في كانون الأول/ديسمبر 2025، التقى رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في بالم بيتش بولاية فلوريدا، قادةً من الصهيونية المسيحية الإنجيلية ورؤساء جامعات. وقال لهم إن “إسرائيل” تخوض “حرب الجبهات السبع”، محذرًا من أن هناك الآن جبهة ثامنة: معركة “القلوب والعقول” في الغرب، وتحديدًا بين الشباب، وفوق كل ذلك في الولايات المتحدة.
قبل نحو عامين، كتبتُ مقالاً عن كيفية تطبيع الإعلام الغربي للإبادة الجماعية، لا بالصمت، بل باللغة. فالتعمية اللفظية والمصطلحات الجافة تؤدي المهمة: تصوير حروب دولة الاحتلال على الفلسطينيين في غزة وعلى لبنان باعتبارها حربًا مع “حماس” أو “حزب الله”، واستخدام “اشتباكات” بدلًا من مجازر. كل فارق لغوي يُخدّر القارئ تدريجيًا، وكل تحوير في الصياغة ينقل التركيز من الطفل تحت الركام إلى الجغرافيا السياسية فوقه. لم تكن المفردات يومًا محايدة؛ كانت المسودة الأولى للسردية التي احتاجتها دولة الاحتلال لتخدير الضمير الإنساني وإدامة لامبالاة العالم.
تقليديًا، كان الإعلام يعمل خلف أبواب مغلقة، في غرف تحرير تقرر فيها حفنة من حراس البوابة ما يراه الجمهور وما لا يراه. لكن ذلك لم يعد قائمًا. كسرت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الاحتكار. وحين تولّى الإعلام الشعبي زمام المبادرة، أصبح مراهق فلسطيني يبث مباشرة من غزة، أو يفضح اعتداءات المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية، وممرضة تصوّر ما يجري داخل مستشفى، وأب يسجّل صراخ رضيعه تحت الركام، قادرين على نقل الصورة من دون المرور عبر حراس البوابة.
لم يعد هؤلاء الحراس العدسة الوحيدة التي يرى العالم من خلالها، وهذا الواقع الإعلامي الجديد يُرعب نتنياهو ويهدد احتكار الصهاينة للسردية.
إن تحوّل الطريقة التي يصل بها الخبر الخام إلى الجمهور هو ما فتح، في نظر نتنياهو، “الجبهة الثامنة”. إنها معركة تُخاض في الجامعات الأمريكية وأماكن العبادة ووسائل الإعلام، لإعادة تشكيل نظرة الأمريكيين إلى دولة الاحتلال والحرب. وخلافًا لجبهات دولة الاحتلال السبع الدامية، تُخاض هذه الجبهة بالمال.
أنفقت دولة الاحتلال أكثر من مليار دولار عليها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفي هذا العام وحده ضاعفت تل أبيب ميزانية الدبلوماسية العامة أربع مرات لتصل إلى 730 مليون دولار. وقال وزير الخارجية جدعون ساعر بوضوح إن الإنفاق على الصورة ينبغي أن يُعامل “مثل الاستثمار في الطائرات المقاتلة والقنابل والصواريخ الاعتراضية”. أي أن حكومة دولة الاحتلال تضع الآن ميزانية للدعاية كما تضع ميزانية للعتاد الحربي.
وفي لقائه بمؤثرين أمريكيين، وصف نتنياهو وسائل التواصل الاجتماعي بأنها “أهم سلاح” في معركة دولة الاحتلال. هذا رئيس حكومة أجنبية، يحظى بنفوذ هائل عبر جماعات الضغط داخل الكونغرس والبيت الأبيض، ويضع استراتيجية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لاحتلال العقل الأمريكي.
لهذا الاحتلال اسمًا وثمنًا: “مشروع إستير”.
تعاقدت دولة الاحتلال مع ما بين 14 و18 مؤثرًا أمريكيًا، جندتهم شركة “بريدجز بارتنرز” المسجلة في ولاية ديلاوير، ومررتهم عبر شركه عملاق العلاقات العامة “هافاس”، لإغراق وسائل التواصل الاجتماعي بمحتوى مؤيد لـ”إسرائيل” بمعدل يتراوح بين 25 و30 منشورًا شهريًا. ولم يفصح أي من هؤلاء المؤثرين لمتابعيه، بحسب ما ورد، عن أن الجهة الممولة هي حكومة أجنبية؛ وهو أمر يثير انتهاكات واضحة، إن لم يكن لنص قانون الإفصاح الفدرالي، فلروحه على الأقل.
وإلى جانب “إستير”، وقّعت “كلوك تاور إكس”، التي يديرها براد بارسكال، المدير السابق لحملة ترامب، عقدًا بقيمة 1.5 مليون دولار شهريًا، تتعهد بموجبه لدولة الاحتلال بالحصول على حد أدنى يبلغ 50 مليون مشاهدة و5000 منشور كل شهر، 80 بالمئة منها موجهة مباشرة إلى جيل زد؛ الفئة الأقل اقتناعًا بدعاية دولة الاحتلال، وبالتالي الفئة التي تنفق دولة الاحتلال عليها أكثر من غيرها لتصنيع القبول.
ثم هناك مواقع “كلوك تاور إكس” التابعة لها: “باكس بوينت” و”أليفيا” و”جاستوريوم”، بهدف زرع إجابات مُعدّة سلفًا داخل روبوتات الدردشة الذكية، بحيث تصل “الإجابة المحايدة” إلى المستخدم مغسولة بصمت بالتأطير الإسرائيلي. هذا غسيل للسردية على نطاق صناعي؛ ومعظم الأمريكيين الذين يطرحون سؤالًا على روبوت الذكاء الاصطناعي لا يدركون أن روبوتهم قد يكون عميلًا للهازبارا الصهيونية.
وجه آخر لـ”الجبهة الثامنة” عند نتنياهو هو تحويل الخيال إلى خبر، وبن شابيرو أحد قادة هذه الجبهة. فـ”ديلي واير”، المنصة الإخبارية التي يديرها شابيرو، تحولت إلى مصنع للخيال، ساعدت في إعادة تصوير حروب دولة الاحتلال باعتبارها معارك في صراع مسيحي-إسلامي مختلق.
فيلمه الجديد، Run Hide Fight: Infidels، هو الذراع الخيالية للجبهة الثامنة. يمزج احتجاجات الحرم الجامعي المؤيدة ل فلسطين بصور تنظيم داعش وهو يستولي على جامعة أمريكية، في إنتاج دعائي متنكر في زي الترفيه، هدفه تطبيع كراهية المسلمين وتحويلها إلى خبر ومشهد ومسرحية أمريكية.
والمفارقة تكتب نفسها: دولة تبرر وجودها ذاته بالذاكرة الجماعية للاضطهاد الديني، تنشئ اليوم جيشًا من كارهي الإسلام يروّجون لكراهية دين آخر. اللغة التي استُخدمت يومًا لتصوير اليهود باعتبارهم تهديدًا وجوديًا، يعيد من يدّعون تمثيل اليهود استخدامها لتصوير المسلمين باعتبارهم التهديد الجديد.
أناس يعرفون، ربما أكثر من غيرهم، رعب أن يُشيطن الإنسان بسبب دينه، يمولون الآن جهازًا إعلاميًا لشيطنة المسلمين.
ومع ذلك، ووفق استطلاع لمركز بيو في الربيع الماضي، يحمل 60 بالمئة من الأمريكيين نظرة سلبية تجاه دولة الاحتلال. ولمواجهة ذلك، يمول رئيس وزراء أجنبي آلاف الدولارات مقابل منشور واحد للمؤثرين، ويستعمر بصمت فضاء المعرفة الذي تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي.
60 بالمئة ليست مشكلة في الرسالة الإعلامية؛ إنها حكم صادر عن جمهور رأى ما وراء الهازبارا الإعلامية.
دولة الاحتلال لا تنفق المال لتثقيف الناس؛ إنها تنفقه للتلاعب بهم وإغراقهم في الجهل. فالحقيقة، إذا تُركت لتصل إلى الناس بلا وساطة، هي العدو الأشد فتكًا لدولة الاحتلال.
وحين لا يمكن هزيمة الحقيقة، يصبح السبيل الوحيد إلى احتلال العقل هو تعمية الناس بالكراهية: طفل فلسطيني قُتل يُعاد تصويره باعتباره “درعًا بشريًا”، ومكان عبادة يتحول إلى “تهديد للشريعة”.
لا تستطيع دولة الاحتلال قمع الحقيقة إلا بتحويل المواطنين إلى رهائن العنصرية التي زُرعت في عقولهم. و العنصرية لا تحتاج إلى دليل؛ العنصرية تحتاج إلى عدو ليغذي الكراهية.
فحين يُخدع العقل ليعتقد أنه يعرف عدوه مسبقًا، لا حقيقة ولا ظلم يستطيعان تحريكه. وهذا ما تأمل “الجبهة الثامنة” لدولة الاحتلال تحقيقه: ليس إقناع الناس بالحقيقة، بل تلقينهم الكراهية.

