ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة لم يعد مجرد تصعيد أمني إسرائيلي جديد، ولا مجرد إجراءات استثنائية مرتبطة بظروف الحرب. نحن أمام مسار متدرج لإعادة صياغة الواقع الفلسطيني بالقوة، وتضييق مساحة الوجود الفلسطيني، وتقويض المؤسسات الدولية التي توفر له الحد الأدنى من الحماية والخدمات والشهادة القانونية والسياسية.
ولعل الاقتحام الإسرائيلي الأخير لـ مركز قلنديا للتدريب المهني التابع للأونروا في القدس الشرقية المحتلة يمثل واحدة من أكثر حلقات هذا المسار دلالة وخطورة. ففي 25 أغسطس/آب دخلت القوات الإسرائيلية المركز بالقوة وأخرجت موظفي الأونروا منه. والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وصف الدخول الإسرائيلي بأنه «غير قانوني»، وطالب بإعادة المركز إلى الأمم المتحدة.
وهنا تكمن أهمية الحدث: المسألة لم تعد فقط في الاعتداء على الفلسطينيين، وإنما في الاعتداء على المؤسسة الدولية نفسها التي أنشأها المجتمع الدولي لخدمة اللاجئين الفلسطينيين.
من استهداف الأونروا إلى استهداف ولاية الأمم المتحدة
من الخطأ النظر إلى ما حدث في قلنديا باعتباره حادثة منفصلة.
فالأونروا تعرضت خلال الفترة الأخيرة لضغوط إسرائيلية متزايدة، وشهد مركز قلنديا نفسه اقتحامات سابقة. وكانت الوكالة قد حذرت في أغسطس من أن المركز هو آخر منشأة تشغيلية لها في القدس الشرقية، وأن استمرار هذه الإجراءات يهدد قدرتها على تقديم خدماتها التعليمية والمهنية.
وهذا يضع المجتمع الدولي أمام سؤال بالغ الخطورة:
هل تستطيع دولة قائمة بالاحتلال أن تقرر من الأمم المتحدة أي مؤسسة أممية تستطيع العمل في الأرض المحتلة، وأي مؤسسة يجب أن تغادر؟
إذا أصبحت الإجابة العملية هي نعم، فإن القضية تتجاوز فلسطين والأونروا. إنها تمس هيبة النظام الدولي نفسه.
فالأمم المتحدة ليست منظمة أهلية يمكن لدولة مضيفة أن تغلقها متى شاءت؛ والأونروا تعمل بموجب تفويض صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن ثم فإن اقتحام منشآتها وطرد موظفيها بالقوة يمثل، سياسيًا وقانونيًا، اختبارًا مباشرًا لمدى قدرة الأمم المتحدة على حماية ولايتها ومؤسساتها.
الاعتقالات والاستيطان: الصورة الأكبر
لكن قلنديا لا يمكن فصلها عن المشهد الأوسع في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
ففي الوقت الذي يجري فيه الضغط على الأونروا، تتواصل الاعتقالات والإجراءات القسرية، ويتوسع الاستيطان، وتتزايد اعتداءات المستوطنين. وفي إحاطة أمام مجلس الأمن في 11 أغسطس، أُبلغ المجلس بأن 76 فلسطينيًا قُتلوا في الضفة الغربية خلال عام 2026 على أيدي القوات الإسرائيلية أو المستوطنين، بينهم 18 طفلًا.
وفي الأسابيع الأخيرة تصاعد أيضًا الخلاف الدولي حول مشروع E1 الاستيطاني، الذي ترى دول عديدة أنه يهدد بتقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية عن بقية الأراضي الفلسطينية، بما يقوض بصورة خطيرة إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ومن هنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا:
الأمر لا يتعلق بإجراءات متفرقة؛ بل بمجموعة سياسات متزامنة: الاستيطان، مصادرة الأرض، التضييق على المؤسسات الفلسطينية والدولية، العنف والاعتقالات، وإضعاف أي مقومات مادية أو سياسية لقيام دولة فلسطينية.
وهذا هو السبب في أن وصف ما يحدث بأنه مجرد «تشدد أمني» لا يفسر الصورة كاملة.
وماذا تستطيع الأمم المتحدة أن تفعل؟
من المتوقع أن تستمر الأمم المتحدة في الإدانة السياسية، والمطالبة باحترام حصانة منشآتها وموظفيها، ومواصلة رفع التقارير إلى مجلس الأمن والجمعية العامة، إضافة إلى الضغط الدبلوماسي والقانوني.
لكن السؤال الأصعب هو: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تفرض على إسرائيل التراجع؟ هنا تظهر المشكلة الحقيقية.
فالأمم المتحدة تمتلك الشرعية الدولية، لكنها لا تمتلك دائمًا أدوات تنفيذية مستقلة عن إرادة الدول الكبرى. ومجلس الأمن، تحديدًا، يبقى رهينة التوازنات السياسية وحق النقض. ولذلك فإن الفجوة بين ما يقوله القانون الدولي وما يمكن للمجتمع الدولي أن يفرضه عمليًا أصبحت واحدة من أكبر أزمات النظام الدولي.
ومع ذلك، فإن الرد الدولي لن يكون بالضرورة بلا أثر. فالموقف الأوروبي، مثلًا، أصبح أكثر صراحة في رفض الاستيطان. وقد أصدرت فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج وكندا والاتحاد الأوروبي بيانًا مشتركًا في أغسطس يعارض خطة E1 ويحذر من تأثيرها على حل الدولتين.
وهذا يعني أن إسرائيل تواجه شيئًا يتغير تدريجيًا: ليس بالضرورة انهيار الدعم الغربي لها، وإنما اتساع الفجوة بين سياساتها وبين الموقف القانوني والسياسي لعدد متزايد من الدول الغربية.
وماذا عن الدعم الأمريكي؟
تبقى الولايات المتحدة العامل الأكثر أهمية في قدرة إسرائيل على الاستمرار في سياساتها من دون مواجهة ضغط دولي موحد وحاسم.
لكن من المهم التمييز بين أمرين: الدعم الأمريكي لإسرائيل من جهة، والموقف الدولي من الاحتلال والاستيطان من جهة أخرى.
فالدعم الأمريكي لا يلغي حقيقة أن معظم المجتمع الدولي يعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية، وأن قرارات الأمم المتحدة ومواقف دول أوروبية عديدة ما زالت تؤكد عدم شرعية الاستيطان.
والتطور الأخطر هو أن الولايات المتحدة قد تستطيع حماية إسرائيل سياسيًا من بعض الضغوط الدولية، لكنها لا تستطيع بسهولة إلغاء التحول في الرأي العام الدولي، ولا إلغاء الآثار القانونية والسياسية المتراكمة للاحتلال والاستيطان.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت إسرائيل اعتمادًا على القوة لفرض وقائع جديدة، ازدادت حاجتها إلى حماية سياسية خارجية، وفي الوقت نفسه ازداد الثمن السياسي والأخلاقي والقانوني لهذه الحماية.
ماذا أتوقع للمرحلة المقبلة؟ في تقديري، هناك ثلاثة مسارات محتملة، وقد تتداخل فيما بينها:
الأول: استمرار الأمر الواقع
وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير: استمرار الاستيطان، الاعتقالات، التضييق على المؤسسات الفلسطينية والأممية، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، مع استمرار بيانات الإدانة الدولية دون إجراءات قادرة على وقف المسار.
الثاني: انتقال أوروبا من الإدانة إلى الضغط العملي
إذا استمر التوسع الاستيطاني واستهداف مؤسسات الأمم المتحدة، فقد تتجه دول أوروبية إلى إجراءات اقتصادية ودبلوماسية أكثر قوة، بما فيها عقوبات موجهة أو قيود على التعامل مع المستوطنات والجهات المرتبطة بها. وهذا سيكون تطورًا مهمًا، لكنه لن يكون كافيًا وحده ما لم يتحول إلى سياسة غربية أوسع.
الثالث: انفجار سياسي وميداني جديد في الضفة الغربية
وهذا هو السيناريو الأخطر. فحين تتراجع آمال الفلسطينيين في الحل السياسي، وتتوسع المستوطنات، وتزداد الاعتقالات والعنف، وتضعف قدرة المؤسسات الفلسطينية والدولية على العمل، فإن احتمالات الانفجار الشعبي والميداني ترتفع. وعندها قد تدخل المنطقة في دورة جديدة من العنف يصعب على أي طرف السيطرة عليها.
الخلاصة: قلنديا ليست قصة مبنى، إن مركز قلنديا ليس مجرد مبنى تدريبي.
إنه رمز. رمز لوجود الأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة، ورمز لدور الأونروا في حياة ملايين اللاجئين الفلسطينيين، ورمز كذلك للصراع على مستقبل القدس والضفة الغربية.
ولهذا فإن طرد موظفي الأونروا من مركز تابع للأمم المتحدة لا ينبغي أن يمر باعتباره حادثة إدارية أو أمنية عابرة. إنه اختبار حقيقي للنظام الدولي.
فإذا كانت دولة محتلة تستطيع أن تدخل منشأة تابعة للأمم المتحدة بالقوة، وتخرج موظفيها، ثم تفرض واقعًا جديدًا على الأرض، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا سيحدث للفلسطينيين؟ بل يصبح السؤال: ماذا بقي من قدرة القانون الدولي على حماية نفسه؟
وهنا أعتقد أن المشهد الفلسطيني مقبل على مرحلة شديدة الحساسية. فالاحتلال يستطيع أن يفرض السيطرة العسكرية، وأن يوسع المستوطنات، وأن يهدم المباني ويعتقل الناس، لكنه لا يستطيع بالقوة وحدها أن يمنح هذه الإجراءات شرعية دولية.
وقد تكون المفارقة التاريخية أن محاولة إلغاء المؤسسات الدولية من الأرض الفلسطينية قد تؤدي، في نهاية المطاف، إلى زيادة تدويل القضية الفلسطينية، لا إلى إنهائها.
فالوقائع يمكن فرضها بالقوة، ولكن الشرعية لا تُنتزع بالقوة. ولهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الأرض، وإنما على من يملك حق تحديد مستقبلها: قوة الاحتلال أم القانون الدولي؟ وهذه، في جوهرها، هي المعركة الحقيقية التي بدأت تتبلور في قلنديا.

