Menu

الانتخابات وسنوات النار والرماد.. نحو استعادة الديمقراطية وبناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية

محمود الراس

لقد عاش شعبنا الفلسطيني على مدار نحو عقدين ماضيين سنواتٍ ثقيلةً من الانقسام السياسي والجغرافي، لم تجلب له سوى النار والرماد، وعذابات الإقصاء والتفرد والهيمنة. ولم تنجُ من آثار هذه الحالة المدمرة مؤسسةٌ وطنية تمثيلية، ولا مؤسسةٌ حكومية أو خدماتية، من الصحة والتعليم وسائر القطاعات التي تمس حياة المواطن الفلسطيني وكرامته وحقوقه الأساسية.

وفي ظل الانقسام، تحّولت مؤسساتٌ ومقدراتٌ عامة إلى ساحات نفوذ تتنازعها قوى الانقسام وأطرافه وجماعات المصالح، ونمت داخلها شبكات المستفيدين وتجار الأزمات، الذين وجدوا في معاناة شعبنا وأسواقه المنهكة مجالًا للمرابحة والاتجار بالاحتياجات والأرواح، فيما اتّسعت دوائر الفقر والحاجة والبطالة، وأصبح المواطن هو الحلقة الأضعف والأكثر دفعًا لكلفة الانقسام.

ولا يمكن النظر إلى هذه السنوات باعتبارها مجرد خلاف سياسي عابر؛ فقد تحّولت مع الوقت إلى أزمة بنيوية في النظام السياسي الفلسطيني، أصابت وحدة القرار الوطني، وأضعفت مؤسساتنا، وعمّقت الانقسام المجتمعي، وأنتجت واقعًا من الاستقطاب والثأر السياسي والحسابات الشخصية، على حساب القضية الوطنية ومصالح شعبنا.

لقد كان ما جرى بعد انتخابات عام 2006، نتيجةً لتداخل عوامل داخلية وخارجية، ولم يكن الشعب الفلسطيني مسؤولًا عن الانقسام الذي أعقب خياره الديمقراطي؛ فقد مارس شعبنا حقه الطبيعي في اختيار ممثليه، ثم وجد نفسه أمام مسار سياسي وأمني متدحرج، غذّته التدخلات والاشتراطات الخارجية، وعمّقته حسابات أطراف الانقسام وجماعات المصالح، رغم كل المبادرات الوطنية والحوارات والجهود التي بذلتها قوى وشخصيات وطنية وإسلامية لإنهاء هذه الحالة.

وفي عام 2006، كانت البيئة الفلسطينية، رغم صعوبتها، أقل تعقيدًا مما هي عليه اليوم. وقد كانت انتفاضة الأقصى في أوج حضورها، وكان الانسحاب "الإسرائيلي" من قطاع غزة قد جرى تحت ضربات المقاومة، وكانت الحوارات الوطنية قد فتحت - آنذاك - نافذةً لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.

أما اليوم، فنحن أمام واقع أكثر قسوة وخطورة، تتداخل فيه حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، والإرهاب الاستيطاني المنظّم في الضفة، والتهويد المتسارع للقدس، ومخططات الضم والاقتلاع والتهجير، مع أزمةٍ سياسيّة داخليّة عميقة.

ومن هنا فإن الذهاب إلى الانتخابات اليوم يجب أن يتجاوز كونها استحقاقًا إجرائيًّا أو منافسةً على المقاعد، ليصبح مدخلًا سياسيًّا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، واستعادة حق شعبنا في صناعة قراره، واختيار ممثليه، وتحديد مستقبله بإرادته الحرة.

فالاستحقاق الديمقراطي حق أصيل لكل مواطن فلسطيني؛ لكنه في هذه المرحلة ينبغي أن يكون جزءًا من مسار وطني أشمل، يهدف إلى إنهاء حالة التفرد والانقسام، وإعادة الاعتبار للشراكة الوطنية والتعددية السياسية، ودمقرطة المؤسسات، وتجديد الشرعيات على قاعدة الإرادة الشعبية، بما يحفظ وحدانية التمثيل والكيانية الوطنية الفلسطينية.

إن الانتخابات لا يمكن أن تكون غايةً بحد ذاتها، ولا يجوز أن تتحّول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الواقع القائم أو تكريس الانقسام، إنما قيمتها الحقيقية في قدرتها على إحداث التغيير، ووقف النزيف الداخلي، وفتح الطريق أمام نظام سياسي فلسطيني جديد، يقوم على الشراكة والتعددية، ويحتكم إلى المؤسسات والقانون والديمقراطية، ويحمي الحياة السياسية من الإقصاء والهيمنة، ومنطق موازين القوى.

ومن هذا المنطلق، فإن الجبهة الشعبية انطلقت في قرارها بالمشاركة في الانتخابات من رؤية وطنية سياسية متكاملة وواضحة، عبّر عنها نائب الأمين العام الرفيق جميل مزهر خلال اللقاءات الأخيرة التي جمعت كل القوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وهي رؤية تُشّكل أساسًا لموقف الجبهة ومحدداتها تجاه الانتخابات وشكل المشاركة فيها.

وتنطلق هذه الرؤية من أن تضحيات شعبنا وصموده في غزة والضفة و القدس والشتات هي المرجعية الأخلاقية والسياسية لأي حوار وطني، وأن المطلوب من القوى السياسية كافة أن ترتقي إلى مستوى هذه التضحيات، بعيدًا عن الحسابات الضيّقة والبحث عن المواقع أو الحصص أو المقاعد.

كما تؤكد أن قوة كل مكونات الحركة الوطنية هي قوة للمشروع الوطني، وأن وحدة حركة فتح واستعادة دورها الوطني تُمثّلان مصلحة وطنية، وأن تعزيز دور أي فصيل وطني ينبغي أن يتم في إطار النظام السياسي التعددي والشراكة الوطنية الحقيقية، دون أن يكون ذلك على حساب الفصائل الأخرى.

وتؤكد الجبهة أن المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة الانقسام إلى إنهائه، ومن إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، وذلك عبر تحويل اللقاءات الفلسطينية من لقاءات موسمية تفرضها الظروف إلى مسار حواري وطني منتظم، يفضي إلى نتائج واضحة وآليات تنفيذية ملزمة.

وفي هذا السياق، ترى الجبهة أن المرحلة المقبلة تتطلب حوارات ثنائية بين القوى الفلسطينية، يجب أن تتطور إلى حوار وطني شامل وجاد، يشارك فيه الجميع دون إقصاء، وصولًا إلى بلورة رؤية سياسية وبرنامج وطني مشترك، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أساس الشراكة والديمقراطية.

ويجب أن يتناول هذا الحوار جوهر القضية الوطنية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وحق شعبنا في المقاومة وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وضمان حق اللاجئين في العودة، وتحديد استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الاحتلال ومخططات الضم والتهجير والاستيطان والتهويد.

كما ينبغي ألا يقتصر الحوار على الجانب السياسي فحسب، بل يتناول كذلك طبيعة المرحلة الانتقالية، وأشكال المقاومة المناسبة، وكيفية إدارة الصراع مع الاحتلال، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى عقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل والقوى السياسية تُمثّل اليوم حاجة وطنية ملحّة، لبحث القضايا السياسية والأمنية، واستراتيجية المقاومة، وإدارة الصراع، وقواعد الشراكة الوطنية، ووضع الأسس التي تحول دون العودة إلى دوامة الانقسام والصراع الداخلي.

إن شعبنا الذي دفع أثمانًا هائلة خلال سنوات الانقسام، ودفع ولا يزال أثمانًا أكبر في مواجهة الاحتلال وحرب الإبادة، لا يحتمل إعادة إنتاج الماضي بأدواتٍ جديدة، والعاقل من يتعلم من تجاربه، والشعوب الحية هي التي تُحّول مآسيها إلى دروس وقواعد للمستقبل.

لذلك، يمكن أن تُشكّل الانتخابات المقبلة فرصةً حقيقية لفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية، واستعادة ثقة المواطن بمؤسساته، وإعادة بناء النظام السياسي على معالجة أزمات الماضي، وبناء مستقبل سياسي أكثر استقرارًا ووحدة.

المطلوب هو انتخابات تُجرى في بيئة وطنية ومجتمعية سليمة، بضمانات سياسية وقانونية، وبمشاركة الجميع، بما يكفل حرية الترشح والانتخاب والتعبير، ويحفظ نزاهة العملية الانتخابية، ويمنع الإقصاء السياسي واستخدام مؤسسات الدولة لمصلحة طرف على حساب آخر.

إن تجديد الشرعيات لا يرتبط بصندوق الاقتراع وحده، ويتصل كذلك بالبيئة السياسية والوطنية التي تسبق الانتخابات، وبالمسار الذي تفتح عليه نتائجها. ومن هنا، فإن تجديد الشرعيات يرتبط بإعادة بناء الشرعية الوطنية، وتوحيد المؤسسات، واستعادة وحدة الأرض والشعب والقرار، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع، على قاعدة الإصلاح والتفعيل والشراكة الديمقراطية.

لقد آن الأوان لكي يتحّول حق شعبنا في الانتخاب من مجرد إجراء دستوري إلى مدخل لاستعادة المواطن لدوره، واستعادة المؤسسات لدورها، واستعادة النظام السياسي لوظيفته الوطنية.

فالانتخابات التي نريدها معركة من أجل التغيير واستعادة إرادة الشعب؛ تفتح الطريق للخروج من الانقسام، وتعيد القرار إلى المواطن، وتضع حدًّا لاحتكار السلطة والتفرد، وتؤسس لمرحلةٍ سياسية جديدة تقوم على الشراكة والتعددية والديمقراطية، وتعيد بناء النظام السياسي على أساسٍ وطني جامع يليق بتضحيات شعبنا ويستجيب لطموحاته.

وفي ظل حرب الإبادة والهجمة الاستيطانية ومخططات الضم والتهجير، تصبح الوحدة الوطنية والشراكة السياسية أكثر من أي وقت مضى شرطًا من شروط الصمود والمواجهة.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية تتجاوز عدد المقاعد والمواقع، لتتعلق بصورة النظام السياسي الذي نريده، والوطن الذي نسعى إلى بنائه، والمستقبل الذي نريد أن نصنعه لأجيال شعبنا القادمة.

إن شعبًا قدّم كل هذه التضحيات يستحق نظامًا سياسيًّا يليق بصموده، ومؤسساتٍ تحمي حقوقه، وقيادةً تستمد شرعيتها من إرادته، وحركةً وطنيةً تتسع للجميع ولا تستثني أحدًّا.

وختامًا، آن الأوان أن تتحّول الانتخابات إلى نقطة انطلاق للخروج من سنوات النار والرماد، وفتح الطريق أمام بناء نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي وتعددي وتشاركي، يحمي القرار الوطني، ويوحّد طاقات شعبنا، ويعيد الاعتبار لإرادته ودوره في مواجهة الاحتلال حتى تحقيق أهدافه الوطنية المشروعة.

عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين