كلما ضاق بنا الطريق، وكلما وقفنا امام باب مغلق، وكلما سألنا عن الغد ولم نجد له اسما. ربما يأتي الفرج، ربما يتغير الحال، ربما يتوقف هذا الليل، ربما يتذكر اصحاب المقاعد العالية ان تحت نوافذهم شعبا يتنفس، وان وراء الابواب المغلقة اجيالا لم تعد تحتمل أن يكون عمرها كله موعدا مؤجلا، وربما يستيقظ الذين طال نومهم على وجع الاخرين. وربما... وربما... حتى صارت الكلمة جزءا من قاموسنا الجمعي، وصار الغد هو المكان الذي نضع فيه كل ما عجزنا عن فعله اليوم...

كبرنا على (ربما)، حتى صرنا نعرف كيف نصنع منها وطنا مؤقتا نسكنه حين تضيق بنا الاوطان. نخبئ فيها خوفنا، ونعلق عليها احلامنا، ونضع في جيوبها ما تبقى لنا من يقين. وحين يسألنا أحد.. متى؟ نقول.. ربما غدا. وحين يسألنا.. كيف؟ نقول.. ربما تتبدل الأحوال. وحين يصرخ فينا صوت من داخلنا.. إلى متى؟ نخفض رؤوسنا قليلا، ونهمس كما لو اننا نخشى أن يسمعنا أحد.. ربما ليس الآن...

ولأن هذا الشعب تعود أن يحمل فوق كتفيه أكثر مما ينبغي، فقد تعلمنا أن نؤجل الحزن ايضا. نؤجل جنازاتنا حتى تهدأ الشوارع، ونؤجل فرحنا حتى ينتهي الحصار، ونؤجل الكلام حتى يصبح الكلام آمنا، ونؤجل الحقيقة حتى لا تغضب السلطة، ونؤجل السؤال حتى لا نخسر خبز اليوم. ثم نمضي، نحمل كل هذا المؤجل معنا، من مخيم الى مخيم، ومن قرية الى مدينة، ومن جيل الى جيل، حتى يصبح العمر كله غرفة واسعة امتلأت بأشياء لم نقلها واشياء لم نفعلها واشياء قلنا عنها ذات يوم.. ربما...

لكن (ربما) ليست دائما بريئة... فثمة (ربما) تشبه نافذة يدخل منها الضوء، وثمة (ربما) تشبه ستارة ثقيلة تمنع الضوء من الدخول. الاولى تمنحنا سببا لكي نستمر، والثانية تمنحنا عذرا لكي لا نفعل شيئا. الأولى تقول.. قد يكون الغد مختلفا، فلنصنع له طريقا. والثانية تقول.. دعوا الغد يأتي وحده، فلعل احدا ينقذنا من مسؤولية ان نصنعه... وهنا تبدأ الحكاية الاكثر قسوة... ماذا يحدث لشعب حين يتحول الانتظار فيه الى ثقافة؟ حين يصبح الصبر فضيلة مطلقة حتى أمام ما لا ينبغي احتماله؟ حين نطلب من المقهور أن يصبر، ومن الجائع ان يصبر، ومن الثكلى أن تصبر، ومن الشاب الذي يرى مستقبله يغلق امام عينيه ان يصبر، ثم نضع على كل هذا التأجيل اسما جميلا ونقول.. ربما... ربما يأتي الفرج... ربما تتوحد الكلمة... ربما تنتهي الانقسامات... ربما يعود الغائب... ربما يسقط الظلم... ربما يتذكر أصحاب القرار أن السلطة ليست امتيازا فوق الشعب، وأن الكرسي الذي يرتفع بصاحبه عن الأرض لا يعفيه من حساب الأرض، وان من يجلس في صدر المشهد لا يستطيع أن يطلب من الذين في الصفوف الخلفية أن ينسوا وجعهم لمجرد أن الخطاب الرسمي قال إن الأمور بخير...

وربما تأتي الانتخابات... وهنا أيضا ننتظر... ننتظر موعدا، وننتظر وعدا، وننتظر قائمة، وننتظر بيانا، وننتظر أن يتفق الذين اختلفوا على كل شيء الا على استمرار اختلافهم، وننتظر ان يقرر لنا آخرون شكل الغد، ثم نسأل بعد ذلك لماذا تأخر الغد، ولماذا بقيت الأرض معلقة بين وعد لا يتحقق، وقرار لا يصل، وحق لا يجد طريقه إلى صاحبه... يا لهذا الشعب الذي اتقن الانتظار حتى كاد ينسى أن له يدا في صناعة ما ينتظر..

ومع ذلك، لا اريد أن أظلم (ربما)... فالشعوب لا تعيش باليقين وحده. والشعب الذي عبر كل هذه السنوات بين الاقتلاع والحصار والمخيم والمنفى، وحمل مفتاح البيت القديم كما يحمل اسمه، يحتاج أحيانا إلى كلمة صغيرة تحفظ له نافذة مفتوحة في جدار العتمة. يحتاج الى ان يقول ربما، لا لأنه ضعيف، بل لأنه يرفض أن يصدق أن الليل قدر أبدى. وربما كان هذا هو أجمل ما في الكلمة.. أنها تترك للإنسان مساحة صغيرة لم يهزمها الواقع بعد... ربما سنصل... ربما سنستعيد ما ضاع... ربما يخرج الوطن يوما من يد الذين اختزلوه في راية، أو حزب، أو كرسي، أو شعار، ويعود إلى حضن الشعب الذي دفع ثمنه من أعماره وبيوته ومفاتيح أبوابه ودماء أبنائه، وظل رغم كل ما جرى يزرع الزيتونة في التراب نفسه، ويطل على البحر من بعيد، ويترك نافذة مفتوحة في الذاكرة لمدينة لم تغب مهما طال الغياب...

ربما يأتي يوم لا يحتاج فيه الطفل إلى أن يسأل لماذا مات أبوه، ولا تحتاج فيه الأم إلى أن تخبئ خوفها خلف ابتسامة، ولا يحتاج فيه الشاب إلى أن ينظر خلفه كلما قال رأيا، ولا يحتاج فيه الفقير إلى أن يعتذر عن فقره، ولا يحتاج فيه المواطن إلى أن يتعلم فن الصمت كي يحمي ما تبقى له، ولا تحتاج فيه أمهات المخيمات إلى أن يورثن أبناءهن الحكاية نفسها عن بيت بعيد، وعن طريق مقطوع، وعن عودة مؤجلة منذ عقود...

ربما... ولكن... متى تصبح (ربما) فعلا ...؟ هذا هو السؤال الذي لا تستطيع الكلمة نفسها أن تجيب عنه... لأن الشعوب لا تستطيع أن تبني تاريخها كله على الاحتمال. ولا يمكن لشعب حمل ذاكرته كل هذه المسافة أن يبقى واقفا على عتبة الغد، يحدق فيه من بعيد، ثم يعود كل مساء إلى مقعده ويقول.. ربما غدا... فالغد لا يأتي دائما من تلقاء نفسه... والحرية لا تعرف طريقها وحدها إلى البيوت... والعدالة لا تطرق الأبواب إذا لم يجد أحد شجاعة فتحها... والوطن لا يصبح وطنا كاملا بمجرد أن نكرر اسمه كثيرا...

ربما كانت مشكلتنا الكبرى أننا انتظرنا طويلا حتى صارت (ربما) جزءا من شخصيتنا الجمعية. صارت لغتنا حين نعجز، ومخرجنا حين نخاف، ووسادتنا حين نتعب، ونافذتنا حين لا نملك بابا. وكلما انكسر شيء فينا قلنا.. ربما يتصلح. وكلما ضاع شيء منا قلنا.. ربما يعود. وكلما تأخر الحساب قلنا.. ربما يأتي يومه. وكلما ابتعدت القدس قليلا في خرائط السياسة، قلنا.. ربما تعود إلى مكانها في القلب والواقع معا. وكلما طال الطريق الى الحرية، قلنا.. ربما يكون الصباح قريبا. لكن بعض الاشياء لا تعود... وبعض الأيام لا تنتظر... وبعض الفرص إذا عبرت لا تلتفت خلفها... ولذلك ربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا، لا الذين في الأعلى وحدهم.. كم مرة قلنا (ربما) بينما كنا نعرف الحقيقة ...؟ وكم مرة استخدمنا الامل كي نؤجل المواجهة ...؟ وكم مرة انتظرنا أن يتغير العالم، بينما كنا نملك شيئا صغيرا نستطيع أن نغيره ولم نفعل .. ؟؟ ربما ليست الكلمة التي يجب أن نتخلص منها... ربما علينا فقط أن نعيدها إلى مكانها الصحيح... أن تكون وعدا لا عذرا... أن تكون بداية لا نهاية... أن تكون نافذة لا جدارا... أن تقول لنا.. ربما يكون الغد أفضل...ثم تضيف، بصوت لا يسمعه سوانا.. ولكن ماذا سنفعل اليوم كي يستحق الغد ان يأتي ...؟؟