Menu

أبو علي مصطفى ... حين يصبح القائد فكرة

حيدر العيلة أبوالأمير /غزة

بوابة الهدف

خمسة وعشرون عاماً مرت على اغتيال قمر الشهداء أبو علي مصطفى ، لكن بعض القادة لا تنتهي حكايتهم برحيلهم. هناك من يغادرون الحياة فتغادر معهم مرحلة كاملة، وهناك من يتحولون بعد استشهادهم إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وإلى سؤال دائم يواجه الأحياء: ماذا فعلتم بما آمن به القادة الشهداء؟

في مثل هذا اليوم السابع والعشرين من آب/أغسطس 2001، اغتال الاحتلال الإسرائيلي الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين داخل مكتبه في رام الله. كان الاحتلال يعتقد أن صاروخاً يمكن أن ينهي حياة رجل، وأن اغتيال القائد يمكن أن يضع حداً لصوته وللدور الذي مثله. لكنه لم يدرك أن أبا علي لم يكن مجرد شخص في قيادة فصيل، بل كان تعبيراً عن مرحلة كاملة من النضال الفلسطيني، وعن رؤية سياسية ربطت بين المقاومة والتمسك بالحقوق الوطنية والوحدة.

"عدنا لنقاوم لا لنساوم" لم تكن مجرد عبارة قالها أبو علي، وإنما كانت تختصر موقفاً سياسياً وأخلاقياً من الصراع: أن العودة إلى الوطن لا تعني التخلي عن الثوابت، وأن السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى مساومة على الحقوق، وأن المقاومة ليست بديلاً عن السياسة، كما أن السياسة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المقاومة.

اليوم، بعد خمسة وعشرين عاماً، تبدو فلسطين في حاجة إلى استعادة جوهر هذه الفكرة أكثر من حاجتها إلى استعادة الكلمات.

فشعبنا يعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخه. غزة تواجه حرب إبادة ودماراً هائلاً، والضفة الغربية تواجه الاستيطان والضم والتهجير، و القدس تتعرض لسياسات تهدف إلى تغيير واقعها، فيما تتواصل المحاولات الإسرائيلية لتفكيك القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية شعب وحقوق وطنية إلى مجرد قضية إنسانية وإغاثية.

وفي المقابل، يعاني البيت الفلسطيني من الانقسام والتفكك، ومن غياب المؤسسة الوطنية الجامعة القادرة على تمثيل الفلسطينيين جميعاً. وهنا تحديداً يصبح أبو علي حاضراً، لا باعتباره ذكرى، وإنما باعتباره سؤالاً.

فهو الذي كان يرى أن قوة الفصيل لا ينبغي أن تكون على حساب قوة المشروع الوطني، وأن الخلاف السياسي بين القوى الفلسطينية يجب ألا يتحول إلى صراع يستنزف الشعب ويضعف قضيته. وكان يؤمن بأن منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن تكون الإطار الوطني الجامع لكل الفلسطينيين، لا أن تتحول إلى مؤسسة مغلقة أو أداة في يد طرف دون آخر.

ولذلك فإن الوفاء لأبي علي لا يكون بإقامة المهرجانات وإلقاء الكلمات في ذكرى استشهاده فقط. الوفاء الحقيقي يكون في إعادة الاعتبار للمؤسسة الوطنية، وفي إنهاء الانقسام، وفي بناء نظام سياسي فلسطيني يقوم على الشراكة والديمقراطية، وفي إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تضمن مشاركة جميع القوى والمكونات الفلسطينية.

فما قيمة أن نتحدث عن الوحدة الوطنية في كل مناسبة، بينما لا تزال الانقسامات السياسية والجغرافية والتنظيمية أقوى من مؤسساتنا الوطنية؟ وما قيمة الحديث عن القرار الوطني المستقل، بينما لا يمتلك الشعب الفلسطيني حتى الآن مؤسسة ديمقراطية موحدة تمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات؟ هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً في هذه المرحلة تحديداً.

لقد تغير العالم كثيراً خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. القضية الفلسطينية التي حاول الاحتلال طويلاً عزلها وتهميشها عادت بقوة إلى المشهد الدولي، وتزايدت حركة التضامن الشعبي معها، وبدأت مواقف دول وحكومات تتغير تدريجياً.

لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه بصراحة هو: هل نحن مستعدون لاستثمار هذا التحول؟

العالم يمكن أن يتغير تجاه فلسطين، لكن لا يستطيع أن يبني لنا وحدتنا، ولا أن يعيد بناء مؤسساتنا، ولا أن ينهي انقسامنا، ولا أن ينتج قيادة فلسطينية قادرة على تحويل التعاطف الدولي إلى إنجاز سياسي.

وهنا ربما تكمن إحدى أكبر المفارقات في واقعنا الفلسطيني: هناك شعوب في العالم تكتشف فلسطين من جديد، بينما لا تزال القوى الفلسطينية عاجزة عن الاتفاق على الحد الأدنى الذي يجمعها.

أبو علي كان يرى أن الوحدة ليست ترفاً سياسياً، وأن المقاومة تحتاج إلى بيئة وطنية حاضنة، وأن المشروع الوطني لا يمكن أن ينهض إذا بقيت القوى الفلسطينية تتعامل مع بعضها باعتبارها خصوماً أكثر من كونها شركاء في قضية واحدة.

ولهذا فإن استعادة نهجه اليوم لا تعني تكرار تجربته بحذافيرها؛ فالظروف تغيرت، وأدوات الصراع تغيرت، والعالم تغير. لكنها تعني استعادة القيم التي حملها: التمسك بالحقوق، رفض الاحتلال، مقاومة التصفية، حماية الوحدة الوطنية، والإيمان بأن فلسطين أكبر من الفصيل والحزب والتنظيم.

أما المقاومة، فهي ليست كلمة تُرفع في البيانات، ولا شعاراً يُستخدم في الصراع الداخلي. إنها فعل وطني يجب أن يخدم هدفاً سياسياً واضحاً، وأن يحمي الشعب، ويعزز قدرته على الصمود، ويمنع الاحتلال من فرض وقائعه على الأرض.

وفي الوقت نفسه، فإن المقاومة الشعبية، والنضال السياسي والدبلوماسي والقانوني، والعمل الدولي، وكل أشكال النضال المشروعة، يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية واحدة، لا مسارات متنافسة تخدم كل منها حسابات فصيلية مختلفة.

لقد كان أبو علي قائداً لفصيل، لكنه لم يرَ فلسطين من زاوية الفصيل. وهذه ربما إحدى أهم الرسائل التي نحتاج إلى استعادتها اليوم.

فالقضية أكبر من فتح وحماس والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي وكل الفصائل مجتمعة. والفصيل الذي يزداد قوة على حساب القضية الوطنية لا يكون قد انتصر، كما أن الحركة التي تحافظ على تنظيمها بينما يتراجع المشروع الوطني ليست بالضرورة قد نجحت. قوة أي فصيل فلسطيني يجب أن تكون إضافة إلى قوة الشعب والقضية، لا بديلاً عنها.

وبعد خمسة وعشرين عاماً على استشهاده، ربما يكون السؤال الأكثر صدقاً الذي يمكن أن نوجهه لأنفسنا هو: لو كان أبو علي بيننا اليوم، ماذا كان سيفعل أمام هذا الانقسام؟ وماذا كان سيقول أمام هذا الدمار؟ وكيف كان سيتعامل مع عالم بدأ يتغير تجاه فلسطين؟

ربما كان سيقول إن الوقت ليس وقت الصراع على المواقع، ولا وقت الحسابات الصغيرة، ولا وقت تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام دائم. وربما كان سيقول إن فلسطين أكبر من الجميع.

لهذا لا يحتاج أبو علي مصطفى إلى من يخلّده بالكلمات؛ فهو خالد بما تركه من موقف وسيرة وفكرة. أما نحن، فنحتاج أن نسأل أنفسنا إن كنا أوفياء فعلاً لما تركه. فالشهداء لا يطلبون منا أن نبكيهم فقط، بل أن نكمل الطريق الذي استشهدوا من أجله. رحل أبو علي مصطفى، لكن الفكرة التي حملها لم ترحل.

والسؤال اليوم ليس هل ما زلنا نذكره، بل: هل ما زلنا نستحق أن نقول إننا نحمل رايته؟