ولم يكن انتقال النظام السوري الجديد إلى السلطة منفصلاً عن سياق إقليمي ودولي معقّد، تداخلت فيه حسابات ومصالح عواصم عديدة، بينها واشنطن وأنقرة، إلى جانب مواقف عربية وإسرائيلية متباينة. ومنذ ذلك الوقت، بدا أن دمشق تتجه إلى إعادة تعريف أولوياتها وعلاقاتها الإقليمية، بما في ذلك تقليص حضور بعض القوى التي كانت فاعلة في المشهد السوري، وإعادة تنظيم العلاقة مع القوى والفصائل التي اتخذت من سوريا في مراحل سابقة ساحةً لحركتها. كما اتخذت القيادة الجديدة موقفاً أكثر حذراً في مقاربتها للعلاقة مع إسرائيل، مؤكدة أن الأراضي السورية لن تكون منصة لاستهدافها، وهو ما عكس سعياً إلى تجنيب البلاد مواجهة مباشرة، وإتاحة مساحة لمعالجة أوضاعها الداخلية وإعادة بناء مؤسساتها.
وقد قوبلت هذه التحولات، على ما يبدو، بقدر من الارتياح في بعض الأوساط الإقليمية والدولية، وإن لم يؤدِّ ذلك إلى تغيير جوهري في طبيعة التعاطي الإسرائيلي مع سوريا. فقد استمرت إسرائيل في فرض وقائع أمنية وعسكرية جديدة في الجنوب ومحيط جبل الشيخ، بالتوازي مع ضربات طالت مواقع ومنشآت وقدرات عسكرية سورية. وفي ظل هذا الواقع، تجد دمشق نفسها أمام معادلة دقيقة: محاولة استعادة الاستقرار والسيادة، مع تجنب الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة، في وقت تتقاطع فيه الضغوط والحسابات الدولية والإقليمية على الساحة السورية بصورة تجعل هامش الحركة أمام القيادة الجديدة محدوداً وحساساً.
اليوم يُقصف مطار أبو الظهور العسكري في عمق ريف إدلب الجنوبي الشرقي وعلى بعد 70كم عن الحدود التركية ، طبعاً هذا القصف نتاج سياسة سحب الذرائع، والإعتقاد الخاطئ بأن التنازل المجاني يصنع سلاماً، وغياب الردع يجعل الاحتلال شريكا والوثوق بالأمريكي والسكوت على احتلال الأراضي السورية والأهم من ذلك أين هو الخليفة التركي، الراعي لهذا النظام وله مصالح أمنية وعسكرية في سوريا ويعتبرها جزء من امنه الاستراتيجي..؟
استهداف مطار أبو الظهور في ريف ادلب الشرقي حمل عدة رسائل إسرائيلية بعدة اتجاهات منها للنظام السوري الجديد بعدم إعادة بناء القدرات العسكرية السورية وبما لا يمكن اسرائيل من احتوائها والسيطرة عليها، منع تمدد النفوذ التركي داخل الأراضي السورية وتحويل تلك المطارات إلى قواعد عسكرية تركية ثابتة ورسالة أخرى إلى المنطقة والإقليم، بأن اسرائيل تريد أن تكون لاعب رئيسي في تقرير مصير سوريا. وهذه العملية ليست عملية عسكرية عابرة ولن تكون الضربة النهائية والأخيرة.
ومن ضمن تلك الرسائل أيضاً منع إعادة بناء القدرات الجوية السورية ،حيث «إسرائيل» لا تريد لسوريا أن تستعيد سريعاً قدرتها الجوية. إعادة تشغيل مطار كبير مثل أبو الظهور تعني توفير بنية تحتية يمكن أن تستقبل مقاتلات وطائرات نقل ومسيّرات، وبالتالي بدء إعادة تشكيل قوة جوية سورية. ومن هنا يأتي الاستهداف ضمن سياسة أوسع لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية الثقيلة. وعلينا كذلك أن لا ننسى بأن العملية هدفت إلى إبقاء سوريا من دون قدرة ردع حقيقية والهدف الإسرائيلي لا يقتصر على ضرب قاعدة واحدة، بل يتصل برؤية استراتيجية أوسع تقوم على إبقاء سوريا عسكرياً في موقع ضعيف. فكل مطار أو منظومة دفاع جوي أو مخزن تسليح يُعاد تشغيله يمكن أن يشكل مستقبلاً جزءاً من قدرة ردع سورية لا تريدها تل أبيب.
وكذلك ضمان عدم تحول المطار إلى قاعدة إقليمية متقدمة فموقع أبو الظهور يسمح له بأداء دور يتجاوز كونه مطاراً محلياً. وفي حال تطويره بدعم تركي، يمكن أن يتحول إلى قاعدة لوجستية وجوية متقدمة تخدم عمليات أوسع في شمال ووسط سوريا، وهو ما تنظر إليه «إسرائيل» باعتباره تغيراً غير مريح في ميزان القوى وهناك رسالة أخرى حملتها عملية القصف لما عرف وسمي بتحالف مكة، بأن هذا التحالف لن يعيق حرية الحركة الإسرائيلية ولا يعيد رسم الخريطة الجيواستراتيجية للإقليم.
المضحك المبكي إن الموقف الأميركي من الغارات الإسرائيلية على سورية يكرر النموذج الذي ظهر عند الغارة الإسرائيلية على قطر . حيث تقول واشنطن بعد وقوع الاعتداء إنها لا تراه عملاً صائباً، لكنها لا تتحرك لمنعه، ولا تحذّر الدولة المستهدفة قبل تنفيذه، رغم إبلاغ إسرائيل البيت الأبيض مسبقاً. ثم ينتقل النشاط الأميركي من الاعتراض على المعتدي إلى الضغط على الطرف المعتدى عليه لمنعه من الرد. هذا ما حدث مع قطر، ويتكرر اليوم مع تركيا وسورية، كلام لتطييب الخواطر عن السيادة ورفض التصعيد، يقابله إنشاء آلية لمنع الاشتباك هدفها العملي ضبط الرد التركي السوري بعدما تكون “إسرائيل” أوصلت الرسالة وفعلت ما تريد، بينما تبقى حرية الحركة الإسرائيلية بلا ضمانات أو قيود. ليست المسألة إذاً عجزاً أميركياً عن كبح “إسرائيل”، بل توزيعاً مدروساً للأدوار. تغاضٍ قبل الغارة، عتب لفظي بعدها، وضغط سياسي وأمني لحماية نتائجها. وهكذا تفرض “إسرائيل” خطاً أحمر جديداً بالقوة، فيما تتولى واشنطن منع الأطراف المتضررة من اختباره بالقوة، ويتحوّل الاعتراض الأميركي إلى غطاء دبلوماسي لاحتواء الغضب، لا إلى موقف يمنع تكرار العدوان لاحقاً.
النتيجة الراهنة تبقى تقدماً إسرائيلياً وتراجعاً تركيا فالمقياس الحقيقي لن يكون في بيانات الإدانة، بل في مصير “أبو الظهور”. إذا عادت تركيا إلى تأهيل القاعدة ووفرت الحماية للمشروع، تكون قد امتصت الضربة تمهيداً لبناء معادلة ردع. وإذا تخلت عنها أو نقلت مشروعها إلى مكان تختاره “إسرائيل”، تكون تل أبيب قد فرضت عليها خطها الأحمر.
ختاماً : إن قصف مطار أبو الظهور لا يتعلق بمدرج طائرات فقط. ما جرى هو رسالة متعددة الاتجاهات: إلى دمشق بأن إعادة بناء القوة العسكرية ستكون مكلفة، وإلى تركيا بأن تمددها العسكري سيواجه اعتراضاً إسرائيلياً، وإلى المنطقة بأن «إسرائيل» تحاول فرض نفسها لاعباً يحدد شكل التوازن العسكري داخل سوريا. لذلك قد تكون الغارات على أبو الظهور بداية فصل جديد من صراع النفوذ، وليس نهاية حادث أمني عابر.

